الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
480 - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" - صلى الله عليه وسلم - :

"أن الله [ - تبارك وتعالى - ] جعل حسنات بني آدم أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقال الله [ - جل وعز - ] : إلا الصوم فإن الصوم لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"   [ ص: 329 ] .

حدثنا "أبو عبيد": قال: حدثنيه "أبو اليقظان" عن "إبراهيم الهجري" عن "أبي الأحوص" عن "عبد الله" يرفعه.

قوله: "الصوم لي، وأنا أجزي به"   [قال] وقد علمنا أن أعمال البر كلها له وهو يجزي بها، فنرى - والله أعلم - أنه إنما خص الصوم بأن يكون هو [ - سبحانه - ] الذي يتولى جزاءه; لأن الصوم ليس يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل، فتكتبه الحفظة إنما هو نية في القلب، وإمساك عن حركة المطعم والمشرب [والنكاح] يقول [ - عز وجل - ] : فأنا أتولى جزاءه على ما أحب من التضعيف، وليس على كتاب كتب له [ ص: 330 ] .

ومما يبين ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : "ليس في الصوم رياء". حدثنا "أبو عبيد" قال: حدثنيه "شبابة" عن "ليث" عن "عقيل" عن "ابن شهاب" رفعه.

وذلك أن الأعمال كلها لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم خاصة، فإنما هو بالنية  التي قد خفيت على الناس، فإذا نواها، فكيف يكون ها هنا رياء؟

هذا عندي وجه الحديث - والله أعلم.

قال "أبو عبيد": وبلغني عن "سفيان بن عيينة" أنه فسر قوله: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به".  

قال: لأن الصوم هو الصبر يصبر الإنسان على المطعم والمشرب [ ص: 331 ] والنكاح، ثم قرأ: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب يقول: فثواب الصوم ليس له حساب يعلم من كثرته.

ومما يقوي قول "سفيان" الذي يروى في التفسير قول الله [تبارك وتعالى] السائحون [هو في التفسير] الصائمون.

يقول: فإنما الصائم بمنزله السائح [ليس يتلذذ بشيء] .

وأما قوله: في الخلوف، فإنه تغير طعم الفم [وريحه] لتأخير الطعام، يقال منه: خلف فمه يخلف خلوفا، قاله "الأصمعي" و"الكسائي" وغيرهما ومنه حديث "علي" [رضي الله عنه] حين سئل عن القبلة للصائم، فقال: "وما أربك إلى خلوف فيها" [ ص: 332 ] حدثنا "أبو عبيد": قال: حدثنيه "ابن مهدي" عن "سفيان" عن "أبي إسحاق" عن "عبيد بن عمرو" [الخارفي] عن "علي".

والصوم أيضا في أشياء سوى هذا.

يقال للقائم الساكت صائم، قال "النابغة الذبياني".


خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما

ويقال للنهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة: قد صام النهار، قال "امرؤ القيس":


فدعها وسل الهم عنك بجسرة     ذمول إذا صام النهار وهجرا [ ص: 333 ]

حدثنا "أبو عبيد" قال: وحدثنا "عباد بن العوام" عن "سليمان التيمي" قال: سمعت "أنس بن مالك" يقرأ: إني نذرت للرحمن صوما و [يروى] "صمتا".

التالي السابق


الخدمات العلمية