الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              مسألة إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان  فعن أحمد ثلاث روايات ، إحداهن أنه يجب صوم الثلاثين بنية من رمضان ، وهذا مذهب عمر ، وعلي ، وابن عمر ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص ، وأنس ، وأبي هريرة وعائشة وأسماء ، وقال به من كبار التابعين طاوس ، ومجاهد ، وسالم ، وبكر بن عبد الله ، ومطرف ، وميمون بن مهران في آخرين ، فعلى هذه الرواية هل يجوز أن يسمى يوم شك ؟ فيه روايتان ؛ إحداهما لا يسمى يوم شك ، بل هو يوم من رمضان من طريق الحكم ، وهو ظاهر ما نقله مهنا ، وبه قال الخلال والأكثرون من أصحابنا ، فعلى هذه لا يتوجه النهي عن صوم الشك إليه ، والثانية أنه يسمى يوم شك نقلها المروزي ، فعلى هذا يرجح جانب التعبد وإن كان شكا ، والأولى أصح ، فإن قيل : فما يوم الشك ؟ قلنا : قد فسره الإمام أحمد فقال : يوم الشك أن يتقاعد الناس عن طلب الهلال ، أو يشهد برؤيته من يرد الحاكم شهادته ، والرواية الثانية في المسألة لا يجوز صيامه من رمضان ، ولا نفلا بل يجوز قضاء وكفارة ونذرا ونفلا يوافق عادة ، وهذا قول الشافعي ، والرواية الثالثة أن المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر ، وبهذه قال الحسن ، وابن سيرين ، وقال أبو حنيفة ، ومالك : لا يجوز صيامه من رمضان ، ويجوز صيامه ما سوى ذلك ، ووجه الرواية الأولى ما :

                                                              1058 - أخبرنا به هبة الله بن محمد ، قال : أنبأنا الحسن بن علي التميمي ، أنبأنا أحمد بن جعفر ، قال : حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال : حدثني أبي ، حدثنا إسماعيل ، حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فاقدروا له . [ ص: 69 ] [ ص: 70 ] [ ص: 71 ] [ ص: 72 ] قال نافع : فكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر ، فإن رأى فذاك ، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا ، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما . أخرجاه في الصحيحين ، ولم يذكر فعل ابن عمر ، واحتجاج أصحابنا من هذا الحديث من وجهين ، أحدهما فعل ابن عمر ، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بمراده ، فنحن نرجع إليه كما رجعنا في خيار المجلس فإنه كان يفارق صاحبه ليتم البيع ، والثاني أن معنى اقدروا ضيقوا له عددا يطلع في مثله ، وذلك يكون لتسع وعشرين ، ومن هذا قوله تعالى : ومن قدر عليه رزقه ؛ أي ضيق عليه ، قالوا : فقد روي عن ابن عمر ضد هذا [ ص: 73 ] .

                                                              1059 - أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز ، أنبأنا إبراهيم بن عمر البرمكي ، حدثنا محمد بن العباس بن الفرات ، أنبأنا حمزة بن القاسم ، حدثنا حنبل بن إسحاق ، قال : حدثني أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي ، قال : سمعت ابن عمر يقول : لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه . قلنا جوابه من وجهين ؛ أحدهما أنه لا يصح ، وقد ضعف أبو حاتم الرازي عبد العزيز بن حكيم ، والثاني أن هذا ليس بيوم شك على ما سبق بيانه ، أما حجتهم فلهم سبعة أحاديث ، الحديث الأول :

                                                              1060 - أخبرنا عبد الأول ، قال : أنبأنا ابن المظفر الداودي ، قال : أنبأنا ابن أعين السرخسي ، قال : حدثنا الفربري ، قال : حدثنا البخاري ، قال : حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا محمد بن زياد ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين . انفرد بإخراجه البخاري ، والجواب أن أبا بكر الإسماعيلي ذكر هذا في صحيحه الذي خرجه على البخاري ، أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار ، قال : أنبأنا أبي ، قال : حدثنا أبو بكر البرقاني ، حدثنا أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، قال : حدثنا الحسن بن علوية ، قال : حدثنا بندار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن زياد ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 74 ] لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروا الهلال ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين . قال الإسماعيلي : قد رواه البخاري ، عن آدم ، عن شعبة فقال فيه : فأكملوا عدة شعبان ثلاثين . قال : وقد رويناه عن غندر ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وابن علية ، وعيسى بن يونس ، وشبابة ، وعاصم بن علي ، والنضر بن شميل ، ويزيد بن هارون ، وابن داود ، وآدم كلهم عن شعبة لم يذكر أحد منهم : فأكملوا عدة شعبان ثلاثين . قال : وهذا يجوز أن يكون من آدم ، رواه على التفقه من عنده للخبر وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا من بين من رواه عنه ومن بين سائر من ذكرنا ممن يرويه عن شعبة وجه ، ورواه المقري ، عن ورقاء ، عن شعبة على ما ذكرناه أيضا ، قلنا : فعلى هذا يكون المعنى ، فإن غم عليكم رمضان فعدوه ثلاثين ، وعلى هذا لا يبقى لهم حجة في الحديث على أن أصحابنا قد تأولوا ما انفرد به البخاري من ذكر سفيان فقالوا : نحمله على ما إذا غم هلال رمضان وهلال شوال فإنا نحتاج إلى إكمال شعبان ثلاثين احتياطا للصوم ، فإنا وإن كنا قد صمنا يوم الثلاثين من شعبان فليس بقطع منا على أنه رمضان إنما صمناه حكما .

                                                              الحديث الثاني :

                                                              1061 - أخبرنا به محمد بن عبيد الله الزاغوني ، أنبأنا نصر بن الحسن ، أنبأنا عبد الغافر بن محمد ، أنبأنا محمد بن عيسى بن عمرويه ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا عبيد الله بن معاذ ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن زياد ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين . انفرد بإخراجه مسلم ، والجواب أن المراد فإن غم عليكم رمضان فعدوا رمضان ثلاثين يدل عليه شيئان أحدهما أن الكناية يرجع إلى أقرب المذكورين وأقربهما ، وأفطروا لرؤيته والثاني أنه قد روي مفسرا .

                                                              1062 - أخبرنا ابن عبد الواحد ، قال : أنبأنا الحسن بن علي التميمي ، قال : أنبأنا أحمد بن جعفر ، قال : حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما انفرد بإخراجه مسلم .

                                                              الحديث الثالث [ ص: 75 ] .

                                                              1063 - أخبرنا به ابن عبد الخالق ، قال : أنبأنا عبد الرحمن بن أبي بكر ، قال : حدثنا محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا الدارقطني ، حدثنا محمد بن موسى بن سهل ، حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن ربعي ، عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة قبله ، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة . ورواه منصور ، عن ربعي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين ، ثم صوموا ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تتموا وتكملوا العدة ثلاثين . والجواب أن أحمد ضعف حديث حذيفة ، وقال : ليس ذكر حذيفة فيه بمحفوظ ، ثم هو مجهول على حالة الصحو ؛ لأنه لم يذكر فيه الغيم ، وقد حمله أصحابنا على ما إذا غم هلال رمضان وهلال شوال على ما سبق .

                                                              الحديث الرابع :

                                                              1064 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، قال : أنبأنا عبد الرحمن بن أحمد ، حدثنا محمد بن عبد الملك ، حدثنا الدارقطني ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن زياد ، حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن صالح ، عن عبد الله بن أبي قيس ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره ، ثم يصوم رمضان لرؤيته ، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ، ثم صام [ ص: 76 ] ، قال الدارقطني : هذا إسناد حسن صحيح . قلت : وهذه عصبية من الدارقطني كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح ، وقال أبو حاتم الرازي : لا يحتج به ، والذي حفظ من هذا فعدوا ثلاثين ثم أفطروا .

                                                              1065 - وبالإسناد قال الدارقطني : حدثنا ابن صاعد ، قال : حدثنا محمد بن زنبور المكي ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، قال : أنبأنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ، ثم أفطروا . ورواه أبو بكر بن عياش ، وأسامة بن زيد ، عن محمد بن عمرو بهذا قال الدارقطني ، وهي أسانيد صحاح ، وقد ذكرنا من حديث أبي هريرة فصوموا ثلاثين .

                                                              الحديث الخامس :

                                                              1066 - أخبرنا عبد الملك ، قال : أنبأنا الأزدي ، والغورجي ، قالا : أنبأنا الجراحي ، قال : حدثنا ابن محبوب ، قال : حدثنا الترمذي ، قال : حدثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عمرو بن قيس ، عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر ، قال : كنا عند عمار بن ياسر فأتى بشاة مصلية ، فقال : كلوا . فتنحى بعض القوم فقال : إني صائم ، فقال عمار : من صام اليوم الذي يشكك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم . قال الترمذي : هذا حديث صحيح .

                                                              الحديث السادس :

                                                              1067 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، قال : أنبأنا عبد الرحمن بن أحمد ، قال : حدثنا محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا علي بن عمر الحافظ ، حدثنا محمد بن عمرو بن البختري ، حدثنا أحمد بن الخليل ، قال : حدثنا الواقدي ، قال : حدثنا داود بن خالد بن دينار ، ومحمد بن مسلم ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم ستة أيام ، اليوم الذي يشك فيه من رمضان ويوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق  والجواب أنا قد بينا أن هذا ليس بيوم شك .

                                                              الحديث السابع .

                                                              1068 - أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون ، قال : أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب ، قال : أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح ، قال : أنبأنا أبو بكر بن شاذان ، قال : حدثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي ، قال : حدثني هاشم بن القاسم الحراني ، قال : حدثنا يعلى بن الأشدق ، عن عبد الله بن جراد ، قال : أصبحنا يوم الثلاثين صياما ، وكان الشهر قد غم علينا فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأصبناه مفطرا ، فقلنا : يا نبي الله ، فقلنا : يا نبي الله صمنا اليوم . فقال : أفطروا [ ص: 77 ] إلا أن يكون رجل يصوم هذا اليوم فليتم صومه ؛ لأن أفطر يوما من رمضان يتمارى فيه أحب إلي من أن أصوم يوما من شعبان ليس منه يعني ليس من رمضان ، قال الخطيب : ففي هذا الحديث كفاية عن ما سواه ، قلت : لا تكون عصبية أبلغ من هذا فليته روى الحديث وسكت ، فأما أن يعلم عيبه ولا يذكره ، ثم يمدحه ، ويثني عليه ، ويقول فيه كفاية عن ما سواه ، فهذا مما أزرى به على علمه ، وأثر به في دينه ، أتراه ما علم أن أحدا يعرف قبح ما أتى كيف ، وهذا الأمر ظاهر لكل من شدا شيئا من علم الحديث ، فكيف بمن أوغل فيه أتراه ما علم أنه في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من روى حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ، وهذا الحديث موضوع على ابن جراد لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا ذكره أحد من الأئمة الذين جمعوا السنن ، وترخصوا في ذكر الأحاديث الضعاف ، وإنما هو مذكور في تسعة يعلى بن الأشدق ، عن ابن جراد وهي نسخة موضوعة ، قال أبو زرعة والرازي : يعلى بن الأشدق ليس بشيء . وقال أبو أحمد بن عدي الحافظ : روى يعلى بن الأشدق عن عمه عبد الله بن جراد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة منكرة وهو وعمه غير معروفين ، وقال البخاري : يعلى لا يكتب حديثه . وقال أبو حاتم بن حبان الحافظ : لقي يعلى عبد الله بن جراد فلما كبر اجتمع عليه من لا دين له ، فوضعوا له شبيها بما في حديث نسخة عن ابن جراد فجعل يحدث بها ، وهو لا يدري لا يحل الرواية عنه . قلت : وما كان هذا يخفى على الخطيب غير أن العصبية تغطي على الدهر ، وإنما يبهرج بما يخفى ، ومثل هذا لا يخفى نعوذ بالله من غلبات الهوى .

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية