الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            [ زواجه بميمونة   ]

            وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن هزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة ، زوجه إياها العباس بن عبد المطلب ، [ زواج الرسول بميمونة   ]

            قال ابن إسحاق : وحدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح . عن عطاء بن أبي رباح ومجاهد أبي الحجاج ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب

            قال ابن هشام : وكانت جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل وكانت أم الفضل تحت العباس ، فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس ، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة درهم . ويقال : إنها التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم قال السهيلي أنه لما انتهت إليها خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وهي راكبة بعيرا قالت : الجمل وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وفيها نزلت الآية : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين ( الأحزاب : 50 ) . ويقال : إن التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ، ويقال أم شريك ، غزية بنت جابر بن وهب من بني منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي ، ويقال : بل هي امرأة من بني سامة بن لؤي ، فأرجأها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

            وأما قول ابن عباس : " إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "تزوج ميمونة ، وهو محرم ، وبنى بها وهو حلال " فمما استدرك عليه ، وعد من وهمه ، قال سعيد بن المسيب : ووهم ابن عباس وإن كانت خالته ، ما تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد ما حل . ذكره البخاري .

            وقال يزيد بن الأصم عن ميمونة : " تزوجني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن حلالان بسرف " رواه مسلم .

            وقال أبو رافع : " تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة  وهو حلال ، وبنى بها وهو حلال ، وكنت الرسول بينهما " صح ذلك عنه .

            وقال سعيد بن المسيب : هذا عبد الله بن عباس يزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكح ميمونة ، وهو محرم ، وإنما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة ، وكان الحل والنكاح جميعا ، فشبه ذلك على الناس .

            وقد قيل : إنه تزوجها قبل أن يحرم ، وفي هذا نظر إلا أن يكون وكل في العقد عليها قبل إحرامه ، وأظن الشافعي ذكر ذلك قولا ، فالأقوال ثلاثة .

            أحدها : أنه تزوجها بعد حله من العمرة ، وهو قول ميمونة نفسها ، وقول السفير بينها وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أبو رافع ، وقول سعيد بن المسيب ، وجمهور أهل النقل .

            والثاني : أنه تزوجها وهو محرم ، وهو قول ابن عباس وأهل الكوفة وجماعة .

            والثالث : أنه تزوجها قبل أن يحرم .

            وقد حمل قول ابن عباس أنه "تزوجها وهو محرم " على أنه تزوجها في الشهر الحرام ، لا في حال الإحرام ، قالوا : ويقال : أحرم الرجل : إذا عقد الإحرام ، وأحرم : إذا دخل في الشهر الحرام ، وإن كان حلالا بدليل قول الشاعر :


            قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ورعا فلم أر مثله مقتولا

            وإنما قتلوه في المدينة حلالا في الشهر الحرام .

            وقد روى مسلم في "صحيحه" من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب   " .

            ولو قدر تعارض القول والفعل هاهنا ، لوجب تقديم القول ؛ لأن الفعل موافق للبراءة الأصلية ، والقول ناقل عنها ، فيكون رافعا لحكم البراءة الأصلية ، وهذا موافق لقاعدة الأحكام ، ولو قدم الفعل ، لكان رافعا لموجب القول ، والقول رافع لموجب البراءة الأصلية ، فيلزم تغيير الحكم مرتين ، وهو خلاف قاعدة الأحكام ، والله أعلم .

            التالي السابق


            الخدمات العلمية