الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ، بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ، نَظِيرُهَا فِي يس: بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي ، هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ ، يَعْنِي مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَيْكَ، لَمِنَ الْغَافِلِينَ عَنْهُ. إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَعْقُوبُ: يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ هَبَطُوا إِلَى الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ، فَـ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ، فَالْكَوَاكِبُ الْأَحَدَ عَشَرَ إِخْوَتُهُ، وَالشَّمْسُ أُمُّ يُوسُفَ، وَهِيَ رَاحِيلُ بِنْتُ لَاتَانَ، وَلَاتَانُ هُوَ خَالُ يَعْقُوبَ ، وَالْقَمَرُ أَبُوهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ عَلِمَ تَعْبِيرَ مَا رَأَى يُوسُفُ. قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَحْسُدُوكَ إِضْمَارٌ، فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ، فَيَعْمَلُوا بِكَ شَرًّا، إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ، يَعْنِي بَيِّنٌ. وَقَالَ يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ، يَقُولُ: وَهَكَذَا يَسْتَخْلِصُكَ رَبُّكَ بِالسُّجُودِ، وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ، يَعْنِي وَيُعَلِّمُكَ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا، وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ ، يَعْنِي بِآلِ يَعْقُوبَ هُوَ وَامْرَأَتِهِ وَإِخْوَتِهِ الْأَحَدَ عَشَرَ، بِالسُّجُودِ لَكَ، كَمَا أَتَمَّهَا ، يَعْنِي النِّعْمَةَ، عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ ، يَعْنِي بِأَبَوَيْهِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يَذْبَحُ ابْنَهُ إِسْحَاقَ، وَأُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ، فَنَجَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا، وَأَرَادَ ذَبْحَ ابْنِهِ، فَخَلَّصَهُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ، وَإِسْحَاقَ فِي رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ فِي ذَبْحِ إِسْحَاقَ، إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ بِتَمَامِهَا، حَكِيمٌ ، يَعْنِي الْقَاضِيَ لَهَا. لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ ، يَعْنِي عَلَامَاتٌ، لِلسَّائِلِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا سَمِعُوا ذِكْرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ ، وَحُيَيٌّ ، وَجَدِّي ابْنَا أَخْطَبَ ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ أَوْفَى ، وَعَمْرٌو ، وَبَحِيرًا ، وَغَزَالُ بْنُ السَّمَوْأَلِ ، وَمَالِكُ بْنُ الضَّيْفِ ، فَلَمْ يَرُمْنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ غَيْرَ جَبْرٍ غُلَامِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ، وَيَسَارٌ أَبُو فُكَيْهِهِ ، وَعَدَّاسٌ ، فَكَانَ مَا سَمِعُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذِكْرِ يُوسُفَ وَأَمْرِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرِ يُوسُفَ، فَكَانَ مَا سَمِعُوا عَلَامَةً لَهُمْ وَهُمُ السَّائِلُونَ عَنْ أَمْرِ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ يُوسُفُ قَدْ فُضِّلَ فِي زَمَانِهِ بِحُسْنِهِ عَلَى النَّاسِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ. إِذْ قَالُوا إِخْوَةُ يُوسُفَ، وَهُوَ: رُوبِيلُ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا، وَيَهُوذَا أَكْبَرُهُمْ فِي الْعَقْلِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: قَالَ كَبِيرُهُمْ فِي الْعَقْلِ، وَلَمْ يَكُنْ كَبِيرَهُمْ فِي السِّنِّ، وَشَمْعُونُ ، وَلَاوَى ، وَنَفْتُولُنْ ، وَرَبُولُنْ ، وَآشِرُ ، وَإِسْتَاخَرُ ، وَجَابُ ، وَدَانُ ، وَيُوسُفُ وَبِنْيَامِينُ ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ ، وَهُوَ بِنْيَامِينُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ، يَعْنِي عَشَرَةٌ، إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ، يَعْنِي خُسْرَانٌ مُبِينٌ يَعْنِي فِي شَقَاءٍ بَيِّنٍ، نَظِيرُهَا فِي سُورَةِ الْقَمَرِ: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ ، يَعْنِي فِي شَقَاءٍ، مِنْ حُبِّ يَعْقُوبَ لِابْنِهِ يُوسُفَ وَذِكْرِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا بَعِيدَةً، يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ، فَيُقْبِلُ عَلَيْكُمْ بِوَجْهِهِ، وَتَكُونُوا ، يَعْنِي وَتَصِيرُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ، يَعْنِي يَصْلُحُ أَمْرُكُمْ وَحَالُكُمْ عِنْدَ أَبِيكُمْ. قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ ، وَهُوَ يَهُوذَا بْنُ يَعْقُوبَ: لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ فَإِنَّ قَتْلَهُ عَظِيمٌ، "وَ" لَكِنْ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ عَلَى طَرِيقِ النَّاسِ، فَيَأْخُذُونَهُ فَيَكْفُونَكُمْ أَمْرَهُ، يَعْنِي الزَّائِغَةَ مِنَ الْبِئْرِ مَا يَتَوَارَى عَنِ الْعَيْنِ وَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ، فَهُوَ غَيَابَتُ الْجُبِّ، يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ . فَيَذْهَبُوا بِهِ فَيَكْفُونَكُمْ أَمْرَهُ، إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي تُرِيدُونَ بِهِ. فَأَتَوْا يَعْقُوبَ، فَـ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ . أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ، يَعْنِي يَنْشَطُ وَيَفْرَحُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: رَتَعْتُ لَكَ، يَعْنِي فَرِحْتُ لَكَ، وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ مِنَ الضَّيْعَةِ، قَالَ يَعْقُوبُ لَهُمْ: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ، فَقَالُوا لِأَبِيهِمْ: مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ فِي الْحِفْظِ لَهُ. قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ، لَا تَشْعُرُونَ بِهِ، وَكَانَتْ أَرْضًا مُذْئِبَةً، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ يَعْقُوبُ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ. قَالُوا ، أَيِ الْعَشَرَةُ: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ، يَعْنِي وَنَحْنُ جَمَاعَةٌ، إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ، يَعْنِي لَعَجَزَةٌ. فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ بِيُوسُفَ وَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، فَأَلْقَوْهُ فِي الْجُبِّ، وَالْمَاءُ يَوْمَئِذٍ كَدَرٌ غَلِيظٌ، فَعَذُبَ الْمَاءُ وَصَفَا حِينَ أُلْقِيَ فِيهِ، وَقَامَ عَلَى صَخْرَةٍ فِي قَاصِيَةِ الْبِئْرِ، فَوَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا يَحْرُسُهُ فِي الْجُبِّ وَيُطْعِمُهُ، وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَعْدَمَا انْصَرَفَ إِخْوَتُهُ: إِنَّكَ سَتُخْبِرُ إِخْوَتَكَ بِأَمْرِهِمْ هَذَا الَّذِي رَكِبُوا مِنْكَ، ثُمَّ قَالَ: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّكَ يُوسُفُ حِينَ تُخْبِرُهُمْ، فَأَنْبَأَهُمْ يُوسُفُ بَعْدَ ذَلِكَ حِينَ قَالَ لَهُمْ وَضَرَبَ الْإِنَاءَ، فَقَالَ: إِنَّ الْإِنَاءَ لَيُخْبِرُنِي بِمَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ مِنَ الشَّرِّ وَنَزْعِ الثِّيَابِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ: وَسَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُنِي عَنِ الْهُذَيْلِ ، عَنْ مُقَاتِلٍ فِي قَوْلِهِ: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، قَالَ: لَا يَشْعُرُونَ أَنَّكَ يُوسُفَ. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ يُوسُفَ لَمَّا اسْتَخْرَجَ الصَّاعَ مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ بِنْيَامِينَ ، قَطَعَ بِالْقَوْمِ وَتَحَيَّرُوا، فَأَحْضَرَهُمْ وَأَخَذَ بِنْيَامِينَ مَكَانَ سَرِقَتِهِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى أَمِينِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْضِرِ الصَّاعَ إِذَا حَضَرُوا وَانْقُرْهُ ثَلَاثَ نَقَرَاتٍ، وَاسْتَمِعْ طَنِينَ كُلِّ نَقْرَةٍ حَتَّى تَسْكُنَ، ثُمَّ قُلْ فِي النَّقْرَةِ الْأُولَى كَذَا، وَفِي الثَّانِيَةِ كَذَا، وَفِي الثَّالِثَةِ كَذَا، وَأَوْهِمْهُمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تُخْبِرُنِي عَنْ شَيْءٍ تَفْهَمُهُ مِنْ طَنِينِ الصَّاعِ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِمْ فَجُمِعُوا، ثُمَّ قَالَ يُوسُفُ لِلَّذِي اسْتَخْرَجَ الصَّاعَ، وَهُوَ أَمِينُهُ: أَحْضِرِ الصَّاعَ الَّذِي سَرَقُوهُ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَلَّا يَكْتُمَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ شَيْئًا، فَإِنَّهُ غَضْبَانُ عَلَيْهِمْ وَيُوشِكُ أَنْ يُصَدِّقَ عَنْهُمْ، قَالَ: فَأَحْضَرَهُ وَالْقَوْمَ، وَقَالَ لَهُ الْأَمِينُ: أَيُّهَا الصَّاعُ، إِنَّ الْمَلِكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُبَيِّنَ لَهُ أَمْرَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَلَا تَكْتُمَهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِمْ، ثُمَّ نَقَرَهُ نَقْرَةً شَدِيدَةً، وَأَصْغَى إِلَيْهِ يَسْمَعُهُ، كَأَنَّهُ يَسْتَمِعُ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ الصَّاعَ يَقُولُ لَكَ: إِنَّهُمْ أَخْبَرُوكَ أَنَّهُمْ لِأُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّهُمْ لِأُمَّهَاتٍ شَتَّى، وَذَلِكَ وَقَعَ بَيْنَهُمْ مَا يَقَعُ بَيْنَ الْأَوْلَادِ الْعُتَاةِ. قَالَ: قُلْ لَهُ لَا يَكْتُمُنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ شَيْئًا، ثُمَّ نَقَرَهُ الثَّانِيَةَ وَأَصْغَى إِلَيْهِ يَسْمَعُهُ، فَلَمَّا سَكَنَ، قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُمْ أَخْبَرُوكَ أَنَّ لَهُمْ أَخًا مَفْقُودًا، وَلَنْ تَنْصَرِمَ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ الْغُلَامُ فَيَتَبَيَّنَ النَّاسُ أَخْبَارَهُمْ. قَالَ: مُرْهُ أَلَّا يَكْتُمَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ شَيْئًا، قَالَ: فَطَنَّ الثَّالِثَةَ، فَلَمَّا سَكَنَ قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهُ مَا دَخَلَ عَلَى أَبِيهِمْ غَمٌّ وَلَا هَمٌّ وَلَا حُزْنٌ إِلَّا بِسَبَبِهِمْ وَجَرَائِرِهِمْ، قَالَ: أَوْعِزْ إِلَيْهِ أَلَّا يَكْتُمَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ شَيْئًا قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَخَافُوا أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ مَا كَتَمُوهُ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَامُوا إِلَيْهِ بِجَمْعِهِمْ يُقَبِّلُونَ رَأْسَهُ وَعَيْنَيْهِ، وَيَقُولُونَ: بِالَّذِي أَشْبَهَكَ بِالنَّبِيِّينَ وَفَضَّلَكَ عَلَى الْعَالَمِينَ، أَلَا أَقَلْتَ الْعَثْرَةَ، وَسَتَرْتَ الْعَوْرَةَ، وَحَفِظْتَنَا فِي أَبِينَا يَعْقُوبَ، فَرَقَّ لَهُمْ، وَقَالَ: لَوْلَا حِفَاظِي لَكُمْ فِي أَبِيكُمْ لَنَكَّلْتُ بِكُمْ وَلَأَلْحَقْتُكُمْ بِالسُّرَّاقِ وَاللُّصُوصِ، اغْرُبُوا عَنِّي، فَلَا حَاجَةَ لِي فِيكُمْ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى أَبِيهِمْ أَخْبَرُوهُ بِأَخْبَارِهِمْ، قَالَ: فَرَدَّهُمْ بِالْبِضَاعَةِ الْمُزْجَاةِ، وَكَتَبَ مَعَهُمْ كِتَابًا إِلَيْهِ، فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ ابْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، إِلَى عَزِيزِ مِصْرَ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي مَا سَرَقْتُ، وَلَا وُلِدْتُ سَارِقًا، وَلَكِنَّ أَهْلَ بَيْتِ الْبَلَاءِ مُوَكَّلٌ بِنَا، أَمَّا جَدِّي، فَأُلْقِيَ فِي النَّارِ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَأَمَّا أَبِي، فَأُضْجِعَ لِلذَّبْحِ، فَفَدَاهُ اللَّهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَأَمَّا أَنَا، فَبُلِيتُ بِفَقْدِ حَبِيبِي وَقُرَّةِ عَيْنِي يُوسُفَ. قَالَ: فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ أَوْصَلُوا كِتَابَهُ، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ انْتَحَبَ، فَقِيلَ لَهُ: كَأَنَّكَ صَاحِبُ الْكِتَابِ، قَالَ: أَجَلْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، ثُمَّ تَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ فَعَرَفُوهُ. وَجَاءُوا أَبَاهُمْ يَعْقُوبَ عِشَاءً يَبْكُونَ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ. قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ، يَعْنِي نَتَصَيَّدُ، وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا لِيَحْفَظَهُ، فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ، يَعْنِي بِمُصَدِّقٍ لَنَا، وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ بِمَا نَقُولُ. وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ ، يَعْنِي عَلَى قَمِيصِ يُوسُفَ بِدَمٍ كَذِبٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حِينَ أَلْقَوْهُ فِي الْبِئْرِ انْتَزَعُوا ثِيَابَهُ، وَهُوَ قَمِيصُهُ، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى سَخْلَةٍ فَذَبَحُوهَا عَلَى الْقَمِيصِ لِيُرُوا أَبَاهُمْ يَعْقُوبَ، فَلَمَّا رَأَى أَبَاهُمُ الْقَمِيصَ صَحِيحًا اتَّهَمَهُمْ، وَكَانَ لَبِيبًا عَاقِلًا، فَقَالَ: مَا أَحْلَمَ هَذَا السَّبُعَ حِينَ خَلَعَ الْقَمِيصَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَمَزَّقَ، ثُمَّ بَكَى، فَـ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ ، يَقُولُ: بَلْ زَيَّنَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ، وَكَانَ الَّذِي أَرَدْتُمْ هُوَ مِنْكُمْ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، يَعْنِي صَبْرِي صَبْرًا حَسَنًا لَا جَزَعَ فِيهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ، يَقُولُ: بِاللَّهِ أَسْتَعِينُ عَلَى مَا تَقُولُونَ حِينَ تَزْعُمُونَ أَنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ، فَبَكَى عَلَيْهِ يَعْقُوبُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى امْتَنَعَ عَنِ النَّوْمِ وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَكَانَ يَبْكِي وَيَؤُودُ، فَمِنْ هُنَاكَ تَؤُودُ الْيَهُودُ إِذَا قَرَأُوا التَّوْرَاةَ. وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ، وَهِيَ الْعِيرُ، وَقَالُوا: رُفْقَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَنَزَلُوا عَلَى الْبِئْرِ يُرِيدُونَ مِصْرَ، فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ ، فَبَعَثُوا رَجُلَيْنِ: مَالِكَ بْنَ دَعْرٍ ، وَعُودَ بْنَ عَامِرٍ ، إِلَى الْمَاءِ فَأَدْلَى أَحَدُهُمْ دَلْوَهُ ، وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ دَعْرِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ ، فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالدَّلْوِ، فَصَاحَ مَالِكٌ قَالَ ، فَقَالَ: يَا عُودُ ، لِلَّذِي يَسْقِي، وَهُوَ عُودُ بْنُ عَامِرِ بْنِ الدُّرَّةِ بْنِ حِزَامٍ ، يَا بُشْرَى ، يَقُولُ: يَا مَالِكُ أَبْشِرْ، هَذَا غُلَامٌ وَالْجُبُّ بِوَادٍ فِي أَرْضِ الْأُرْدُنِّ يُسَمَّى أَدْنَانَ. فَبَكَى يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَكَى الْجُبُّ لِبُكَائِهِ، وَبَكَى مَدَّ صَوْتِهِ مِنَ الشَّجَرِ وَالْمَدَرِ وَالْحِجَارَةِ، وَكَانَ إِخْوَتُهُ لَمَّا دَلُّوهُ فِي الْبِئْرِ، تَعَلَّقَ يُوسُفُ فِي شَفَةِ الْبِئْرِ، فَعَمَدُوا إِلَيْهِ فَخَلَّصُوا قَمِيصَهُ وَأَوْثَقُوا يَدَهُ، فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهُ، رُدُّوا عَلَيَّ الْقَمِيصِ أَتَوَارَى بِهِ فِي الْبِئْرِ، فَقَالُوا لَهُ: ادْعُ الْأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يُؤْنِسُونَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ فِي الْجُبِّ أَلْقَوْهُ، حَتَّى وَقَعَ فِي الْبِئْرِ، فَأَدْلَوْهُ فِي قَعْرِهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَمُوتَ، فَدَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ، وَدَعَا