أخبرنا ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة اللخمي، ثنا ابن أبي السري، أنا عبد الرزاق، عن معمر، أخبرني الزهري، أن عروة بن الزبير رضي الله عنها ، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عائشة المدينة حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة بعض من هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجرا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن، فقال أبو بكر: وترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر.
قالت فبينا نحن جلوس يوما في بيتنا في نحر الظهيرة، فقال قائل لأبي: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر: فداه أبي وأمي، إن جاء به في هذه الساعة إلا لأمر، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذن، فأذن له فدخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أخرج من عندك، قال أبو بكر: إنما هو أهلك بأبي أنت يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ ص: 118 ] فإنه قد أذن لي بالخروج، فقال أبو بكر: فالصحبة بأبي أنت يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فقال أبو بكر: بأبي أنت يا رسول الله، خذ إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن، قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت به الجراب، فلذلك كانت تسمى ذات النطاق، ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل، يقال له ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال عائشة: . أريت دار هجرتكم، أريت [ ص: 117 ] سبخة ذات نخل بين لابتين، وهما حرتان، فهاجر من هاجر قبل
قال لما أمر الله جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أبو حاتم: بني الديل [ ص: 119 ] وهو من بني عدي هاديا خريتا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما، وأوعداه بغار ثور بعد ثلاث، وخرج صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر حتى أتيا الغار في جبل ثور كمنا فيه، وخرج المشركون يطلبونهما حتى جاؤوا إلى الجبل، وأشرفوا على الغار، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو أبصر أحدهم تحت قدمه لأبصرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما، فأعمى الله أعينهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أيسوا رجعوا [ ص: 120 ] ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر الصديق، وهو غلام شاب ثقف ثخن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح بمكة مع قريش كبائت بها، فلا يسمع أمرا يكاد به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط للكلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منيحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل يفعل ذلك في كل ليلة من الليالي الثلاث.
ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث، معه أبو بكر وعامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم الدليل طريق الساحل، فاجتنوا ليلتهم حتى أظهروا وقام الظهيرة، رمى أبو بكر بصره، هل يرى ظلا يأوون إليه، فإذا هم بصخرة، فانتهوا إليها، فإذا بقية ظلها، فسوى أبو بكر، ثم فرش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: اضطجع يا رسول الله، فاضطجع، ثم ذهب ينظر هل يرى من الطلب أحدا، فإذا [ ص: 121 ] هو براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي يريدون من الظل، فسأله أبو بكر: لمن أنت يا غلام؟ قال: لفلان، رجل من قريش، فعرفه أبو بكر، فقال: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، فقال: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم، فأمره، فاعتقل شاة من غنمه، وأمره أن ينفض عنها من الغبار، فحلب له كتيبة من لبن، وكان معه إداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على فمها خرقة، فصب اللبن حتى برد أسفله، ثم ملأها، فانتهى بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استيقظ، فقال: اشرب يا رسول الله، فشرب، وشرب أبو بكر، فقال أبو بكر: قد أتى الرجل يا رسول الله، قال: لا تحزن.
والقوم يطلبونهم، قال سراقة بن مالك بن جعشم : جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في [ ص: 122 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فقال سراقة: فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، إذ أقبل رجل، فقال: يا سراقة، إني رأيت آنفا أسودة بالساحل، أراها محمدا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت لهم: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا، انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في مجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي من وراء أكمة، فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فحططت بزجه الأرض حتى أتيت فرسي، فركبتها، ودفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم، فعرد بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها أخرج أم لا، فخرج الذي أكره، فركبت فرسي، وعصيت الأزلام.
فقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات - ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكن تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا غبار ساطع [ ص: 123 ] في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم بأخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم بالزاد والمتاع، فلم يرزآني، ولم يسألاني، إلا أنهما قالا: أخف علينا.
فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة وأمن، فأمر أبا بكر فكتب لي في رق من أدم، قال سراقة: والله لأعمين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهما، فإنك ستمر على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لنا في إبلك وغنمك، وانطلق راجعا إلى أصحابه .
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقي في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الزبير بن العوام الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا.
ثم ساروا إلى خيمتي وكانت امرأة برزة [ ص: 124 ] جلدة، تحتبي وتجلس بفناء الخيمة تسقي وتطعم، فينالونها تمرا ويشترون، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، فإذا القوم مرملون مسنتون، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر خيمتها، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد الخزاعية، قالت: خلفها الجهد عن الغنم، فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة فمسح ضرعها، وذكر اسم الله عليه، وقال: اللهم بارك لها في شاتها، فتفاجت، ودرت، واجترت، فدعا بإناء لها يربض الرهط، فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء، فسقاها فشربت حتى رويت، وسقا أصحابه فشربوا حتى رووا، وشرب آخرهم، وقال: ساقي القوم آخرهم شربا، فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى أراضوا، ثم حلب [ ص: 125 ] فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها، ثم ارتحلوا عنها، فقل ما لبثت، فجاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا له حفلا عجافا يتساوكن هزلا مخهن قليل لا نقي بهن. أم معبد؟
فلما رأى اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا، والشاء عازب، ولا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، قال: والله إني أراه صاحب قريش الذي نطلبه، صفيه لي يا أم معبد، قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة مليح الوجه حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزره صلعة، وسيم جسيم قسيم، [ ص: 126 ] في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صهل، أحور أكحل أزج أقرن، رجل شديد سواد الشعر، في عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا يتثنى من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا [ ص: 127 ] لقوله، وإن أمر تسارعوا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند، قال: هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره، لو كنت وافقت لالتمست إلى أن أصحب، ولأفعلنه إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
وأصبح صوت بمكة عاليا يسمعونه، ولا يدرون من يقوله، وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به
فأفلح من أمسى رفيق محمد فيا لقصي ما زوى الله عنكم
به من فعال لا تجازى وسؤدد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها
فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت
له بصريح ضرة الشاة مزبد فغادره رهنا لديها لحالب
يرددها في مصدر ثم مورد
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم وقد سر من يسري إليه ويغتدي
[ ص: 128 ] ترحل عن قوم فضلت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد
وهل يستوي ضلال قوم تسكعوا عمي وهداة يهتدون بمهتدي
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد
وإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد
ليهنئ أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعد
ليهنئ بني كعب مقام فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
وسمع المسلمون بالمدينة بخروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرون قدومه حتى يردهم حر الظهيرة، فكان أول من قدم عليهم من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار بن قصي، فقالوا: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو وأصحابه على إثري، ثم أتاهم بعده عمرو بن أم مكتوم الأعشى أخو بني فهر، فقالوا: ما فعل من وراءك، رسول الله وأصحابه؟
[ ص: 129 ] فقال: هم الآن على أثري، ثم أتاهم بعده عمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وبلال، ثم أتاهم في عشرين راكبا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث خرج من الغار سلك بهم الدليل أسفل من عمر بن الخطاب مكة، ثم مضى بهم حتى جاوز بهم الساحل أسفل عسفان، ثم استجاز بهم على أسفل أمج حتى عارض بهم الطريق، ثم أجاز بهم فسلك بهم الخرار، ثم أجاز بهم ثنية المرة، ثم سلك بهم القفا، ثم أجاز بهم مدلجة لفف، ثم استبطن بهم مدلجة لفف، ثم استبطن بهم مدلجة مجاج، ثم سلك مرجح من ذي العضوين، ثم بطن ذي كشد، [ ص: 130 ] ثم أخذ بهما الجداجد، ثم الأجرد، ثم سلك بهم بطن أعداء ثم مدلجة تعهن، ثم العبابيد، ثم الفاجة، ثم العرج، ثم بطن العائر، ثم بطن ريم، ثم رحلوا من بطن ريم، ونزلوا بعض حرار المدينة، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، وبعثوا رجلا من أهل البادية يؤذن بهم الأنصار، فجاء البدوي وآذن بهم الأنصار، وصعد رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبيضين، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلام، [ ص: 131 ] فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة وهم خمسمائة رجل من الأنصار، فتلقى الناس والعواتق فوق الأجاجير، والصبيان والولائد يقولون:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع