الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ثم يمضي السياق قدما مع رحلة بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر ناجين:

                                                                                                                                                                                                                                      وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة، ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون. وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون. وإذ قال موسى لقومه: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل، فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم، فتاب عليكم، إنه هو التواب الرحيم ..

                                                                                                                                                                                                                                      وقصة اتخاذ بني إسرائيل للعجل، وعبادته في غيبة موسى - عليه السلام - عندما ذهب إلى ميعاد ربه على الجبل ، مفصلة في سورة طه السابقة النزول في مكة . وهنا فقط يذكرهم بها، وهي معروفة لديهم. يذكرهم بانحدارهم إلى عبادة العجل بمجرد غيبة نبيهم، الذي أنقذهم باسم الله، من آل فرعون يسومونهم سوء العذاب.

                                                                                                                                                                                                                                      ويصف حقيقة موقفهم في هذه العبادة: وأنتم ظالمون .. ومن أظلم ممن يترك عبادة الله ووصية نبيه ليعبد عجلا جسدا، وقد أنقذه الله ممن كانوا يقدسون العجول!.

                                                                                                                                                                                                                                      ومع هذا فقد عفا الله عنهم، وآتى نبيهم الكتاب - وهو التوراة - فيه فرقان بين الحق والباطل، عسى أن يهتدوا إلى الحق البين بعد الضلال.

                                                                                                                                                                                                                                      ولم يكن بد من التطهير القاسي; فهذه الطبيعة المنهارة الخاوية لا تقومها إلا كفارة صارمة، وتأديب عنيف. عنيف في طريقته وفي حقيقته:

                                                                                                                                                                                                                                      وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل، فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم. ذلكم خير لكم عند بارئكم ..

                                                                                                                                                                                                                                      اقتلوا أنفسكم. ليقتل الطائع منكم العاصي. ليطهره ويطهر نفسه.. هكذا وردت الروايات عن تلك الكفارة العنيفة.. وإنه لتكليف مرهق شاق، أن يقتل الأخ أخاه، فكأنما يقتل نفسه برضاه. ولكنه كذلك كان تربية لتلك الطبيعة المنهارة الخوارة، التي لا تتماسك عن شر، ولا تتناهى عن نكر. ولو تناهوا عن المنكر في غيبة نبيهم ما عبدوا العجل. وإذ لم يتناهوا بالكلام فليتناهوا بالحسام; وليؤدوا الضريبة الفادحة الثقيلة التي تنفعهم وتربيهم!.

                                                                                                                                                                                                                                      وهنا تدركهم رحمة الله بعد التطهير: [ ص: 72 ] فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ..

                                                                                                                                                                                                                                      ولكن إسرائيل هي إسرائيل ! هي هي كثافة حس، ومادية فكر، واحتجابا عن مسارب الغيب.. فإذا هم يطلبون أن يروا الله جهرة، والذي طلب هذا هم السبعون المختارون منهم، الذين اختارهم موسى لميقات ربه - الذي فصلت قصته في السور المكية من قبل - ويرفضون الإيمان لموسى إلا أن يروا الله عيانا. والقرآن يواجههم هنا بهذا التجديف الذي صدر من آبائهم، لينكشف تعنتهم القديم الذي يشابه تعنتهم الجديد مع الرسول الكريم، وطلبهم الخوارق منه، وتحريضهم بعض المؤمنين على طلب الخوارق للتثبت من صدقه:

                                                                                                                                                                                                                                      وإذ قلتم: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون. وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى. كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .. إن الحس المادي الغليظ هو وحده طريقهم إلى المعرفة.. أم لعله التعنت والمعاجزة..

                                                                                                                                                                                                                                      والآيات الكثيرة، والنعم الإلهية ، والعفو والمغفرة.. كلها لا تغير من تلك الطبيعة الجاسية، التي لا تؤمن إلا بالمحسوس، والتي تظل مع ذلك تجادل وتماحل ولا تستجيب إلا تحت وقع العذاب والتنكيل، مما يوحي بأن فترة الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون الطاغية قد أفسدت فطرتهم إفسادا عميقا. وليس أشد إفسادا للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل ، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد: استخذاء تحت سوط الجلاد، وتمردا حين يرفع عنها السوط، وتبطرا حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة.. وهكذا كانت إسرائيل ، وهكذا هي في كل حين..

                                                                                                                                                                                                                                      ومن ثم يجدفون هذا التجديف. ويتعنتون هذا التعنت:

                                                                                                                                                                                                                                      وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة :

                                                                                                                                                                                                                                      ومن ثم يأخذهم الله جزاء ذلك التجديف، وهم على الجبل في الميقات المعلوم:

                                                                                                                                                                                                                                      فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ..

                                                                                                                                                                                                                                      ومرة أخرى تدركهم رحمة الله، وتوهب لهم فرصة الحياة عسى أن يذكروا ويشكروا، ويذكرهم هنا مواجهة بهذه النعمة:

                                                                                                                                                                                                                                      ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ..

                                                                                                                                                                                                                                      ويذكرهم برعايته لهم في الصحراء الجرداء حيث يسر لهم طعاما شهيا لا يجهدون; فيه ولا يكدون، ووقاهم هجير الصحراء وحر الشمس المحرق بتدبيره اللطيف:

                                                                                                                                                                                                                                      وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى. كلوا من طيبات ما رزقناكم. وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ..

                                                                                                                                                                                                                                      وتذكر الروايات أن الله ساق لهم الغمام يظللهم من الهاجرة. والصحراء بغير مطر ولا سحب، جحيم يفور بالنار، ويقذف بالشواظ. وهي بالمطر والسحاب رخية ندية تصح فيها الأجسام والأرواح.. وتذكر الروايات كذلك أن الله سخر لهم " المن " يجدونه على الأشجار حلوا كالعسل، وسخر لهم "السلوى" وهو طائر السماني يجدونه بوفرة قريب المنال. وبهذا توافر لهم الطعام الجيد، والمقام المريح، وأحلت لهم هذه الطيبات.. ولكن [ ص: 73 ] أتراهم شكروا واهتدوا.. إن التعقيب الأخير في الآية يوحي بأنهم ظلموا وجحدوا. وإن كانت عاقبة ذلك عليهم، فما ظلموا إلا أنفسهم!.

                                                                                                                                                                                                                                      وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ..

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية