الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

                  ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

                  صفحة جزء
                  والجواب : أن القول في لعنة يزيد  كالقول في لعنة أمثاله من الملوك الخلفاء

                  [1] وغيرهم ، ويزيد خير من غيره : خير من المختار بن أبي عبيد الثقفي أمير العراق ، الذي أظهر الانتقام من قتلة الحسين ; فإن هذا ادعى أن جبريل يأتيه . وخير من الحجاج بن يوسف ; فإنه أظلم من يزيد باتفاق الناس .

                  ومع هذا فيقال : غاية يزيد وأمثاله من الملوك أن يكونوا فساقا ، فلعنة الفاسق المعين ليست مأمورا بها ، إنما جاءت السنة بلعنة

                  [2] الأنواع ، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لعن الله السارق ; يسرق البيضة فتقطع [ ص: 568 ] يده "

                  [3] . وقوله : " لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا "

                  [4] . وقوله : " لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه "

                  [5] . وقوله : " لعن الله المحلل والمحلل له "

                  [6] ، " لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها ، وحاملها والمحمولة إليه ، [ ص: 569 ] وساقيها ، وشاربها ، وآكل ثمنها "

                  [7] .

                  وقد تنازع الناس في لعنة الفاسق المعين   . فقيل : إنه جائز ، كما قال ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ، كأبي الفرج بن الجوزي وغيره . وقيل : إنه لا يجوز ، كما قال ذلك طائفة أخرى من أصحاب أحمد وغيرهم ، كأبي بكر عبد العزيز وغيره . والمعروف عن أحمد كراهة

                  [8] لعن المعين ، كالحجاج بن يوسف وأمثاله ، وأن يقول كما قال الله تعالى : ( ألا لعنة الله على الظالمين ) [ سورة هود : 18 ] وقد ثبت في [ صحيح ] البخاري

                  [9] أن رجلا كان يدعى حمارا

                  [10] ، وكان يشرب الخمر ، وكان يؤتى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيضربه ، فأتي به إليه مرة ، فقال رجل : لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا تلعنه ، فإنه يحب الله ورسوله
                  "

                  [11] .

                  فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لعنة هذا المعين الذي كان يكثر شرب الخمر معللا ذلك بأنه يحب الله ورسوله ، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 570 ] لعن شارب الخمر مطلقا ، فدل ذلك على أنه [ يجوز أن ]

                  [12] يلعن المطلق ولا تجوز لعنة المعين الذي يحب الله ورسوله .

                  [ ومن المعلوم أن كل مؤمن فلا بد

                  [13] أن يحب الله ورسوله ]

                  [14] ، ولكن في المظهرين للإسلام من هم منافقون ، فأولئك ملعونون لا يحبون الله ورسوله ، ومن علم حال الواحد من هؤلاء لم يصل عليه إذا مات ، لقوله تعالى : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) [ سورة التوبة : 84 ] .

                  ومن جوز [ من أهل السنة والجماعة ]

                  [15] لعنة الفاسق المعين

                  [16] ; فإنه يقول يجوز أن أصلي عليه وأن ألعنه ، فإنه مستحق للثواب [ مستحق للعقاب ]

                  [17] ، فالصلاة عليه لاستحقاقه الثواب ، واللعنة له لاستحقاقه العقاب

                  [18] . واللعنة البعد عن الرحمة ، والصلاة عليه سبب للرحمة ، فيرحم من وجه ، ويبعد عنها من وجه .

                  وهذا كله على مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وسائر أهل السنة والجماعة ، ومن يدخل فيهم من الكرامية والمرجئة والشيعة ، ومذهب كثير من الشيعة الإمامية وغيرهم الذين يقولون : إن الفاسق لا يخلد في [ ص: 571 ] النار   . وأما من يقول بتخليده في النار كالخوارج

                  [19] والمعتزلة وبعض الشيعة ، فهؤلاء عندهم لا يجتمع في حق الشخص الواحد ثواب وعقاب .

                  وقد استفاضت السنن النبوية بأنه يخرج من النار قوم بالشفاعة ، ويخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان . وعلى هذا الأصل فالذي يجوز لعنة يزيد [ وأمثاله ]

                  [20] يحتاج إلى شيئين : إلى ثبوت أنه كان من الفساق الظالمين الذين تباح لعنتهم ، [ وأنه مات مصرا على ذلك ]

                  [21] . والثاني : أن لعنة المعين من هؤلاء جائزة . والمنازع يطعن في المقدمتين ، لا سيما الأولى .

