الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح إلى أهل المدينة، فبعث عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية، وزيد بن حارثة إلى أهل السافلة، فقدم زيد المدينة والناس يسوون على ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية التي كانت تحت عثمان، فكان عثمان استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التخلف عن بدر؛ ليقيم على امرأته رقية، وهي عليلة،  فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وضرب له بسهمه وحده، فلما فرغوا من دفنها أتاهم الخبر بفتح الله المسلمين، فجاء أسامة بن زيد أباه وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس، وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وزمعة بن الأسود، والعاص بن هشام،  فقال: يا أبتاه أحق هذا؟ فقال: نعم يا بني، فقال المنافقون: ما هذا إلا أباطيل، فلم يصدقوه حتى جيء بهم مصفرين مغللين .

وكان أول من قدم مكة من قريش بالخبر بمصابهم الحيسمان بن جابس بن عبد الله المدلجي، فقيل له: ما وراءك؟ فقال: قتل عتبة [ ص: 177 ] ابن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، فقال صفوان بن أمية بن خلف: والله إن يعقل هذا بما يقول فسلوه عني، فقال: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: ها هو ذلك جالس في الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا، ثم قدم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب مكة، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام، فلما رأى أبو لهب أبا سفيان بن الحارث مقبلا قال: هلم يا ابن أخي، فعندك الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليهما، فقال: يا ابن أخي، كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء والله، إن هو إلا لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا حتى قتلونا، كيف شاؤوا وأسرونا كيف شاؤوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لأنا لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، والله لا يقوم له شيء، فعاش أبو لهب بعد هذا الخبر سبعة أيام، ورماه الله بالعدسة، فمات فدفنوه بأعلى مكة، وكانت قريش لا تبكي على قتلاها مخافة أن يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيشمتوا بهم.

[ ص: 178 ] ولما وقع بأيدي المسلمين ما وقع من المشركين اختلفوا، فكانوا ثلاثا، فقال الذين جمعوا المتاع: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 179 ] نفل كل امرئ ما أصاب، وقال الذين كانوا يطلبون العدو: والله لولا نحن ما أصبتموه، ونحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم، وقال الحرس الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يخالف إليه العدو: والله ما أنتم أحق به منا، لو أردنا أن نقبل العدو حين منحونا أكتافهم، وأن نأخذ المتاع حين لم يكن أحد دونه فعلنا، ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو، فقمنا دونه، فما أنتم بأحق به منا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: من صنع كذا، فله كذا، فتنازعوا في ذلك شباب الرجال، وبقيت الشيوخ تحت الرايات، فلما كان القائمون جاؤوا يطلبون الذي جعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا وراءكم وكنا تحت الرايات، ولو أنا كشفنا لكشفتم إلينا، فتنازعوا فأنزل الله تعالى: يسألونك عن الأنفال ،  إلى آخر السورة، فانتزع الله ذلك من أيديهم، وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم عبد الله بن كعب المازني .

[ ص: 180 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية