قال أهل اللغة : قاضى فلان فلانا : عاهده ، وقاضاه : عاوضه ، فيحتمل تسميتها بالأمرين ، ويرجح الثاني تسميتها قصاصا .
وقال آخرون : بل كانت قضاء عن العمرة الأولى ، وعد في العمر لثبوت الأجر فيها لا لأنها كملت ، وهذا خلاف مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت . عمرة الحديبية
واختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال :
أحدها : أن يلزمه الهدي والقضاء ، وهذا إحدى الروايات عن أحمد ، بل أشهرها عنه . من أحصر عن العمرة
والثاني : لا قضاء عليه ، وعليه الهدي ، وهو قول الشافعي ، ومالك في ظاهر مذهبه ، ورواية أبي طالب عن أحمد .
والثالث : يلزمه القضاء ، ولا هدي عليه ، وهو قول أبي حنيفة .
والرابع : لا قضاء عليه ، ولا هدي ، وهو إحدى الروايات عن أحمد .
فمن أوجب عليه القضاء والهدي ، احتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه نحروا الهدي حين صدوا عن البيت ، ثم قضوا من قابل ، قالوا : ، ولا يسقط الوجوب إلا بفعلها ونحر الهدي لأجل التحلل قبل تمامها ، وقالوا : وظاهر الآية يوجب الهدي ، لقوله تعالى : ( والعمرة تلزم بالشروع فيها فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) [ البقرة : 196 ] .
ومن لم يوجبهما قالوا : لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين أحصروا معه بالقضاء ، ولا أحدا منهم ، ولا وقف الحل على نحرهم الهدي بل أمرهم أن يحلقوا رءوسهم وأمر من كان معه هدي أن ينحر هديه .
ومن أوجب الهدي دون القضاء احتج بقوله : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) .
ومن أوجب القضاء دون الهدي ، احتج بأن العمرة تلزم بالشروع ، فإذا أحصر جاز له تأخيرها لعذر الإحصار ، فإذا زال الحصر ، أتى بها بالوجوب السابق ، ولا يوجب تخلل التحلل بين الإحرام بها أولا وبين فعلها في وقت الإمكان ، شيئا ، وظاهر القرآن يرد هذا القول ، ويوجب الهدي دون القضاء ؛ لأنه جعل الهدي هو جميع ما على المحصر ، فدل على أنه يكتفى به منه . والله أعلم . وقال ابن إسحاق : تسمى أيضا . عمرة الصلح
فتحصل من أسمائها أربعة : القضاء ، والقضية ، والقصاص والصلح . وهذه العمرة هي المذكورة في قوله تعالى في سورة " الفتح " المباركة : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون الآية ( الفتح : 27 ) . وهي الموعود بها وهي المشار إليها في قول عبد الله بن رواحة حين دخل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، يوم عمرة القضاء وهو يقول : في قوله ، عليه الصلاة والسلام ، لعمر بن الخطاب حين قال له : ألم تكن تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : " بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ " قال : لا . قال : " فإنك آتيه ومطوف به
خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله
وقال ابن الأثير - رحمه الله تعالى - في الجامع : هذه العمرة ليست من الغزوات ، وذكرها البخاري في الغزوات حيث تضمنت ذكر المصالحة مع المشركين .
الثالث : قال ابن هشام - رحمه الله تعالى - قوله : «نحن قتلناكم على تأويله” إلى آخر الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم ، قال السهيلي : يعني يوم صفين . قال ابن هشام :
والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين ، والمشركون لم يقروا بالتنزيل ، وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزل . قال في البداية : وفيما قاله ابن هشام نظر ، فإن البيهقي روى من غير وجه عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس قال : وهو يقول . لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وفي رواية وهو آخذ بغرزه
الأبيات السابقة . ورواه عن يزيد بن أسلم - كما سبق - وقد تابع ابن إسحاق على ذلك ابن عقبة وغيره ، وقال الحافظ - رحمه الله تعالى - إذا ثبتت الرواية فلا مانع من إطلاق ذلك ، فإن التقدير على رأي ابن هشام : نحن ضربناكم على تأويله أي حتى تذعنوا إلى ذلك التأويل ، ويجوز أن يكون التقدير : نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه ، وإذا كان ذلك محتملا ، وثبتت الرواية سقط الاعتراض . نعم الرواية التي جاء فيها .
«فاليوم نضربكم على تأويله” يظهر أنه قول عمار ، ويبعد أن يكون من قول ابن رواحة ، لأنه لم يقع في عمرة القضاء ضرب ولا قتال ، وصحيح الرواية .
«نحن ضربناكم على تأويله . كما ضربناكم على تنزيله .
يشير بكل منهما إلى ما مضى ، ولا مانع من أن يتمثل عمار بن ياسر بهذا الرجز ويقول هذه اللفظة ، ومعنى قوله : «نضربكم على تأويله” أي الآن ، وجاز تسكين الباء لضرورة الشعر ، بل هي لغة قرئ بها في المشهور .