"لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة، ولا القانع مع أهل البيت لهم".
قال: حدثناه عن شيخ من أهل الجزيرة، يقال له مروان الفزاري، يزيد بن أبي زياد.
قال وهو أبو عبيد: يزيد بن سنان، عن عن الزهري، عروة، عن ترفعه. عائشة،
قوله خائن ولا خائنة، فالخيانة تدخل في أشياء كثيرة سوى الخيانة في المال منها: أن يؤتمن الرجل على فرج، فلا يؤدي فيه الأمانة.
وكذلك إذا استودع سرا يكون إن أفشاه فيه عطب المستودع، أو فيه شينه [ ص: 364 ] وكذلك إن اؤتمن على حكم بين اثنين، أو فوقهما، فلم يعدل.
وكذلك إن غل من المغنم، فالغال في التفسير: الخائن؛ لأنه يقال في قوله: وما كان لنبي أن يغل قال: "يخان".
ومما يبين لك أن السر أمانة حديث يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - :
"إذا حدث الرجل الرجل بالحديث، ثم التفت، فهو أمانة"
فقد سماه رسول الله [ - صلى الله عليه وسلم - أمانة] ، ولم يستكتمه، [ ص: 365 ] فكيف إذا استكتمه" ومنه قوله ( - عليه السلام - ) : "إنما تجالسون بالأمانة" ومنه الحديث الآخر: "من أشاع [على مؤمن] فاحشة، فهو مثل من أبداها" فصار ها هنا كفاعلها، لإشاعته إياها، وهو لم يستكتمها إياه.
فهذه الخصال كلها، وما ضاهاها، لا ينبغي أن يكون أصحابها عدولا في الشهادات على تأويل هذا الحديث.
وأما قوله: ولا ذي غمر على أخيه، فإن الغمر الشحناء والعداوة، وكذلك الإحنة. ومما يبين ذلك حديث [ - رضي الله عنه - ] : "أيما قوم شهدوا على رجل بحد، ولم يكن ذلك بحضرة صاحب الحد، فإنما شهدوا عن ضغن" [ ص: 366 ] . عمر
وتأويل هذا الحديث على الحدود التي فيما بين الناس، وبين الله [ - عز وجل - ] كالزنا والسرقة، وشرب الخمر.
قال وسمعت [أبو عبيد] : "محمد بن الحسن" يجعل في ذلك وقتا لا أحفظه، يقول: فإن أقاموا الشهادة بعد ذلك بطلت شهادتهم.
فأما حقوق الناس فالشهادة فيها جائزة أبدا لا ترد، وإن تقادمت.
وأما الظنين في الولاء والقرابة، فالذي يتهم بالدعاوة إلى غير أبيه أو المنولي غير مواليه [ ص: 367 ] .
قال وقد يكون أن يتهم في شهادته لقريبه كالوالد للولد (والولد للوالد) ومن وراء ذلك. أبو عبيد:
قال: حدثناه عن حفص بن غياث، عن محمد بن زيد بن مهاجر، طلحة بن عبد الله بن عوف، فمعنى الظنين هاهنا: المتهم في دينه. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث مناديا حتى انتهى إلى الثنية. "أنه لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، واليمين على المدعى عليه".
وأما قوله: فإنه الرجل يكون مع القوم في حاشيتهم كالخادم لهم والتابع والأجير، ونحوه. ولا القانع مع أهل البيت لهم:
وأصل القنوع: الرجل يكون مع الرجل يطلب فضله، ويسأله معروفه. يقول: فهذا إنما يطلب معاشه من هؤلاء، فلا تجوز شهادته لهم [ ص: 368 ] [وقد] قال الله - تبارك وتعالى - : فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر فالقانع في التفسير: الذي يسأل، والمعتر: الذي يتعرض، ولا يسأل، ومنه قول "الشماخ":
لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوع
يعني: مسألة الناس .وقال "عدي بن زيد":
وما خنت ذا عهد وأيت بعهده ولم أحرم المضطر إذ جاء قانعا
ويقال من هذا: قد قنع الرجل يقنع قنوعا.
وأما القانع: الراضي بما أعطاه الله [ - سبحانه - ] فليس من ذلك [ ص: 369 ] .
يقال [منه] : قد قنعت أقنع قناعة، - فهذا بكسر النون - ، وذاك - بفتحها - وذاك من القنوع، وهذا من القناعة.