الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ وَأَنْذِرْ يَا مُحَمَّدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسِ ، يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ، يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ، فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ، يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، فَيَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ فِي الْآخِرَةِ: رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى قَرِيبٍ، نُجِبْ دَعْوَتَكَ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ ، يَعْنِي حَلَفْتُمْ، مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا إِذَا مِتُّمْ، مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ إِلَى الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي النَّحْلِ: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ . وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، يَعْنِي ضَرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ، يَعْنِي الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، الَّذِينَ عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا، يَعْنِي قَوْمَ هُودٍ وَغَيْرَهُمْ، وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ، يَقُولُ: كَيْفَ عَذَّبْنَاهُمْ، وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ، يَعْنِي وَوَصَفْنَا لَكُمُ الْأَشْيَاءَ، يَقُولُ: وَبَيَّنَّا لَكُمُ الْعَذَابَ لِتُوَحِّدُوا رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ، يُخَوِّفُ كُفَّارَ مَكَّةَ بِمِثْلِ عَذَابِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ؛ لِئَلَّا يُكَذِّبُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ فِعْلِ نَمْرُوذِ بْنِ كَنْعَانَ الْجَبَّارِ ، فَقَالَ: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ، يَقُولُ: فِعْلُهُمْ، يَعْنِي التَّابُوتَ فِيهَا الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ كَانَا فِي التَّابُوتِ، وَالنُّسُورَ الْأَرْبَعَةَ، وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ، يَقُولُ: عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ، يَعْنِي فِعْلُهُمْ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ، نَظِيرُهَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ، يَعْنِي وَقَدْ كَادُوا، وَقَدْ كَانَ نَمْرُوذَ بْنَ كَنْعَانَ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَلَكَ الْأَرْضَ كُلَّهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَنَى صَرْحًا بِبَابِلَ زَعَمَ لِيَتَنَاوَلَ إِلَهَ السَّمَاءِ، فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ، وَهُوَ الْبِنَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ ، عَنْ مُقَاتِلٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دَانْيَالَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ ، قَالَ: أَمَرَ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعَانَ عَدُوُّ اللَّهِ، فَنُحَتِ التَّابُوتُ، وَجَعَلَ لَهُ بَابًا مِنْ أَعْلَاهُ، وَبَابًا مِنْ أَسْفَلِهِ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى أَرْبَعَةِ نُسُورٍ، ثُمَّ أَوْثَقَ كُلَّ نَسْرٍ بِقَائِمَةِ التَّابُوتِ، ثُمَّ جَعَلَ فِي أَعْلَى التَّابُوتِ لَحْمًا شَدِيدَ الْحُمْرَةِ، فِي أَرْبَعِ نَوَاحِي التَّابُوتِ حِيَالَ النُّسُورِ، ثُمَّ جَعَلَ رَجُلَيْنِ فِي التَّابُوتِ، فَنَهَضَتِ النُّسُورُ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَارْتَفَعَ التَّابُوتُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ لِصَاحِبِهِ: افْتَحْ بَابَ التَّابُوتِ الْأَسْفَلَ فَانْظُرْ كَيْفَ تَرَى الْأَرْضَ؟ فَفَتَحَ فَنَظَرَ، قَالَ: أَرَاهَا كَالْعُرْوَةِ الْبَيْضَاءِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: افْتَحِ الْبَابَ الْأَعْلَى، فَانْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ، هَلِ ازْدَدْنَا مِنْهَا قُرْبًا؟ قَالَ: فَفَتَحَ الْبَابَ الْأَعْلَى، فَإِذَا هِيَ كَهَيْئَتِهَا، وَارْتَفَعَتِ النُّسُورُ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَا جِدًّا، لَمْ تَدَعْهُمَا الرِّيحُ أَنْ يَصْعَدَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: افْتَحِ الْبَابَ الْأَسْفَلَ فَانْظُرْ كَيْفَ تَرَى الْأَرْضَ؟ قَالَ: فَفَتَحَ، قَالَ: إِنَّهَا سَوْدَاءُ ظُلْمَةً، وَلَا أَرَى مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: ارْدُدِ الْبَابَ الْأَسْفَلَ، وَافْتَحِ الْبَابَ الْأَعْلَى، فَانْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ، هَلِ ازْدَدْنَا مِنْهَا قُرْبًا؟ فَفَتَحَ الْبَابَ الْأَعْلَى، فَقَالَ: أَرَاهَا كَهَيْئَتِهَا. قَالَ لِصَاحِبِهِ: نَكِّسِ التَّابُوتَ، فَنَكَّسَهُ فَتَصَوَّبَ اللَّحْمُ، وَصَارَتِ النُّسُورُ فَوْقَ التَّابُوتِ وَاللَّحْمُ أَسْفَلَ، ثُمَّ هَوَتِ النُّسُورُ مُنْصَبَّةً تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَسَمِعَتِ الْجِبَالَ وَحَفِيفَ التَّابُوتِ وَخَفِيفَ أَجْنِحَةِ النُّسُورِ، فَفَزِعَتْ وَظَنَّتْ أَنَّهُ أَمْرٌ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَكَادَتْ أَنْ تَزُولَ مِنْ أَمَاكِنِهَا مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ . ثُمَّ خَوَّفَ كُفَّارَ مَكَّةَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ، مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ فِي نُزُولِ الْعَذَابِ بِكُفَّارِ مَكَّةَ فِي الدُّنْيَا، أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ، يَعْنِي مَنِيعٌ فِي مَكَّةَ، ذُو انْتِقَامٍ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية