الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            ما وقع لجواسيس المشركين من الرعب ذكر الآية التي حصلت لجواسيس المشركين في هذه الغزوة

            روى أبو نعيم والبيهقي من طريق ابن إسحاق قال : حدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان أنه حدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد انتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال ، وبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر من هوازن ينظرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، وأمرهم أن يتفرقوا في العسكر فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم ، فقال :

            ويلكم ما شأنكم ، فقالوا : رأينا رجالا بيضا على خيل بلق ، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى ، والله ما نقاتل أهل الأرض ، إن نقاتل إلا أهل السماوات وإن أطعتنا رجعت بقومك ، فإن الناس إن رأوا مثل الذي رأينا أصابهم مثل ما أصابنا . فقال : أف لكم ، أنتم أجبن أهل العسكر ، فحبسهم عنده فرقا أن يشيع ذلك الرعب في العسكر ، وقال : دلوني على رجل شجاع ، فأجمعوا له على رجل ، فخرج ثم رجع إليه قد أصابه كنحو ما أصاب من قبله منهم ، فقال : ما رأيت ؟ قال : رأيت رجالا بيضا على خيل بلق ، ما يطاق النظر إليهم ، فو الله ما تماسكت أن أصابني ما ترى ، فلم يثن ذلك مالكا عن وجهه ، وروى محمد بن عمر نحوه عن شيوخه . ذكر ما قيل إن الملائكة قاتلت يوم حنين والرعب الذي حصل للمشركين

            روى ابن أبي حاتم عن السدي الكبير - رحمه الله تعالى - في قول الله عز وجل :

            وأنزل جنودا لم تروها قال : هم الملائكة وعذب الذين كفروا [التوبة 26] قال :

            قتلهم بالسيف . وروى أيضا عن سعيد بن جبير - رحمه الله تعالى - قال : في يوم حنين أمد الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ، ويومئذ سمى الله تعالى الأنصار مؤمنين قال : «ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين . عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قال : رأيت قبل هزيمة القوم - والناس يقتتلون - مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم ، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوت قد ملأ الوادي ، لم أشك أنها الملائكة ، ولم يكن إلا هزيمة القوم .

            وروى محمد بن عمر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن شيوخ من قومه من الأنصار ، قالوا : رأينا يومئذ كالبجد السود هوت من السماء ركاما ، فنظرنا فإذا رمل مبثوت ، فكنا ننفضه عن ثيابنا ، فكان نصر الله - تعالى - أيدنا به .

            وروى مسدد في مسنده ، والبيهقي . وابن عساكر عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال :

            حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال : لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقوموا لنا حلب شاة أن كببناهم ، فبينما نحن نسوقهم في أدبارهم إذ التقينا بصاحب البغلة - وفي رواية - إذ غشينا ، فإذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلقتنا عنده ، وفي رواية : إذا بيننا وبينه رجال بيض حسان الوجوه قالوا لنا : شاهت الوجوه ، ارجعوا ، فرجعنا - وكانت إياها . عن مصعب بن شيبة بن عثمان الحجبي عن أبيه - رضي الله عنه - قال : خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ، والله ما خرجت إسلاما ، ولكن خرجت أنفا أن تظهر هوازن على قريش ، فإني لواقف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قلت : يا رسول الله إني لأرى خيلا بلقا ، قال : «يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر” فضرب بيده في صدري وقال : «اللهم اهد شيبة” فعل ذلك ثلاث مرات - فو الله ما رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله تعالى أحب إلي منه . صفة الرعب الذي أصاب المشركون يوم حنين وروى عبد بن حميد ، والبيهقي عن يزيد بن عامر السوائي - رضي الله عنه - وكان حضر يومئذ ، فسئل عن الرعب فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن فيقول : أن كنا نجد في أجوافنا مثل هذا . عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : حدثني عدة من قومي شهدوا ذلك اليوم يقولون : «لقد رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الرمية من الحصى فما منا أحد إلا يشكو القذى في عينيه ، ولقد كنا نجد في صدورنا خفقانا كوقع الحصى في الطاس ما يهدأ ذلك الخفقان ، ولقد رأينا يومئذ رجالا بيضا ، على خيل بلق ، عليهم عمائم حمر ، قد أرخوها بين أكتافهم ، بين السماء والأرض كتائب كتائب ما يليقون شيئا ، ولا نستطيع أن نتأملهم من الرعب منهم .

            التالي السابق


            الخدمات العلمية