الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        هو الذي أنزل عليك الكتاب   .

        242 - حدثنا زكريا ، قال : حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق ، قال : حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، عن أبي غالب ، قال : " كنت في المسجد جالسا ، فجاء أبو أمامة ، فدخل المسجد فصلى ركعتين خفيفتين ، قال : ثم توجه نحو الرؤوس ، فظننت أنه سيكون له فيها كلام ، قال : فاتبعته وهو لا يشعر ، فلما رآها ، قال : كلاب النار ، كلاب النار ، كلاب النار ، شر قتلى تحت ظل السماء ، شر قتلى تحت ظل السماء ، خير قتلى من قتلوه ، خير قتلى من قتلوه ، خير قتلى من قتلوه  ، قال : وكان يتكلم بهذا الكلام ، وهو يبكي ، قال : فدنوت منه ، فقال : أبو غالب ؟ قلت : نعم ، قال : أما إنهم قبلك كثير ، قلت : أجل ، قال : عافاك الله منهم ، أعاذك الله منهم ، أعاذني الله منهم ، قال : قلت : يا أبا أمامة ، ما شأني أراك تبكي ؟ قال : أرحمهم أنهم كانوا مسلمين ، قلت : بم ؟ قال : يا أبا غالب أتقرأ سورة آل عمران ؟ قلت : نعم ، اقرأ : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فهم هؤلاء يا أبا غالب ، قال : ثم قرأ : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ، هم هؤلاء [ ص: 127 ] يا أبا غالب ، فقلت : يا أبا أمامة أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو شيء بلغك عنه ؟ قال : بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا مرة ، ولا اثنتين ، ولا ثلاثا ، ولا أربعا ، ولا خمسا ، ولا ستا ، ولا سبعا ، إني إذا لجريء ، إني إذا لجريء ، إني إذا لجريء " .

        قوله جل وعز : فيتبعون ما تشابه منه .

        243 - حدثنا علان بن المغيرة ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله عز وجل : " فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ، وقوله : وتقطعوا أمرهم بينهم ، وقوله عز وجل : إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ، وقوله : ولا تتبعوا السبل ، وقوله : أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ، ونحو هذا في القرآن ، أمر الله المؤمنين بالجماعة ، ونهاهم عن الاختلاف ، والفرقة في القرآن ، وأخبرهم إنما هلك من كان قبلكم بالمراء ، والخصومات في دين الله" [ ص: 128 ] .

        244 - حدثنا زكريا ، قال : حدثنا عمرو ، قال : أخبرنا زياد ، عن محمد بن إسحاق : فيتبعون ما تشابه منه ، أي : ما تحرف منه وتصرف ، ليصدقوا به ما ابتدعوا ، وأحدثوا ، ليكون لهم حجة ، ولهم على ما قالوا شبهة .

        245 - أخبرنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا الأثرم ، عن أبي عبيدة : فيتبعون ما تشابه منه ، ما يشبه بعضه بعضا فيطعنون فيه .

        قوله جل وعز : ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله .

        246 - حدثنا زكريا ، قال : حدثنا محمد بن رافع ، قال : حدثنا شبابة ، قال : حدثني ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ابتغاء الفتنة ، الشبهات إنما أهلكوا به " .

        247 - حدثنا زكريا ، قال : حدثنا عمرو ، قال : أخبرنا زياد ، عن محمد بن إسحاق : ابتغاء الفتنة ، أي : اللبس " .

        248 - أخبرنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا الأثرم ، عن أبي عبيدة : ابتغاء الفتنة ، الكفر [ ص: 129 ] .

        قوله جل وعز : وابتغاء تأويله .

        249 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق : وابتغاء تأويله ، ذلك ما ركبوا من الضلال في قولهم : خلقنا وقضينا ، يقول : وما يعلم تأويله ، الذي به أراد ، وما أرادوا إلا الله .

        قوله جل وعز : وما يعلم تأويله إلا الله .

        250 - حدثنا علان بن المغيرة ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وما يعلم تأويله إلا الله ، يعني : تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله " .

        251 - حدثنا علي بن المبارك ، قال : حدثنا زيد بن المبارك ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن ابن جريج ، عن ابن عباس : " وما يعلم تأويله إلا الله ، قال : جزاءه ، وثوابه يوم القيامة " .

        252 - حدثنا علي ، عن أبي عبيد ، قال : قال أبو عبيدة ، في قوله : وما يعلم تأويله إلا الله ، قال : التأويل المرجع والمصير [ ص: 130 ]

        قال أبو عبيد : كأنه مأخوذ من آل الشيء يؤول إلى كذا ، أي صار إليه ، وأولته : صيرته إليه .

        وكان أبو عبيدة ينشد بيت الأعشى :


        على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا

        يعني : أن حبها كان صغيرا ، فآل إلى العظم ، مثل السقب يكون صغيرا ، ثم يشب حتى يصير مثل أمه .

        253 - وحدثنا علي ، عن أبي عبيد ، قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : وأحسن تأويلا ، قال : جزاء .

        قال أبو عبيد : هذا المعنى شبيه بمعنى أبي عبيدة ، ألا ترى أن الجزاء هو الشيء الذي آلوا إليه وصار إليهم .

        قوله عز وجل : والراسخون .

        254 - حدثنا النجار ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن [ابن] طاوس ، عن أبيه ، قال : " كان ابن عباس ، يقرأها : ما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم آمنا به " .

        [ ص: 131 ] 255 - أخبرنا علي بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن الوليد العدني ، عن سعيد ، عن محمد بن السائب الكلبي ، عن ابن عباس ، أنه قال : تفسير القرآن على أربعة وجوه   : فتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعذر الناس بجهالته من حلال أو حرام ، وتفسير تعرفه العرب بلغتها ، وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله ، من ادعى علمه فهو كاذب " .

        256 - حدثنا موسى ، قال : حدثنا داود بن عمرو الضبي أبو سليمان ، عن نافع ، عن ابن أبي مليكة ، قال : قرأت عائشة هؤلاء الآيات : " هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى قوله : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ، قالت : آمنوا بمحكمه ، ومتشابهه ، ولا يعلمونه [ ص: 132 ] .

        257 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا عمرو بن عثمان ، قال : سمعت عمر بن عبد العزيز ، يقول : والراسخون في العلم ، انتهى علم الراسخين في العلم ، بتأويل القرآن إلى أن قالوا : آمنا به كل من عند ربنا .

        258 - حدثنا أبو سعد ، قال : حدثنا أبو سلمة ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، قال : حدثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : " أنا ممن يعلم تأويله " .

        259 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، عن أبي عبيد ، قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله عز وجل : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون قال: " الراسخون في العلم يعلمون تأويله ، ويقولون : آمنا به " .

        260 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، عن أبي عبيد ، قال : قد خولف مجاهد في هذا التفسير ، يعني : أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله .

        قال أبو عبيد : وإنما المعروف فيه ، أن الكلام انقطع عند قوله : وما يعلم تأويله إلا الله ، ثم ابتدأ فقال : والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، فوصفهم بالإيمان ، ولم يصفهم بالعلم بالتأويل [ ص: 133 ] .

        261 - حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا يحيى الحماني ، قال : حدثنا ابن إدريس ، عن الأحوص بن حكيم ، عن القاسم ، قال : قال عبد الله : " أنزل القرآن على خمسة أحرف أو خمسة أوجه   : حرام ، وحلال ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال ، فأحل الحلال ، وحرم الحرام ، وآمن بالمتشابه ، واعمل بالمحكم ، واعتبر الأمثال " .

        قوله جل وعز : والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا .

        262 - حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا داود بن عمرو الضبي ، عن نافع ، عن ابن أبي مليكة ، قال : قرأت عائشة هؤلاء الآيات : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب إلى قوله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ، قالت : كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه ولا يعلمونه " .

        263 - أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني نافع بن يزيد ، قال : يقال : والراسخون في العلم ، [ ص: 134 ] المتواضعون لله ، [المتذللون] لله في مرضاته ، فلا يتعاطون من فوقهم ، ولا يحقرون من دونهم .

        وقال قتادة : الراسخون في العلم ، قالوا : كل من عند ربنا ، آمنوا بمتشابهه ، وعملوا بمحكمه " .

        وقال الضحاك يقولون : " يعني الراسخين من يؤمن بالناسخ ، ويعمل به ، ويؤمن بالمنسوخ ، ولا يعمل به ، وكل من عند ربنا ، وكل طيب " .

        قوله جل وعز : كل من عند ربنا .

        264 - حدثنا موسى ، قال : حدثنا يحيى ، قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ، يعني : ما نسخ منه ، وما لم ينسخ " .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية