الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
باب ذكر الآية التاسعة والعشرين .

قال جل وعز: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه الآية فافترق العلماء فيها على ثلاثة أقوال  فمنهم من قال: لا يسع مؤمنا إذا باع بيعا إلى أجل أو اشترى إلا أن يكتب كتابا ويشهد إذا وجد كاتبا  ولا يسع مؤمنا إذا اشترى شيئا أو باعه إلا أن يشهد ولا يكتب إذا لم يكن إلى أجل واحتجوا بظاهر القرآن وقال بعضهم: هذا على الندب والإرشاد لا على الحتم وقال بعضهم هو منسوخ فممن قال هو واجب من الصحابة ابن عمر ، وأبو موسى الأشعري [ ص: 110 ] ومن التابعين محمد بن سيرين ، وأبو قلابة ، والضحاك ، وجابر بن زيد ، ومجاهد ومن أشدهم في ذلك عطاء قال: 286 - أشهد إذا بعت وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو ثلث درهم أو أقل من ذلك فإن الله تعالى يقول: وأشهدوا إذا تبايعتم   ".

287 - وحدثنا جعفر بن مجاشع ، قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق ، قال حدثنا شجاع ، قال حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال: "أشهد إذا بعت وإذا اشتريت ولو دستجة بقل" [ ص: 111 ] وممن كان يذهب إلى هذا محمد بن جرير وأنه لا يحل لمسلم إذا باع أو اشترى إلا أن يشهد وإلا كان مخالفا كتاب الله جل وعز وكذا إن كان إلى أجل فعليه أن يكتب ويشهد إن وجد كاتبا واحتج بحجج سنذكرها في آخر الأقوال في الآية فممن قال إنها منسوخة من الصحابة أبو سعيد الخدري.

288 - كما حدثنا محمد بن جعفر بالأنبار، قال حدثنا إبراهيم بن ديسم الخراساني ، قال حدثنا عبيد الله بن عمر ، قال حدثنا محمد بن مروان ، قال حدثنا عبد الملك بن أبي نضرة ، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ، " أنه تلا: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ، قال: "نسخت هذه ما قبلها"   .

[ ص: 112 ] قال أبو جعفر: وهذا قول الحسن ، والحكم ، وعبد الرحمن بن زيد وممن قال إنها على الندب والإرشاد لا على الحتم الشعبي ويحكى أن هذا قول مالك ، والشافعي وأصحاب الرأي واحتج محمد بن جرير في أنها أمر لازم وأنه واجب على كل من اشترى شيئا إلى أجل أن يكتب ويشهد وإن اشتراه بغير أجل أن يشهد بظاهر الآية وأنه فرض [ ص: 113 ] لا يسع تضييعه لأن الله تبارك وتعالى أمر به وأمر الله سبحانه لازم لا يحمل على الندب والإرشاد إلا بدليل، ولا دليل يدل على ذلك ولا يجوز عنده أن يكون هذا نسخا؛ لأن معنى الناسخ أن ينفي حكم المنسوخ ولم تأت آية فيها لا تكتبوا ولا تشهدوا فيكون هذا ناسخا واحتج بأنه لا معنى لقول من قال: فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ناسخ للأول، لا معنى له لأن هذا حكم غير ذاك وإنما هذا حكم من لم يجد كاتبا أو كتابا قال جل وعز: ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا أي فلم يطالبه برهن فليؤد الذي اؤتمن أمانته، قال: ولو جاز أن يكون هذا ناسخا للأول لجاز أن يكون قوله تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط الآية ناسخا لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة الآية ولجاز أن يكون قوله: فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ناسخا لقوله تعالى: فتحرير رقبة مؤمنة .

قال أبو جعفر: فهذا كلام بين غير أن الفقهاء الذين تدور عليهم الفتيا وأكثر الناس على أن هذا ليس بواجب ومما يحتجون فيه أن المسلمين [ ص: 114 ] مجمعون على أن رجلا لو خاصم رجلا إلى الحاكم فقال باعني كذا فقال ما بعته ولم تكن بينة أن الحاكم يستحلفه  

التالي السابق


الخدمات العلمية