يُوسُفُ رَبَّهُ حِينَ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ أَنْ يَهَبَ لِمَالِكٍ وَلَدًا، فَوُلِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَلَدًا. قَوْلُهُ: وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ، يَعْنِي أَخْفَوْهُ مِنْ أَصْحَابِهِمُ الَّذِينَ مَرُّوا عَلَى الْمَاءِ فِي الرُّفْقَةِ، وَقَالُوا: هُوَ بِضَاعَةٌ لِأَهْلِ الْمَاءِ نَبِيعُهُ لَهُمْ بِمِصْرَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ قَالَا: إِنَّا وَجَدْنَاهُ أَوِ اشْتَرَيْنَاهُ، سَأَلُوهُمَا الشَّرِكَةَ فِيهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ، يَعْنِي بِمَا يَقُولُونَ مِنَ الْكَذِبِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَشَرَوْهُ ، يَعْنِي وَبَاعُوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ بِثَمَنٍ حَرَامٍ لَا يَحِلُّ لَهُمْ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ، وَثَمَنُ الْحُرِّ حَرَامٌ وَبَيْعُهُ حَرَامٌ، دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ، وَهِيَ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُبَايِعُ بِالْأَقَلِّ، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَهِيَ أُوقِيَّةٌ، وَمَا كَانَ دُونَ الْأَرْبَعِينَ، فَهِيَ دَرَاهِمُ مَعْدُودَةٌ، وَكَانُوا فِيهِ ، يَعْنِي الَّذِينَ بَاعُوهُ كَانُوا فِي يُوسُفَ مِنَ الزَّاهِدِينَ حِينَ بَاعُوهُ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مَنْزِلَةَ يُوسُفَ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَنْ أَبُوهُ، وَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ مَا بَاعُوهُ. فَانْطَلَقَ الْقَوْمُ حَتَّى أَتَوْا بِهِ مِصْرَ، فَبَيْنَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْهَا، إِذْ مَرَّ بِرَاكِبٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ دَعْرٍ اللَّخْمِيُّ ، قَالَ لَهُ يُوسُفُ: أَيْنَ تُرِيدُ أَيُّهَا الرَّاكِبُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَرْضَ كَنْعَانَ، قَالَ: إِذَا أَتَيْتَ كَنْعَانَ، فَأْتِ الشَّيْخَ يَعْقُوبَ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ، وَصِفْنِي لَهُ، وَقُلْ لَهُ: إِنِّي لَقِيتُ غُلَامًا بِأَرْضِ مِصْرَ، وَوَصَفَهُ لَهُ، وَهُوَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، فَبَكَى يَعْقُوبُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، عِنْدِي امْرَأَةٌ، وَهِيَ مِنْ أَحَبِّ الْخَلَائِقِ إِلَيَّ، لَمْ تَلِدْ مِنِّي وَلَدًا قَطُّ، فَوَقَعَ يَعْقُوبُ سَاجِدًا، فَدَعَا اللَّهَ، فَوُلِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ذَكَرًا، وَكَانَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَرْضِ مِصْرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْبَرَكَةَ، ثُمَّ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ قَطْفِيرِ بْنِ مِيشَا ، فَقَالَ يُوسُفُ: مَنْ يَشْتَرِي وَيُبَشِّرُ، فَاشْتَرَاهُ قَطْفِيرُ بْنُ مِيشَا بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَزِيَادَةِ حُلَّةٍ وَنَعْلَيْنِ، وَأَخَذَ الْبَائِعُ قِيمَةَ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ. وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ ، وَهُوَ قَطْفِيرُ بْنُ مِيشَا لِامْرَأَتِهِ زُلَيْخَا بِنْتُ يَمْلِيخَا: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ، يَعْنِي أَحْسِنِي مَنْزِلَتَهُ وَوِلَايَتَهُ، عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نُصِيبَ مِنْهُ خَيْرًا، أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ الْمُلْكُ وَالسُّلْطَانُ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ، يَعْنِي مِنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ، يَعْنِي وَاللَّهِ مُتِمٌّ لِيُوسُفَ أَمْرَهُ الَّذِي هُوَ كَائِنٌ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . ذَلِكَ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية