ثم فدخل المسجد فجعل يقول: أين فلان بن فلان، فلم يزل يعدهم ويبعث إليهم حتى اجتمعوا عنده، فقال: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤاخي بين المهاجرين والأنصار في شهر رمضان، الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس خلقا يدخلهم الجنة، وإني مصطف منكم من أحب أن أصطفيه، ومؤاخ بينكم كما آخى الله بين الملائكة، قم يا فقام فجيء بين يديه، فقال: إن لك عندي يدا الله يجزيك بها، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذتك خليلا، وأنت عندي بمنزلة قميصي في جسدي، وحرك قميصه، ثم قال: ادن يا أبا بكر، عمر، فدنا فقال: لقد كنت شديد الثغب علينا، يا أبا حفص، فدعوت الله أن يعز الدين بك، أو بأبي جهل، ففعل الله ذلك بك، وكنت أحبهما إلى الله، [ ص: 140 ] فأنت معي ثالث ثلاثة من هذه الأمة، ثم تنحى وآخى بينه وبين أبي بكر، ودعا فقال: ادن يا عثمان، ادن يا أبا عمرو، فلم يزل يدنو حتى ألزق ركبته بركبته، ثم نظر إلى السماء، فقال: سبحان الله العظيم، ثم نظر إلى عثمان، فإذا إزاره محلولة، فزرها عليه، ثم قال: اجمع لي عطفي ردائك على نحرك، فإن لك شأنا عند أهل السماء، أنت ممن يرد على الحوض وأوداجه تشخب دما، ثم دعا عثمان بن عفان، فقال: ادن يا أمين الله، يسلط الله على مالك بالحق، أما إن لك عندي دعوة قد أخرتها، فقال: خر لي، فقال: أكثر الله مالك، ثم تنحى، وآخى بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، عثمان، ثم دعا طلحة والزبير، فقال: ادنوا مني، فدنوا منه، فقال: أنتما [ ص: 141 ] حواري كحواري عيسى ابن مريم، ثم آخى بينهما، ثم دعا سعد بن أبي وقاص فقال: يا عمار تقتلك الفئة الباغية، ثم آخى بينهما، ثم دعا وعمار بن ياسر، عميرا أبا الدرداء وسلمان الفارسي، فقال: يا أنت منا أهل البيت، وقد آتاك الله العلم الأول والعلم الآخر، ثم قال: ألا أنشدك يا أبا الدرداء، قال: بأبي أنت وأمي، بلى، قال: إن تنقدهم فينقدوك، وإن تتركهم لا يتركوك، فأقرضهم عرضك ليوم فقرك، واعلم أن الجزاء أمامك، ثم آخى بينهما، ثم نظر في وجوه أصحابه، فقال: أبشروا وقروا عينا، فأنتم أول من يرد على الحوض، وأنتم في أعلى الغرف، ونظر إلى سلمان فقال: الحمد لله الذي يهدي من الضلالة من أحب، فقال عبد الله بن عمر، يا رسول الله، ذهب روحي، فانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت، فإن كان من سخطة علي فلك [ ص: 142 ] العتبى والكرامة، قال: والذي بعثني بالحق ما أخرتك إلا لنفسي، وأنت مني بمنزلة علي بن أبي طالب: هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي، قال: يا رسول الله، ما أرث منك؟ قال: ما ورثت الأنبياء قبلي، قال: وما ورثت الأنبياء قبلك؟ قال: كتاب الله وسنة نبيهم، وأنت معي في قصري في الجنة مع ابنتي، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاطمة إخوانا على سرر متقابلين . إني أحدثكم بحديث، فاحفظوه وحدثوا من بعدكم: إن الله اصطفى من خلقه خلقا، ثم تلا هذه الآية:
ومات الوليد بن المغيرة بمكة، وأبو أحيحة بالطائف، بلغ المسلمين نعيهما، وولد في شوال، فكبر المسلمون، وكانوا يخافون أن يكون اليهود سحرت نساءهم، وكان عبد الله بن الزبير وهنئ به أول مولود ولد من المهاجرين بالمدينة، أبو بكر والزبير، ولم ترضعه حتى أتت به النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه ووضعه في حجره، فحنكه بتمرة، فكان أول شيء دخل بطنه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سماه عبد الله. أسماء بنت أبي بكر