الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        السادسة في بيان من يقدم مع العمارة وهو المسمى في زماننا بالشعائر ولم أره إلا في الحاوي القدسي قال والذي يبتدأ به من ارتفاع الوقف عمارته شرط الواقف أو لا ثم ما هو أقرب إلى العمارة وأعم للمصلحة كالإمام للمسجد والمدرس للمدرسة يصرف إليهم إلى قدر كفايتهم ثم السراج والبساط كذلك إلى آخر المصالح . ا هـ .

                                                                                        وظاهره تقديم الإمام والمدرس على جميع المستحقين بلا شرط والتسوية بالعمارة [ ص: 231 ] يقتضي تقديمهما عند شرط الواقف أنه إذا ضاق ريع الوقف قسم الريع عليهم بالحصة وأن هذا الشرط لا يعتبر ولكن تقديم المدرس إنما يكون بشرط ملازمته للمدرسة للتدريس الأيام المشروطة في كل جمعة ولذا قال للمدرسة لأن مدرسها إذا غاب تعطلت بخلاف مدرس الجامع وفي القنية يدرس بعض النهار في مدرسة وبعض النهار في مدرسة أخرى ولا يعلم شرط الواقف يستحق [ ص: 232 ] غلة المدرس في المدرستين ولو كان يدرس بعض الأيام في هذه المدرسة وبعضها في الأخرى لا يستحق غلتهما بتمامها وحكم المتعلم والمدرس في المسألتين سواء . ا هـ .

                                                                                        واستفيد من قوله لا يستحق غلتهما بتمامها أنه يستحق بقدر عمله وهي كثيرة الوقوع في أصحاب الوظائف في زماننا وحاصله أنه ينظر إلى ما شرطه الواقف له وعليه من العمل ويقسم المشروط على عمله خلافا لبعض الشافعية فإنه يقول إذا لم يعلم المشروط لا يستحق شيئا من المشروط كما ذكره ابن السبكي وقوله ثم السراج بكسر السين أي القناديل ومراده مع زيتها والبساط بكسر الباء أي الحصير ويلحق بهما معلوم خادمها وهو الوقاد والفراش فيقدمان وتعبيره بثم دون الواو يدل على أنهما مؤخران عن الإمام والمدرس وفي القنية لو اشترى بساطا نفيسا من غلته جاز إذا استغنى المسجد عن العمارة . ا هـ .

                                                                                        وقوله إلى آخر المصالح أي مصالح المسجد فيدخل المؤذن والناظر لأنا قدمنا أنهم من المصالح وقدمنا أن الخطيب داخل تحت الإمام لأنه إمام الجامع فتحصل أن الشعائر التي تقدم في الصرف مطلقا بعد العمارة الإمام والخطيب والمدرس والوقاد والفراش والمؤذن والناظر وثمن القناديل والزيت والحصر ويلحق بثمن الزيت والحصر ثمن ماء الوضوء أو أجرة حمله أو كلفة نقله من البئر إلى الميضأة فليس المباشر والشاهد والجابي والشاد و خازن الكتب من الشعائر وقد جرت العادة بمصر في ديوان المحاسبة بتقديمهم مع المذكورين أولا وليس شرعيا ويقع الاشتباه في البواب والمزملاتي وفي الخانية لو جعل حجرته لدهن سراج المسجد ولم يزد صارت وقفا على المسجد إذا سلمها إلى المتولي وعليه الفتوى وليس للمتولي أن يصرف الغلة إلى غير الدهن ا هـ .

                                                                                        فعلى هذا الموقوف على إمام المسجد لا يصرف لغيره وفي الخانية رجل أوصى بثلث ماله لأعمال البر هل يجوز أن يسرج المسجد منه قال الفقيه أبو بكر يجوز ولا يجوز أن يزاد على سراج المسجد لأن ذلك إسراف سواء كان ذلك في رمضان أو غيره ولا يزين المسجد بهذه الوصية . ا هـ .

                                                                                        ومقتضاه منع الكثرة الواقعة في رمضان في مساجد القاهرة ولو شرط الواقف لأن شرطه لا يعتبر في المعصية وفي القنية وإسراج السرج الكثيرة في السكك والأسواق ليلة البراءة بدعة وكذا في المساجد ويضمن القيم وكذا يضمن إذا أسرف في السرج في رمضان وليلة القدر ويجوز الإسراج على باب المسجد في السكة أو السوق ولو اشترى من مال المسجد شمعا في رمضان يضمن قلت : وهذا إذا لم ينص الواقف عليه ولو أوصى بثلث ماله أن ينفق على بيت المقدس جاز وينفق في سراجه ونحوه قال هشام فدل هذا على أنه يجوز أن ينفق من مال المسجد على قناديله وسرجه والنفط والزيت ا هـ .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله ولم أره إلا في الحاوي ) فيه أنه قدم في الثالثة عن الفتح بيان ذلك ومفاده مساواة من خيف بقطعه الضرر للتعمير ( قوله إلى آخر المصالح ) تمام عبارة الحاوي هذا إذا لم يكن معينا فإن كان الوقف معينا على شيء يصرف إليه بعد عمارة البناء ( قوله وظاهره تقديم الإمام والمدرس على جميع المستحقين بلا شرط ) أي بلا شرط من الواقف أن الإمام والمدرس يقدمان على غيرهم وقد علمت أن كلام الحاوي فيه حيث قال هذا إذا لم يكن معينا ( قوله والتسوية بالعمارة تقتضي تقديمها إلخ ) المراد بالتسوية المستفادة من قوله ما هو أقرب للعمارة مع أنها معطوفة بثم المفيدة للترتيب لكن ما قرب من الشيء يعطى حكمه ويحتمل أن يراد بالتسوية المستفادة من كلام الفتح السابق في المسألة الثالثة ثم إن ما ذكره من تقديم من ذكر ولو شرط الواقف الاستواء عند الضيق قال في النهر نازعه فيه بعض الموالي بقول الحاوي هذا إذا لم يكن معينا . ا هـ .

                                                                                        وعلى ما قلنا من احتمال أن المراد التسوية المستفادة من كلام الفتح تندفع المنازعة تأمل يقول الفقير جامع هذه الحواشي رأيت بخط شيخنا المحشي رحمه الله تعالى في هذا المحل ما نصه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد فقد رفع لعلماء الإسلام الأئمة الأعلام سؤال على لسان أهل الحرمين الشريفين والمقامين المنيفين وهو ما يفيد موالينا مشايخ الإسلام أدام الله تعالى الانقياد إليهم والاستسلام في واقف شرط في كتاب وقفه خطيبا وإماما ومؤذنين وبوابين وخدمة ومدرسين من المذاهب الأربعة وطلبة وقراء وغير ذلك ثم شرط في كتاب وقفه المذكور أنه إذا ضاق ريع الوقف عن المصارف قدم ما هو مرتب على جهة الوقف للحرمين الشريفين والحال أن الواقف عين لكل من المذكورين قدرا معينا وشرط للحرمين الشريفين قدرا معينا فهل إذا ضاق ريع الوقف على الحكم المذكور تقدم جهة الحرمين بما شرط لهم عملا بالشرط المذكور أو يلغى هذا الشرط ويسوى في هذا الوقف بين جميع المستحقين من أهل الحرمين وغيرهم أم تقدم أرباب الشعائر بما شرط لهم وإن شرط الواقف تقديم الحرمين أفتونا مأجورين أثابكم الله تعالى الجنة آمين فكتب الحمد لله رب العالمين رب زدني علما قال في الحاوي القدسي من كتاب الوقف بما لفظه الذي يبدأ به من ارتفاع الوقف عمارته شرط أو لا ثم ما هو أقرب للعمارة وأعم للمصلحة كالإمام للمسجد والمدرس للمدرسة يصرف إليهم قدر كفايتهم ثم السراج والبساط كذلك ا هـ .

                                                                                        قال شيخنا رحمه الله تعالى في كتابه المسمى بالأشباه والنظائر من كتاب الوقف ظاهر هذه العبارة أن المقدم في الصرف الإمام والمدرس والوقاد والفراش ومن كان بمعناهم لتعبيره بالكاف وظاهرها يفيد أيضا تقديم ما ذكرناه ولو شرط الواقف الاستواء عند الضيق لا جعلهم كالعمارة ولو شرط الواقف استواء العمارة بالمستحقين لم يعتبر شرطه وإنما تقدم عليهم فكذا هم . ا هـ .

                                                                                        ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى فعلى مقتضى ما أفاده من أن عبارة الحاوي تفيد أن أرباب الشعائر يقدمون على غيرهم من المستحقين وإن شرط الواقف الاستواء عند الضيق يجب أن يقال تقدم أرباب الشعائر في هذا الوقف المسئول عنه بالأولى لأن في حالة شرط استواء أرباب الشعائر بغيرهم لا تحرم أرباب الشعائر بالكلية ومع ذلك ألغي شرط الاستواء فإلغاؤه في حالة قد يحرمون فيها بالكلية وهي حالة شرط تقديم أهل الحرمين عليهم بتقدير أن لا يفضل شيء لأرباب الشعائر عليهم بالأولى ثم توقف فيما أفاده شيخنا رحمه الله تعالى بعض مشايخنا وحاصل توقفه أنه قال لا نسلم أولا أن يقاس حكم أرباب الشعائر على حكم العمارة لأن انتظام مصالح الوقف بإقامة [ ص: 231 ] شعائره ليس كانتظامه ببقاء عينه ليقاس عليه ألا ترى إلى ما ذكره المشايخ في توجيه تقديم العمارة على غيرها وإن شرط تأخيرها من قولهم لأنا لو اعتبرنا شرطه أدى ذلك إلى اضمحلال العين الموقوفة فيعود الأمر على ما قصد من الوقف بالإبطال فقياس الشيخ رحمه الله تعالى الذي ذكره الواقف في الأشباه من تقديم أرباب الشعائر على غيرهم من بقية المستحقين إذا شرط الواقف الاستواء عند الضيق على حكم العمارة قياس مع الفارق ظهوره كالشمس وبعده كاليوم بالنسبة للأمس هذا وبتقدير تسليمه فالشيخ رحمه الله تعالى قد اختصر عبارة الحاوي وجعلها دليلا على ما ادعاه مع أن الظاهر من تتمة كلامه ينافي ما ادعاه الشيخ رحمه الله تعالى وتتمة عبارة الحاوي هو أنه قال بعدما ذكره الشيخ عنه هذا إذا لم يكن معينا فإن كان الوقف معينا على شيء يصرف إليه إلا بقدر عمارة البناء ا هـ .

                                                                                        كلام الحاوي والظاهر من هذه التتمة أنها قيد راجع لأصل المسألة فيفيد كلام الحاوي أن تقديم أرباب الشعائر على غيرهم إنما هو في حالة مخصوصة وهي ما إذا لم يعين الواقف قدر ما يعطى لكل مستحق أما إذا عين لكل قدرا معينا فلا يصلح أن يكون كلام الحاوي دليلا على هذا المدعى هذا حاصل ما أفاده المتوقف في كلامه أحيا الله تعالى مذهب إمامه هذا ويمكن أن يجاب عن التوقف الأول بأن يقال المنظور إليه في تقديم أرباب الشعائر على غيرهم من بقية المستحقين ليس هو كونهم كالعمارة من كل وجه وإنما هو من حيثية اشتراكهما في عموم النفع بين العمارة وأرباب الشعائر فلما اشتركا في عموم النفع بالنسبة إلى الغير اشتركا في هذا الحكم وهو تقديمهما على الغير وإن شرط الواقف خلاف ذلك من استواء أو تقديم وإذا تأملت كلام الحاوي القدسي وجدته شاهدا على هذا المدعى ويجاب عن التوقف الثاني بأن اسم الإشارة الواقع تتمة كلام الحاوي وهو قوله هذا إذا لم يكن معينا إلى آخره ليس راجعا لأصل المسألة ليكون قيدا لها وإنما هو راجع لأقرب مذكور في كلامه وهو قوله تصرف إليهم قدر كفايتهم وكأنه يقول أن محل تفويض أمر الصرف إلى المتولي إذا لم يشرط الواقف قدرا معينا لكل مستحق أما إذا عين فإنه يتبع شرطه وقد أفصح عن هذا الإمام الزاهدي في كتابه قنية الفتاوى حيث قال في باب يحل للمدرس والمتعلم والإمام ما نصه الأوقاف ببخارى على العلماء لا يعرف من الواقف غير هذا فللقيم أن يفضل البعض ويحرم البعض إذا لم يكن الوقف على قوم يحصون وكذا الوقف على الذين يختلفون إلى هذه المدرسة أو على متعلميها أو على علمائها يجوز للقيم أن يفضل البعض ويحرم البعض إذا لم يعين الواقف قدر ما يعطى كل واحد . ا هـ .

                                                                                        فهذه العبارة وهي قول صاحب القنية إذا لم يعين الواقف قدر ما يعطى كل واحد أزالت اللبس وأوضحت كل تخمين وحدس هذا ومما يؤيد ما ذكرناه ما قدمناه من أن المنظور إليه من جهة المعنى في وجه تقديم أرباب الشعائر على غيرهم إنما هو عموم النفع الحاصل من انتظام مصالح المساجد بإقامة شعائرها وهذا لا يختلف الحال فيه بين ما إذا عين الواقف قدرا معينا لكل وبين ما إذا لم يعين بخلاف تفويض أمر الصرف للمتولي فإن غرض الواقف يختلف فيه بينما إذا عين لكل قدرا معينا وبين ما إذا لم يعين هذا ما ظهر قال ذلك وكتبه العبد الفقير الواقف باللطف الخفي قاسم الدنوشري الحنفي في غرة محرم الحرام افتتاح سنة ( 1139 ) هـ والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه آمين كذا في فتاوى مولانا العلامة حامد أفندي العمادي مفتي دمشق الشام عفا عنه الملك السلام ( قوله ولكن تقديم المدرس إنما يكون بشرط ملازمته ) قال الرملي فلو أنكر الناظر ملازمته فالقول قول المدرس مع يمينه وكذا لو مات واختلف مع ورثته فالقول للورثة مع يمينهم وقد صرح في فتاوى الشيخ شهاب الدين الحلبي بذلك في وظيفة القراءة بما حاصله لو شرط القراءة في مصحف بجامع معين وتوفي القارئ والواقف وأنكر من له الولاية على الوقف القراءة المذكورة فالقول قول الورثة في المباشرة مع اليمين لأنهم قائمون مقام مورثهم والقول قوله في المباشرة مع اليمين لأنه أمين فكذلك ورثته ا هـ .

                                                                                        وأقول : وكذا كل ذي وظيفة القول قوله في المباشرة وهي واقعة الفتوى في مدرس مات وطلب الناظر من ورثته المعلوم المشروط الذي قبضه قبل موته ليرده للوقف لكونه لم يدرس فأفتيت بأن القول قولهم مع اليمين في المباشرة ا هـ .

                                                                                        وبه يعلم أنه لا يقبل قول كاتب الغيبة وسيأتي توقف المؤلف فيه ( قوله بخلاف مدرس الجامع ) قال المقدسي أنت خبير بأن ما ذكر لا يشهد لما ادعى من الفرق بين المدرسة والجامع وغاية ما فيه أن الجامع الذي شرط فيه [ ص: 232 ] تدريس إذا غاب مدرسه لم يقطع من حيث كونه جامعا ويتعطل من حيث كونه مدرسة فيجب تقديمه من هذه الحيثية ( قوله والشاد ) قيل هو الدعجي قلت ويشهد له ما في القاموس الإشادة رفع الصوت بالشيء وتعريف الضالة والإهلال والشياد الدعاء بالإبل ودلك الطيب بالجلد ( قوله ويقع الاشتباه في البواب والمزملاتي ) قال في الدر المنتقى المزملاتي هو الشاوي بعرف أهل الشام وذكر الشرنبلالي في شرح الوهبانية أن ظهور شمول تقديم البواب والمزملاتي وخادم المطهرة مما لا يتردد فيه . ا هـ .

                                                                                        ( قوله وليس للمتولي أن يصرف الغلة إلى غير الدهن ) سيأتي لهذا زيادة في المسألة السادسة عشرة ( قوله قال هشام إلخ ) في الإسعاف ولو أراد المتولي أن يشتري من غلة وقف المسجد دهنا أو حصرا أو آجرا أو حصى ليفرش فيه يجوز إن وسع الواقف في ذلك للقيم بأن قال يفعل ما يراه من مصلحة المسجد وإن لم يوسع بل وقفه لبناء المسجد وعمارته فليس له أن يشتري ما ذكرنا لأنه ليس من العمارة والبناء وإن لم يعرف شرطه في ذلك ينظر هذا القيم إلى من كان قبله فإن كان يشتري من الغلة ما ذكرنا جاز له الشراء وإلا فلا ا هـ .




                                                                                        الخدمات العلمية