                  فأما قول الله تعالى : ( ألا لعنة الله على الظالمين ) [ سورة هود : 18 ] فهي آية عامة كآيات الوعيد ، بمنزلة قوله : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) [ سورة النساء : 10 ] وهذا يقتضي أن هذا الذنب سبب اللعن والعذاب ، لكن قد يرتفع موجبه لمعارض راجح : إما توبة ، وإما حسنات ماحية ، وإما مصائب مكفرة . فمن أين يعلم الإنسان أن يزيد أو غيره من الظلمة لم يتب من هذه

                  [22] ؟ أو لم تكن له حسنات ماحية تمحو ظلمه ؟ ولم يبتل بمصائب تكفر عنه ؟ [ وأن الله لا يغفر له ذلك مع قوله تعالى ]

                  [23] : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [ سورة النساء : 48 ] . وقد ثبت في صحيح البخاري

                  [24] [ ص: 572 ] عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم   " [25] وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد ، والجيش عدد معين لا مطلق ، وشمول المغفرة لآحاد هذا الجيش أقوى من شمول اللعنة لكل واحد واحد من الظالمين ، فإن هذا أخص ، والجيش معينون .

                  ويقال : إن يزيد إنما غزا القسطنطينية لأجل هذا الحديث . ونحن نعلم أن أكثر المسلمين لا بد لهم من ظلم ، فإن فتح هذا الباب ساغ

                  [26] أن يلعن أكثر موتى المسلمين . والله تعالى أمر بالصلاة على موتى المسلمين ، لم يأمر بلعنتهم

                  [27] .

                  ثم الكلام في لعنة الأموات  أعظم من لعنة الحي ; فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا تسبوا الأموات [ ص: 573 ] فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا "

                  [28] . حتى أنه قال : " لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا "

                  [29] لما كان قوم يسبون أبا جهل ونحوه من الكفار الذين أسلم أقاربهم ، فإذا سبوا ذلك آذوا قرابته .

                  وأما ما نقله عن أحمد ، فالمنصوص الثابت عنه من رواية صالح أنه قال : " ومتى رأيت أباك يلعن أحدا ؟ [ لما قيل له : ألا تلعن يزيد ؟ فقال : ومتى رأيت أباك يلعن أحدا ؟ ]

                  [30] وثبت عنه أن الرجل إذا ذكر الحجاج ونحوه من الظلمة وأراد أن يلعن يقول

                  [31] : ألا لعنة الله على الظالمين ، وكره أن يلعن المعين باسمه   .

                  ونقلت عنه رواية في لعنة يزيد وأنه قال : ألا ألعن من لعنه الله ، واستدل بالآية ، لكنها رواية منقطعة ليست ثابتة عنه ، والآية لا تدل على لعن المعين  ، ولو كان كل ذنب لعن

                  [32] فاعله ، يلعن المعين الذي فعله ؛ للعن جمهور [ ص: 574 ] الناس . وهذا بمنزلة الوعيد المطلق ، لا يستلزم ثبوته في حق المعين إلا إذا وجدت شروطه وانتفت موانعه ، وهكذا اللعن . وهذا بتقدير أن يكون يزيد فعل ما يقطع به الرحم .

                  ثم إن هذا تحقق في كثير من بني هاشم الذين تقاتلوا من العباسيين والطالبيين ، فهل يلعن هؤلاء كلهم ؟ وكذلك من ظلم قرابة له لا سيما وبينه وبينه عدة آباء ، أيلعنه بعينه ؟ ثم إذا لعن هؤلاء لعن كل من شمله ألفاظه ، وحينئذ فيلعن جمهور المسلمين .

                  وقوله تعالى : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) [ سورة محمد : 23،22 ] وعيد عام في حق كل من فعل ذلك ، وقد فعل بنو هاشم بعضهم ببعض أعظم مما فعل يزيد .

                  فإن قيل بموجب هذا لعن

                  [33] ما شاء الله من بني هاشم : العلويين والعباسيين وغيرهم من المؤمنين .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية