الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ، ويدهن بأي دهن شاء ، ويتطيب بأي طيب شاء سواء كان طيبا تبقى عينه بعد الإحرام أو لا تبقى في قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، وهو قول محمد أولا ، ثم رجع ، وقال : يكره له أن يتطيب بطيب تبقى عينه بعد الإحرام .

                                                                                                                                وحكي عن محمد في سبب رجوعه أنه قال : كنت لا أرى به بأسا حتى رأيت قوما أحضروا طيبا كثيرا ، ورأيت أمرا شنيعا فكرهته ، وهو قول مالك ، احتج محمد بما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي : اغسل عنك هذا الخلوف } .

                                                                                                                                وروي عن عمر ، وعثمان رضي الله عنهما أنهما كرها ذلك ، ولأنه إذا بقي عينه ينتقل من الموضع الذي طيبه إلى موضع آخر فيصير كأنه طيب ذلك الموضع ابتداء بعد الإحرام ، ولأبي حنيفة ، وأبي يوسف ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت { طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين أحرم ، ولإحلاله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت ، ولقد رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إحرامه } ، ومعلوم أن وبيص الطيب إنما يتبين مع بقاء عينه فدل أن الطيب كان بحيث تبقى عينه بعد الإحرام ، ولأن التطيب بعد حصل مباحا في الابتداء لحصوله في غير حال الإحرام ، والبقاء على التطيب لا يسمى تطيبا فلا يكره كما إذا حلق رأسه ثم أحرم .

                                                                                                                                وأما حديث الأعرابي فهو محمول على ما إذا كان عليه ثوب مزعفر ، والرجل يمنع من المزعفر في غير حال الإحرام ففي حال الإحرام أولى ، حملناه على هذا توفيقا بين الحديثين بقدر الإمكان .

                                                                                                                                وأما حديث عمر ، وعثمان فقد روي عن ابن عمر ، وعائشة رضي الله عنهما بخلافه فوقع التعارض فسقط الاحتجاج بقولهما ، وما ذكر من معنى الانتقال إلى مكان آخر غير سديد ; لأن اعتباره يوجب الجزاء لو انتقل ، وليس كذلك بالإجماع .

                                                                                                                                ولو ابتدأ الطيب بعد الإحرام فوجبت عليه الكفارة فكفر ، وبقي عليه هل يلزمه كفارة أخرى ببقاء الطيب عليه ، اختلف المشايخ فيه ، قال بعضهم : يلزمه كفارة أخرى ; لأن ابتداء الإحرام كان محظورا لوجوده في حال الإحرام فكذا البقاء عليه بخلاف المسألة الأولى ، وقال بعضهم لا يلزمه كفارة أخرى ; لأن حكم الابتداء قد سقط عنه بالكفارة ، والبقاء على الطيب لا يوجب الكفارة كما في المسألة الأولى .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية