الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ، يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ فِي التَّوْحِيدِ، قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ، وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا بُعِثُوا عِنْدَ زَفْرَةِ جَهَنَّمَ ; لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ تَاهَتْ عُقُولُهُمْ، فَجَالُوا فِي الدُّنْيَا ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَيُقَالُ: أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ عِنْدَ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ: يَا أَهْلَ الدُّنْيَا، هَا هُنَا مَوْضِعُ الْحِسَابِ، فَيَسْمَعُ النِّدَاءَ جَمِيعُ النَّاسِ، فَيُقْبِلُونَ نَحْوَ الصَّوْتِ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، زَفَرَتْ جَهَنَّمُ زَفْرَةً لَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَّا ظَنَّ أَنَّهُ لَوْ جَاءَ بِعَمَلِ سَبْعِينَ نَبِيًّا مَا نَجَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَاهَتْ عُقُولُهُمْ، فَيَقُولُ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ، يَعْنِي الْمُرْسَلِينَ: مَاذَا أُجِبْتُمْ فِي التَّوْحِيدِ، قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ، ثُمَّ رَجَعَتْ عُقُولُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ فَشَهِدُوا عَلَى قَوْمِهِمْ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا الرِّسَالَةَ عَنْ رَبِّهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ ، يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فِي الْآخِرَةِ، اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ ، يَعْنِي مَرْيَمَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، فَالنِّعْمَةُ عَلَى عِيسَى حِينَ أَيَّدَهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ، يَعْنِي جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا "وَ" تُكَلِّمُهُمْ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ ، يَعْنِي خَطَّ الْكِتَابِ بِيَدِهِ، وَالْحِكْمَةَ ، يَعْنِي الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ، وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ، يَعْنِي عِلْمَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَجَعَلَهُ نَبِيًّا وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ، يَعْنِي الْخُفَّاشَ، بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا ، يَعْنِي فِي الْهَيْئَةِ، فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ ، يَعْنِي الْأَعْمَى الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ أَعْمَى، "وَ" يُبْرِئُ وَالْأَبْرَصَ ، يَمْسَحُهَا بِيَدِهِ فَيُبْرِئُهَا بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي أَحْيَاءً، وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ ، أَيْ عَنْ قَتْلِكَ، إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ، وَهِيَ إِحْيَاءُ سَامِ بْنِ نُوحٍ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَيَقُومُ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ خَطِيبًا عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، وَيَخْطُبُ إِبْلِيسُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، عَلَى أَهْلِ النَّارِ بِهَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: بِمُصْرِخِكُمْ ، يَعْنِي بِمَانِعِكُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ، يَعْنِي بِمَانِعِيَّ مِنَ الْعَذَابِ، إِنِّي كَفَرْتُ ، يَعْنِي تَبَرَّأْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ، أَيْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، وَأَمَّا النِّعْمَةُ عَلَى مَرْيَمَ، عَلَيْهَا السَّلَامُ، فَهِيَ أَنَّهُ اصْطَفَاهَا، يَعْنِي اخْتَارَهَا، وَطَهَّرَهَا مِنَ الْإِثْمِ، وَاخْتَارَهَا عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَهَا زَوْجَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّةِ. قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ، يَعْنِي تُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ صَبِيًّا فِي الْمَهْدِ حِينَ جَاءَتْ بِهِ أُمُّهُ تَحْمِلُهُ، وَيُكَلِّمُهُمْ كَهْلًا حِينَ اجْتَمَعَ وَاسْتَوَتْ لِحْيَتُهُ، وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ ، يَعْنِي خَطَّ الْكِتَابِ بِيَدِهِ، وَالْحِكْمَةَ ، يَعْنِي الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ، وَإِذْ عَلَّمْتُكَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ، يَعْنِي الْخُفَّاشَ، فَتَنْفُخُ فِيهَا ، يَعْنِي فِي الْهَيْئَةِ، فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ أَعْمَى، فَكَانَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَرُدُّ إِلَيْهِ بَصَرَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَمْسَحُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ صَحِيحٌ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأَحْيَا سَامَ بْنَ نُوحٍ بِإِذْنِ اللَّهِ، حَيْثُ كَلَّمَهُ النَّاسُ، ثُمَّ مَاتَ فَعَادَ كَمَا كَانَ، وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ ، يَعْنِي عَنْ قَتْلِكَ حِينَ رَفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ، وَقَتْلِ شَبِيهِهِ، وَهُوَ الرَّقِيبُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ، يَعْنِي بِالْعَجَائِبِ الَّتِي كَانَ يَصْنَعُهَا مِنْ إِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَالْمَوْتَى وَالطَّيْرِ وَنَحْوِهِ. فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ، يَعْنِي مِنَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ، يَعْنِي مَا هَذَا الَّذِي يَصْنَعُ عِيسَى مِنَ الْأَعَاجِيبِ إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ، يَعْنِي بَيِّنٌ، نَظِيرُهَا فِي الصَّفِّ، وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ ، وَهُمُ الْقَصَّارُونَ مُبَيِّضُو الثِّيَابِ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَالْوَحْيُ إِلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ إِلْهَامٌ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ التَّصْدِيقَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، بِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنْ آمِنُوا بِي أَنْ صَدِّقُوا بِأَنِّي وَاحِدٌ لَيْسَ مَعِي شَرِيكٌ، وَبِرَسُولِي ، عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ رَسُولٌ، قَالُوا آمَنَّا ، يَعْنِي صَدَّقْنَا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُهُ، وَاشْهَدْ يَا عِيسَى بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ، يَعْنِي مُخْلِصُونَ بِالتَّوْحِيدِ. إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ، يَقُولُ: هَلْ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَكَ رَبُّكَ إِنْ سَأَلْتَهُ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ ، فَلَا تَسْأَلُوهُ الْبَلَاءَ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّهَا إِنْ نَزَلَتْ ثُمَّ كَذَّبْتُمْ عُوقِبْتُمْ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا ، فَقَدْ جُعْنَا، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ، يَعْنِي وَتَسْكُنَ قُلُوبُنَا إِلَى مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ، وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا بِأَنَّكَ نَبِيٌّ رَسُولٌ، وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ، يَعْنِي عَلَى الْمَائِدَةِ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا رَجَعْنَا إِلَيْهِمْ، وَكَانَ الْقَوْمُ الَّذِينَ خَرَجُوا وَسَأَلُوا الْمَائِدَةَ خَمْسَةَ آلَافِ بِطْرِيقٍ، وَهُمُ الَّذِينَ سَأَلُوا الْمَائِدَةَ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ. قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ، يَقُولُ: تَكُونُ عِيدًا لِمَنْ كَانَ فِي زَمَانِنَا عِنْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، وَتَكُونُ عِيدًا لِمَنْ بَعْدَنَا، "وَ" تَكُونُ الْمَائِدَةُ وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا ، يَعْنِي الْمَائِدَةَ، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ، مِنْ غَيْرِكَ، يَقُولُ: فَإِنَّكَ خَيْرُ مَنْ يَرْزُقُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، إِنِّي مُنَزِّلُهَا يَعْنِي الْمَائِدَةَ، عَلَيْكُمْ ، فَنَزَّلَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ، فَنَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهَا سَمَكٌ طَرِيٌّ، وَخُبْزٌ رُقَاقٌ، وَتَمْرٌ، وَذَكَرُوا أَنَّ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي رَوْضَةٍ : هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ فَجَاءَ شَمْعُونُ بِسَمَكَتَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ، وَخَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ، وَجَاءَ آخَرُ بِشَيْءٍ مِنْ سَوِيقٍ، فَعَمَدَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطَعَهُمَا صِغَارًا وَكَسَّرَ الْخُبْزَ، فَوَضَعَهَا فِلَقًا فِلَقًا، وَوَضَعَ السَّوِيقَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَدَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَلْقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَصْحَابِهِ شِبْهَ السُّبَاتِ، فَفَتَحَ الْقَوْمُ أَعْيُنَهُمْ، فَزَادَ الطَّعَامُ حَتَّى بَلَغَ الرُّكَبَ، فَقَالَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْقَوْمِ: كُلُوا وَسَمُّوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا تَرْفَعُوا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْلِسُوا حِلَقًا حِلَقًا، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَهُمْ خَمْسَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَهَذَا لَيْلَةُ الْأَحَدِ وَيَوْمُ الْأَحَدِ. فَنَادَى عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَكَلْتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَا تَرْفَعُوا، قَالُوا: لَا نَرْفَعُ، فَرَفَعُوا، فَبَلَغَ مَا رَفَعُوا مِنَ الْفَضْلِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ مِكْتَلًا، فَآمَنُوا عِنْدَ ذَلِكَ بِعِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَدَّقُوا بِهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمُ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَعَهُمْ فَضْلُ الْمَائِدَةِ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِمْ حَتَّى ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَكَفَرُوا بِاللَّهِ، وَجَحَدُوا بِنُزُولِ الْمَائِدَةِ، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُمْ نِيَامٌ خَنَازِيرَ، وَلَيْسَ فِيهِمْ صَبِيٌّ وَلَا امْرَأَةٌ. وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ، يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الدُّنْيَا، اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ مَرْيَمَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ فَنَزَّهَ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ: مَا يَكُونُ لِي ، يَعْنِي مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ، يَعْنِي بِعَدْلٍ أَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَكَ، إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ لَهُمْ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ، يَعْنِي مَا كَانَ مِنِّي وَمَا يَكُونُ، وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ، يَقُولُ: وَلَا أَطَّلِعُ عَلَى غَيْبِكَ، وَقَالَ أَيْضًا، وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي عِلْمِكَ، مَا كَانَ مِنْكَ وَمَا يَكُونُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ،، يَعْنِي غَيْبَ مَا كَانَ وَغَيْبَ مَا يَكُونُ. مَا قُلْتُ لَهُمْ وَأَنْتَ تَعْلَمُ، إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ فِي الدُّنْيَا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ، يَعْنِي وَحِّدُوا اللَّهَ، رَبِّي وَرَبُّكُمْ ، قَالَ لَهُمْ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَفِي كَهَيَعَصَ، وَفِي الزُّخْرُفِ، وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ، يَعْنِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ قَدْ بَلَّغْتُهُمُ الرِّسَالَةَ، مَا دُمْتُ فِيهِمْ ، يَقُولُ: مَا كُنْتُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ، يَقُولُ: فَلَمَّا بَلَغَ بِي أَجَلُ الْمَوْتِ فَمِتُّ، كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ، يَعْنِي الْحَفِيظَ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ، يَعْنِي شَاهِدًا بِمَا أَمَرْتُهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَشَهِيدٌ عَلَيْهِمْ بِمَا قَالُوا مِنَ الْبُهْتَانِ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، وَلَمْ يَقُلْ: وَإِذْ يَقُولُ: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ; لِأَنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ قَبْلَ ذِكْرِ عِيسَى يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، فَيَقُولُ: مَاذَا أَجَبْتُمْ؟ قَالُوا: يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، حِينَ يَفْرَغُ مِنْ مُخَاصَمَةِ الرُّسُلِ، فَيُنَادَى: أَيْنَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَقُومُ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفِقٌ، فَرِقٌ، يُرْعِدُ رِعْدَةً حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَا عِيسَى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ . وَكَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْجَنَّةَ، قَالَ: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ ، فَنَسَّقَ بِالْمَاضِي عَلَى الْمَاضِي، وَالْمَعْنَى مُسْتَقْبَلٌ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرِ الْجَنَّةَ قَبْلَ بَدْئِهِمْ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ لَقَالَ فِي الْكَلَامِ الْأَوَّلِ: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ. ثُمَّ قَالَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْآخِرَةِ: يَا رَبِّ، غِبْتُ عَنْهُمْ وَتَرَكْتُهُمْ عَلَى الْحَقِّ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ، فَلَمْ أَدْرِ مَا أَحْدَثُوا بَعْدِي، فَـ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَتُمِيتُهُمْ عَلَى مَا قَالُوا مِنَ الْبُهْتَانِ وَالْكُفْرِ، فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ، وَأَنْتَ خَلَقْتَهُمْ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ، فَتَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَتَهْدِيهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْمَغْفِرَةِ بَعْدَ الْهِدَايَةِ إِلَى الْإِيمَانِ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فِي مُلْكِكَ، الْحَكِيمُ فِي أَمْرِكَ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ "، نَظِيرُهَا فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي مُخَاطَبَةِ إِبْرَاهِيمَ: وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، وَهِيَ كَذَلِكَ أَيْضًا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية