الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله وإن حاذته مشتهاة في صلاة مطلقة مشتركة تحريمة وأداء في مكان متحد بلا حائل فسدت صلاته إن نوى إمامتها ) بيان لفائدة تأخيرها ولحكم محاذاتها للرجل والقياس أن لا تفسد اعتبارا بصلاتها وبمحاذاة الأمرد . وجه الاستحسان حديث مسلم السابق من { أنه صلى الله عليه وسلم جعل العجوز خلف الصف } ، ولولا أن المحاذاة مفسدة ما تأخرت العجوز ; لأن الانفراد خلف الصف مكروه عندنا ومفسد عند أحمد ولحديث ابن مسعود { أخروهن من حيث أخرهن الله } والحنفية يذكرونه مرفوعا والمحقق ابن الهمام منع رفعه بل هو موقوف على ابن مسعود ، وهو يفيد افتراض تأخرهن عن الرجال ; لأنه وإن كان آحادا وقع بيانا لمجمل الكتاب وهو قوله تعالى { وللرجال عليهن درجة } فإذا لم يشر إليها بالتأخر بعدما دخلت في [ ص: 376 ] الصلاة ونوى الإمام إمامتها فقد ترك فرض المقام فبطلت صلاته وإذا أشار إليها بالتأخر فلم تتأخر تركت حينئذ فرض المقام فبطلت صلاتها دونه ولم يمكنه التقدم بخطوة أو خطوتين ; لأنه مكروه فلا يؤمر به وهذا هو الفرق بينها وبينه ، وهذا في محاذاة غير الإمام ، أما في محاذاة إمامها فصلاتهما فاسدة أيضا ; لأنه إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم

                                                                                        وفي فتاوى قاضي خان المرأة إذا صلت مع زوجها في البيت إن كان قدمها بحذاء قدم الزوج لا تجوز صلاتهما بالجماعة ، وفي المحيط إذا حاذت إمامها فسدت صلاة الكل ، وأما محاذاة الأمرد فقال في فتح القدير صرح الكل بعدم الفساد إلا من شذ ولا متمسك له في الرواية كما صرحوا به ولا في الدراية لتصريحهم بأن الفساد في المرأة غير معلول بعروض الشهوة بل هو لترك فرض المقام وليس هذا في الصبي ومن تساهل فعلل به صرح بنفيه في الصبي مدعيا عدم اشتهائه ا هـ .

                                                                                        وعلى هذا فما في معراج الدراية عن الملتقط من أن الأمرد من قرنه إلى قدمه عورة مبني على القول الشاذ الذي يلحقه بالمرأة ، وذكر الشارح وغيره أن المعتبر في المحاذاة الساق والكعب في الأصح وبعضهم اعتبر القدم ا هـ .

                                                                                        وهو قاصر الإفادة فإنه كما صرحوا به المرأة الواحدة تفسد صلاة ثلاثة إذا وقفت في الصف من عن يمينها ومن عن يسارها ومن خلفها ولا شك أن المحاذاة بالساق والكعب لم تتحقق فيمن خلفها فالتفسير الصحيح للمحاذاة ما في المجتبى والمحاذاة المفسدة أن تقوم بجنب الرجل من غير حائل أو قدامه ا هـ .

                                                                                        فالحاصل أن مماسة بدنها لبدنه ليست بشرط بل أن تكون عن جنبه بلا حائل ولا فرجة وسيأتي تفسير الحائل والفرجة ولهذا لو كان أحدهما على الدكان دون القامة والآخر على الأرض فسدت صلاته لوجود المحاذاة لبعض بدنها لكونها عن جنبه وليس هنا محاذاة بالساق والكعب ولا بالقدم ، وفي الخانية والظهيرية المرأة إذا صلت في بيتها مع زوجها إن كانت قدماها خلف قدم الزوج إلا أنها طويلة يقع رأسها في السجود قبل رأس الإمام جازت صلاتهما ; لأن العبرة للقدم ا هـ .

                                                                                        وقال قاضي خان في باب ما يفسد الصلاة : وحد المحاذاة أن يحاذي عضو منها عضوا من الرجل حتى لو كانت المرأة على الظلة والرجل بحذائها أسفل منها أو خلفها إن كان يحاذي الرجل شيئا منها تفسد صلاته وقيد بالمشتهاة ; لأن غير المشتهاة لا تفسد صلاته ، وإن كانت مميزة واختلفوا في حد المشتهاة وصحح الشارح وغيره أنه لا اعتبار بالسن من السبع على ما قيل أو التسع على ما قيل وإنما المعتبر أن تصلح للجماع بأن تكون ضخمة عبلة والعبلة [ ص: 377 ] المرأة التامة الخلق وأطلقها فشملت الأجنبية والزوجة والمحرم والمشتهاة حالا أو ماضيا مراهقة أو بالغة فدخلت العجوز الشوهاء ولم يقيدها بالعاقلة كما فعل غيره ; لأن المجنونة لم تصح صلاتها فلم يوجد الاشتراك وقيد بالصلاة ; لأنها لو لم تكن في الصلاة فلا فساد وقيد الصلاة بالإطلاق وهي ما عهد مناجاة للرب سبحانه وتعالى وهي ذات الركوع أو السجود أو الإيماء للعذر للاحتراز عن المحاذاة في صلاة الجنازة فإنها لا تفسد وقيد بالاشتراك ; لأن محاذاة المصلية لمصل ليس في صلاتها لا تفسد صلاته لكنه مكروه كما في فتح القدير وقيد الاشتراك بالتحريمة والأداء ; لأن اللاحق إذا حاذته اللاحقة عند الذهاب إلى الوضوء أو عند المجيء قبل الاشتغال بعمل الصلاة فلا فساد

                                                                                        وإن وجد الاشتراك حالة المحاذاة تحريمة لعدم الاشتراك أداء حالة المحاذاة ; لأن هذه الحالة ليست حالة الأداء وكذا المسبوق إذا حاذته المسبوقة بعد سلام الإمام عند قضاء ما سبقا به لعدم الاشتراك في الأداء ; لأن المسبوق منفرد فيما يقضي إلا في مسائل سنذكرها ، وإن وجد الاشتراك في التحريمة وليس من شرط الاشتراك في التحريمة تحصيل الركعة الأولى مع الإمام ، ولهذا قال في السراج الوهاج ولا يشترط أن تدرك أول الصلاة في الصحيح بل لو سبقها بركعة أو بركعتين فحاذته فيما أدركت تفسد عليه ا هـ .

                                                                                        فالمشاركة في التحريمة بناء صلاتها على صلاة من حاذته أو على صلاة إمام من حاذته فحينئذ لا تمكن المشاركة في الأداء بدون المشاركة في التحريمة فلذا ذكروا المشاركة تحريمة وأداء ولم يكتفوا بالمشاركة في الأداء ، وفي فتح القدير ثم لو قيل بدل مشتركة تحريمة وأداء مشتركة أداء ويفسرها بأن يكون لهما إمام فيما يؤديانه حالة المحاذاة أو أحدهما إمام للآخر لعم الاشتراكين ا هـ .

                                                                                        قلنا نعم يعم لكن يلزم من الاشتراك أداء الاشتراك تحريمة فلهذا ذكروهما ، والحاصل أن المقتدي إما مدرك أو لاحق غير مسبوق أو لاحق مسبوق أو مسبوق غير لاحق فالمدرك من أدرك الركعات كلها مع الإمام فإذا حاذته أبطلت صلاته لوجود الاشتراك تحريمة وأداء ، واللاحق الغير المسبوق هو الذي أدرك الركعة الأولى وفاتته ركعة أو أكثر منها بعذر كنوم أو حدث أو غفلة أو زحمة أو لأنه من الطائفة الأولى في صلاة الخوف وحكمه أنه إذا زال عذره فإنه يبدأ بقضاء ما فاته بالعذر ، ثم يتابع الإمام إن لم يفرغ وهذا واجب لا شرط حتى لو عكس فإنه يصح فلو نام في الثالثة واستيقظ في الرابعة فإنه يأتي بالثالثة بلا قراءة ; لأنه لاحق فيها فإذا فرغ منها قبل أن يصلي الإمام الرابعة صلى معه الرابعة ، وإن بعد فراغ الإمام صلى الرابعة وحدها بلا قراءة أيضا ; لأنه لاحق فلو تابع الإمام ، ثم قضى الثالثة بعد فراغ الإمام صح وأثم ومن حكمه أنه مقتد حكما فيما يقضي ، ولهذا لا يقرأ ولا يلزمه سجود بسهوه وإذا تبدل اجتهاده في القبلة تبطل صلاته ، ولو سبقه الحدث وهو مسافر فدخل مصره للوضوء بعد فراغ الإمام لا ينقلب أربعا وكذا لو نوى الإقامة بعد فراغ الإمام

                                                                                        وقد جعلوا فعله في [ ص: 378 ] الأصول أداء شبيها بالقضاء فلهذا لا يتغير فرضه بنية الإقامة ; لأنها لا تؤثر في القضاء ومما ألحق باللاحق المقيم إذا اقتدى بمسافر فإنه بعد سلام إمامه كاللاحق ، ولهذا لا يقرأ ولا يسجد لسهوه ولا يقتدي به كما في الخانية ، وأما اللاحق المسبوق فهو من لم يدرك الركعة الأولى مع الإمام وفاته بعد الشروع ركعة أو أكثر بعذر ، ولهذا اختار المحقق في فتح القدير أن اللاحق هو من فاته بعد ما دخل مع الإمام بعض صلاة الإمام ليشمل اللاحق المسبوق وتعريفهم اللاحق بأنه من أدرك أول صلاة الإمام وفاته شيء منها بعذر تساهل ا هـ .

                                                                                        لكن يرد عليه المقيم إذا اقتدى بمسافر فإنه لاحق ولم يشمله تعريفه إلا أن يقال إنه ملحق به وليس هو حقيقة وحكمه إذا زال عذره ما قال في المجمع أن يصلي فيما أدرك ما نام فيه ، ثم يقضي ما فاته ، ولو تابع فيما بقي ، ثم قضى الفائت ، ثم ما نام فيه أجزناه وقدمنا أنه يصح مع الإثم لترك الواجب ، وأما المسبوق فقط فهو من لم يدرك الركعة الأولى مع الإمام وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان أحكامه عند قوله وصح استخلاف المسبوق

                                                                                        وقالوا لو اقتديا في الركعة الثالثة ، ثم أحدثا فذهبا للوضوء ، ثم حاذته في القضاء ينظر ، فإن حاذته في الأولى أو الثانية وهي الثالثة والرابعة للإمام تفسد صلاته لوجود الشركة فيهما تقديرا لكونهما لاحقين فيهما ، وإن حاذته في الثالثة والرابعة لا تفسد لعدم المشاركة فيهما لكونهما مسبوقين وهذا بناء على أن اللاحق المسبوق يقضي أولا ما لحق فيه ، ثم ما سبق فيه وهذا عند زفر ظاهر وعندنا ، وإن صح عكسه لكن يجب هذا باعتباره تفسد وقيد باتحاد المكان ; لأنه لو اختلف فلا فساد سواء كان هناك حائل أو لا ، ولهذا قال في السراج الوهاج لو كان على الدكان أو الحائط وهو قدر قامة وهي على الأرض لا تفسد لعدم اتحاد المكان وهكذا في الكافي قال في النوازل قوم صلوا على ظهر ظلة في المسجد وبحذائهم من تحتهم نساء أجزأتهم صلاتهم لعدم اتحاد المكان بخلاف ما إذا كان قدامهم نساء فإنها فاسدة ; لأنه تخلل بينهم وبين الإمام صف من النساء وهو مانع من الاقتداء كما سيأتي ، وفي المجتبى اقتدين على رفة المسجد وتحته صفوف الرجال لا تفسد صلاتهم وقيد بعدم الحائل ; لأنه لو كان بينها وبينه حائل فلا فساد وأدناه قدر مؤخرة الرجل أو مقدمته ; لأن أدنى أحوال الصلاة القعود فقدرنا الحائل به وهو قدر ذراع كذلك في المحيط

                                                                                        وفي المجتبى لو كان بينهما أسطوانة أو سترة قدر مؤخرة الرحل أو عود أو قصبة منتصبة للسترة أو حائط أو دكان قدر الذراع لا تفسد ، وذكر الشارح أن أدناه قدر مؤخرة الرحل وغلظه مثل غلظ الأصبع ، ولم يذكر المصنف الفرجة من غير حائل وظاهر كلامه أنه لا عبرة بها وأن المرأة إذا كانت عن يمينه أو عن يساره وبينهما فرجة بلا حائل فإنها تفسد صلاته ، وذكر الشارح وغيره أن الفرجة كالحائل وأدناها قدر ما يقوم فيها الرجل ، ولو كان أحدهما على دكان قدر قامة الرجل والآخر أسفل لا تفسد صلاته لعدم تحقق المحاذاة وصرح في معراج الدراية بأنه لو كان بينهما فرجة تسع الرجل أو أسطوانة قيل لا تفسد ، وكذا إذا قامت أمامه وبينهما هذه الفرجة وصرح به في المجتبى عن صلاة البقالي ويشكل عليه ما اتفقوا على نقله عن أصحابنا كما في غاية البيان لو قامت [ ص: 379 ] امرأة بحذاء الإمام ، وقد نوى إمامتها تفسد صلاة الإمام والقوم ، وإن قامت في الصف تفسد صلاة رجلين من جانبيها وصلاة رجل خلفها ، ولو تقدمت على الإمام لا تفسد صلاة الإمام والقوم ولكن تفسد صلاتها ، ولو كان صف من النساء بين الإمام والرجال لا يصح اقتداء الرجال بالإمام ويجعل حائلا ، ولو كان في صف الرجال ثنتان من النساء تفسد صلاة رجل عن يمينهما وصلاة رجل عن يسارهما وصلاة رجلين خلفهما فقط ، ولو كان ثلاثة تفسد صلاة ثلاثة ثلاثة خلفهن إلى آخر الصفوف وواحد عن أيمانهن وواحد عن يسارهن ; لأن الثلاثة جمع صحيح فصار كالصف فيمنع صحة الاقتداء في حق من صرن حائلات بينه وبين إمامه

                                                                                        وفي المحيط عن الجرجاني لو كبرت في الصف الأول وركعت في الصف الثاني وسجدت في الصف الثالث فسدت صلاة من عن يمينها ويسارها وخلفها في كل صف ; لأنها أدت في كل صف ركنا من الأركان فصار كالمدفوع إلى صف النساء ، ووجه إشكاله أن الرجل الذي هو خلفها أو الصف الذي هو خلفهن بينها وبينه فرجة قدر قامة الرجل ، وقد جعلوا الفرجة كالحائل فيمن عن جانبها أو خلفها كما قدمناه عن المجتبى وغيره فتعين أن يحمل على ما إذا كان خلفها من غير فرجة محاذيا لها بحيث لا يكون بينهما وبينه قدر قامة الرجل ، ولهذا قال في السراج الوهاج ، ولو قامت المرأة وسط الصف فإنها تفسد صلاة ثلاثة : واحد عن يمينها وواحد عن يسارها وواحد خلفها بحذائها ولا تفسد صلاة الباقين ا هـ .

                                                                                        فقد شرط أن يكون من خلفها محاذيا لها للاحتراز عما إذا كان بينه وبينها فرجة ، وكذا صرح الزيلعي الشارح فقال في المرأتين يفسدان صلاة رجلين خلفهما بحذائهما ، ثم رأيت بعد ذلك مصرحا به في الكافي للحاكم الشهيد ، وفي المجتبى ، ولو كان الرجل على سترة أو رف والمرأة قدامه تفسد سواء كان قدر قامة الرجل أو دونه وهذا إذا لم يكن على الرف سترة فأما إذا كان عليه سترة قدر ذراع لا تفسد في جميع الأحوال ا هـ .

                                                                                        وقدمنا عن [ ص: 380 ] النوازل أنهن لو كن بحذائهم لا تفسد وقيد بنية الإمامة ; لأنه لو لم ينو الإمام إمامتها لا تفسد صلاة من حاذته مطلقا ولا حاجة إلى هذا القيد ; لأنه علم من قوله مشتركة ; لأنه لا اشتراك إلا بنية الإمام إمامتها فإذا لم ينو إمامتها لم يصح اقتداؤها وجرى أكثرهم على هذا العموم حتى في الجمعة والعيدين ; لأنه يلزمه الفساد من جهتها بتقدير محاذاتها فاشترط التزامه والمأموم تبع لإمامه ، ومنهم من لا يشترطها فيهما وصححه صاحب الخلاصة ; لأنها لا تتمكن من الوقوف بجنب الإمام للازدحام ولا تقدر أن تؤديها وحدها ويشترط نية الإمام وقت الشروع لا بعده ولا يشترط حضورها عند النية في رواية ويشترط في أخرى كما في السراج الوهاج والظاهر الأول ، وأشار بقوله فسدت صلاته إلى أنها لو اقتدت به مقارنة لتكبيره محاذية له وقد نوى إمامتها لم تنعقد تحريمة الإمام وهو الصحيح كما في فتاوى قاضي خان ; لأن المفسد للصلاة إذا قارن الشروع منع من الانعقاد

                                                                                        ولو نوى إمامة النساء إلا واحدة فهو كما نوى فإذا حاذته لا تبطل صلاته ولا يشترط اتحاد صلاتهما حتى لو اقتدت به في الظهر وهو يصلي العصر وحاذته أبطلت صلاته على الصحيح كما في السراج الوهاج ; لأن اقتداءها ، وإن لم يصح فرضا يصح نفلا على المذهب فكان بناء النفل على الفرض لكن هو متفرع على أحد القولين في بقاء أصل الصلاة عند فساد الاقتداء وسنبين ما هو المذهب فيه ، وفي نظائره ولم يذكر المصنف كونها في ركن كامل للخلاف فيه ففي فتاوى قاضي خان المحاذاة مفسدة قلت أو كثرت وفي المجمع أن أبا يوسف يفسدها بالمحاذاة قدر أداء ركن واشترط محمد أداء الركن ففيها ثلاثة أقوال ، وظاهر إطلاق المصنف اختيار الأول ولم يذكر أيضا اتحاد الجهة قالوا ولا بد منه حتى لو اختلفت كما في جوف الكعبة وبالتحري في الليلة المظلمة فلا فساد بالمحاذاة .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله والحنفية يذكرونه مرفوعا إلخ ) قال البلباني في شرح تلخيص الجامع ذكر هذا الحديث في جامع الأصول وعزاه إلى كتاب رزين بن معاوية العبدري الذي جمع فيه بين الكتب الستة ، وإنما عزاه ابن الأثير إليه وإن كان له فيه سند بالإجازة لأنه أشار في كتابه إلى أنه لم يجده في أصوله التي سمعها ، وهذا الحديث مشهور مذكور في عامة كتب أصحابنا المصنفة في شرح الجامع الكبير وذكره إلكيا الهراسي في بعض ما تفرد به الإمام أحمد والموفق بن قدامة في المغني وهو وإن كان منقطعا عند أهل الحديث إلا أن استدلال عامة الفحول من علمائنا والعدول من أصحابنا وفقهائنا مع توفر دواعي المخالفين على رد مثله يرفع وهم من يتوهم ضعفه كيف وإطلاقهم القول بشهرته ظاهر في الدلالة على ثبوته في نفس الأمر وإن انقطع بعد ذلك طريق سنده كما في مستند الإجماع من النصوص ا هـ . [ ص: 376 ]

                                                                                        ( قوله وهو قاصر ) أي اعتبار الساق والكعب أو القدم وفي النهر أقول : لا نسلم أنه قاصر لأن من خلفها إنما تفسد صلاته إذا كان محاذيا لها كما قيد به الشارح وذكره في السراج أيضا وصرح به الحاكم الشهيد في كافيه يعني بالساق والكعب . نعم هذا التخصيص يحتاج إلى دليل ومقتضى دليلهم الإطلاق ا هـ .

                                                                                        أقول : وحاصله أن المحاذاة تتحقق فيمن خلفها أيضا بأن يكون في الصف الثاني مسامتا لها بالساق والكعب أي غير منحرف عن يمنة أو يسرة فلو كان خلفها لكنه منحرف يمنة أو يسرة لم يكن محاذيا لها بالساق والكعب فلا تفسد صلاته في الأصح لوجود الفرجة بذلك الانحراف وهذا المعنى سيذكره المؤلف توفيقا بين كلامهم كما سننبه عليه

                                                                                        ( قوله وفي الخانية والظهيرية إلخ ) هذا مبني على أن المراد بالمحاذاة القدم فقط كما هو مصرح به في آخر العبارة وما ذكره بعده عن قاضي خان محمول عليه أيضا قال في السراج عن النهاية نص في فتاوى قاضي خان أن المراد بقوله أن يحاذي عضوا منها هو قدمها لا غيرها فإن محاذاة غير قدمها لشيء من الرجل لا يسبب فساد صلاته ا هـ .

                                                                                        لكنه لا يناسبه التفريع عليه بقوله حتى لو كانت إلخ بل الظاهر أنه مبني على القول الآخر وهو الفساد بمحاذاة أي عضو منها لا بقيد كونه الساق والكعب يدل عليه قوله في المعراج شرطنا المحاذاة مطلقا ليتناول كل الأعضاء وبعضها فإنه ذكر أبو علي النسفي المحاذاة أن يحاذي عضوا منها عضو منه حتى لو كانت المرأة على الظلة ورجل بحذائها أسفل منها إن كان يحاذي الرجل شيء منها تفسد صلاة الرجل ا هـ .

                                                                                        لكن قال في النهاية بعد نقله ذلك ، وإنما عين هذه الصورة لتكون قدم المرأة محاذية للرجل لأن المراد بقوله أن يحاذي عضوا منها هو قدم المرأة لا غيرها فإن محاذاة غير قدمها الشيء من الرجل لا يوجب فساد صلاة الرجل نص على هذا في فتاوى الإمام قاضي خان في أواسط فصل من يصح الاقتداء به ومن لا يصح

                                                                                        وقال المرأة إذا صلت مع زوجها في البيت إلخ فهذا صريح في أن إطلاق العضو غير مراد خلافا لما فهمه المؤلف ونقل في السراج كلام النهاية وأقره وبه علم أن ما نقله المؤلف ثانيا عن قاضي خان أيضا من قوله وحد المحاذاة إلخ محمول على هذا أيضا بدليل الصورة التي ذكرها فإن تعيين هذه الصورة دليل على أن المراد بعضو المرأة القدم لا غير كما قاله صاحب النهاية والله أعلم .

                                                                                        ( قوله لأن العبرة للقدم ) أي وهي هنا غير محاذية بسبب تأخر قدمها عنه أما لو وقفت إلى جنبه محاذية له فسدت صلاته ما لم تكن [ ص: 377 ] بينهما فرجة أو حائل ( قوله فحينئذ لا تمكن المشاركة في الأداء بدون المشاركة في التحريمة ) حاصله أن بينهما العموم والخصوص المطلق ، والمشاركة في التحريمة أعم لانفرادها في المسبوقين وعدم انفراد المشاركة في الأداء بناء على ما فسروها به من أن يكون لهما إمام فيما يؤديانه إما حقيقة كالمقتديين وإما حكما كاللاحقين وفيه نظر ; لأن الإمام إذا سبقه الحدث فاستخلف آخر فاقتدى واحد بالخليفة فالشركة في الأداء ثابتة بين الذي اقتدى بالخليفة وبين الإمام الأول وكل من اقتدى به باعتبار أن لهم إماما فيما يؤدونه وهو الخليفة ولا شركة بينهم في التحريمة ; لأن المقتدي بالخليفة بنى تحريمته على تحريمة الخليفة ، والإمام الأول ومن اقتدى به لم يبنوا تحريمتهم على تحريمة الخليفة فلم توجد بينهم الشركة تحريمة ومع ذلك لو كانت المرأة من إحدى الطائفتين فحاذت الطائفة الأخرى تفسد باعتبار الشركة في الأداء لا التحريمة ، وقد يقال الشركة فيها أيضا ثابتة تقديرا فلم تنفرد المشاركة أداء وعلى هذا يثبت أنه لا تمكن المشاركة في الأداء بدون المشاركة في التحريمة وكان مقتضاه أن لا يذكروا الثانية ولكن لما كان ذلك بطريق اللزوم ولم يكتفوا به في مقام تعليم الأحكام فكان التصريح أولى تقريبا على الأفهام وهذا ما أشار إليه المؤلف بقوله فلهذا ذكروا إلخ فافهم تغنم والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                        ( قوله قلنا نعم لكن إلخ ) حاصل الجواب أنه تصريح بما علم التزاما والفرق بين التنصيص على الشيء وبين كونه لازما لشيء ظاهر ، وما وقع هنا في النهر من الاعتراض بأن هذا الجواب لا يجدي نفعا غير ظاهر ثم ذكر بعده كلاما متناقضا حذفه أولى مع أنه رجع آخرا إلى ما اعترض عليه فراجعه متأملا . وأجاب ابن كمال باشا كما في الشرنبلالية بأنهم أفردوا كلا بالذكر تفصيلا لمحل الخلاف عن محل الوفاق كما هو دأبهم وذلك أن الاشتراك تحريمة شرط اتفاقا والاشتراك أداء شرط على الأصح ذكره في شرح التلخيص ا هـ .

                                                                                        [ ص: 378 ] ( قوله ولهذا اختار المحقق إلخ ) قال في النهر ولم يقيد الفوات بالنوم أو الزحمة كما وقع لبعضهم ; لأنه لا يتقيد به لما أن الطائفة الأولى في صلاة الخوف لاحقون ومن ثم قال بعضهم لعذر إلا أنه يرد عليه ما في الخلاصة لو سبق إمامه في الركوع والسجود قضى ركعة بلا قراءة إلا أن يقال إنه يلحق به أيضا .

                                                                                        ( قوله لكن يرد عليه المقيم إلخ ) ظاهره أنه لا يرد على تعريفهم وليس كذلك كما لا يخفى ( قوله وهذا بناء على أن اللاحق المسبوق إلخ ) قال في النهر وينبغي أنه إن نوى قضاء ما سبق به أولا أن ينعكس حكم المسألة وهذا أحد المواضع التي خالف فيها اللاحق المسبوق ومنها لو نسي القعدة الأولى أتى بها المسبوق لا اللاحق ومنها لو ضحك الإمام أو أحدث عمدا في موضع السلام فسدت صلاة المسبوق وفي اللاحق روايتان والأصح عدم الفساد ومنها لو قال الإمام بعد فراغه من الفجر كنت محدثا في العشاء فسدت صلاة المسبوق وفي اللاحق روايتان ، ومنها لو علم بعد الفراغ مخالفة تحريمتهما لتحريمة الإمام فسدت صلاة المسبوق وفي اللاحق روايتان ، وكذا لو خرج وقت الجمعة ، ومنها لو تذكر المسبوق فائتة عليه فسدت صلاته وفي اللاحق روايتان ، وكذا لو كانا متيممين فرأيا ماء أو انقضت مدة مسحهما فسدت صلاتهما اتفاقا ، وكذا لو خرج الفجر أو العيد ، ومنها لو طلعت الشمس في الفجر فسدت في المسبوق لا في اللاحق على الأصح ، ومنها لو تحول رأيه بعد فراغ الإمام فسدت في اللاحق وبنى المسبوق ، ومنها لو تذكر الإمام فائتة بعد فراغه لا تفسد صلاة المسبوق وإلا ظهر في صلاة اللاحق الفساد كما في القنية

                                                                                        ( قوله ويشكل عليه ما اتفقوا إلخ ) أصل الإشكال مأخوذ من الفتح ; لأنه قال بعد نقله عبارة الدراية السابقة ولا يبعد النظر في صحة هذا القيل إذ مقتضاه أن لا يفسد [ ص: 379 ] صف النساء على الصف الذي خلفه من الرجال ا هـ .

                                                                                        قال في النهر بعده أقول : لو حمل الفساد في الصف على ما إذا كان الرجال بحذائهن لاستقام ، وقد قيد الشارح فساد من خلف الاثنتين بما إذا كان بحذائهما ولا فرق يظهر فتدبره أي لا فرق بين الاثنتين وبين الصف في التقييد بالمحاذاة وهذا ميل إلى ما جمع به أخوه المؤلف بقوله الآتي فتعين إلخ

                                                                                        ( قوله قدر قامة الرجل ) قد فسر الفرجة فيما مر بأن تكون قدر ما يقوم به الرجل وهذا القدر أقل من قدر قامته ، فإن أراد بقدر القامة ما مر يكون تساهل بالتعبير وإلا فيحتاج إلى ثبت ونقل أن المراد بالفرجة ذلك مع أنه مخالف لما نقله عنهم والظاهر أن قامة محرفة من مقام فإنه في الفتح عبر به حيث قال والفرجة تقوم مقام الحائل وأدناها قدر مقام الرجل ( قوله فتعين أن يحمل إلخ ) يؤيد هذا الحمل قول معراج الدراية المار في تقييد عدم الفساد إذا قامت أمامه وبينهما هذه الفرجة فأشار بهذه إلى الفرجة السابقة وهي ما تسع الرجل واعترضه بعض الفضلاء فقال الحق أن تقدمها على من خلفها بإزائها مفسد كيفما كان وحيث اتفقوا على نقله عن أصحابنا كما قدمه عن غاية البيان فلا يعارضه ما عن معراج الدراية والبقالي ; لأنه محكي بقيل ، وما عينه وإن صح في المرأة بأن يكون من خلفها قريبا منها بحيث لا يكون بينه وبينها قدر ما يسع الرجل ، وكذا المرأتان لكنه لا يصح في الثلاث حيث صرحوا ببطلان ثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف فإن من في الصف الثاني ومن بعده بينه وبينهن حائل ومع ذلك حكموا ببطلان صلاته وقوله فقد شرط إلخ ممنوع فإن المحاذاة صادقة بالقرب والبعد ولو كانت المحاذاة مستلزمة لعدم الفرجة لم يكن للتقييد بقولهم ولا حائل بينهما أو فرجة تسع رجلا بعد قولهم وإن حاذته معنى ا هـ .

                                                                                        أقول : قول هذا المعترض لكنه لا يصح في الثلاث إلخ يؤخذ الجواب عنه من قول الشارح الزيلعي ولو كان صف تام من النساء خلف الإمام ووراءهن صفوف من الرجال فسدت صلاة تلك الصفوف كلها وفي القياس أن تفسد صلاة صف واحد لا غير لوجود الحائل في حق باقي الصفوف . وجه الاستحسان ما تقدم من أثر عمر رضي الله تعالى عنه أي قوله من كان بينه وبين إمامه طريق أو نهر أو صف من نساء فليس هو مع الإمام ، وقد ذكر المؤلف عن غاية البيان أن الثلاث كالصف ولكن في حق من حلق بينه وبين الإمام فأفاد أن مقتضى القياس ذلك ولكن عدل عنه لما ذكر ، هذا والذي يظهر أن ما ذكره المؤلف من التوفيق بما ذكره ليس معناه أن يكون الرجل خلفها بحذائها ملتصقا بها فإن ذلك بعيد عن الفهم جدا ; لأن إطلاقهم الصف ينصرف إلى ما هو العادة فيه والعادة في الصفوف أن يكون بين الصفين فرجة يمكن سجود الصف المتأخر فيها وهذه الفرجة أكثر مما يسع الرجل بل المراد باشتراط فساد من خلفها بأن يكون محاذيا لها أن يكون مسامتا لها من خلفها احتراز عن غير المسامت بأن يكون خلفها من جهة اليمين أو اليسار وقوله في السراج وسط الصف احتراز عما إذا قامت في طرفه فإنه لا تفسد صلاة ثلاثة بل اثنين من في جانبها ومن خلفها .

                                                                                        [ ص: 380 ] ( قوله ويشترط في أخرى ) عبر عنه بقيل في شرح تلخيص الجامع فلذا استظهر المؤلف الرواية الأولى ( قوله وإن لم يصح فرضا يصح نفلا على المذهب ) هذا مخالف لما سيذكره في شرح قوله ومفترض بمتنفل من أن المذهب عدم صحة الشروع إذا فسد الاقتداء فكيف يصح اقتداؤها نفلا على المذهب فكان الصواب إسقاط قوله هنا على المذهب ويكون ما ذكره من صحة اقتدائها نفلا مبنيا على القول المقابل للمذهب لكن سيأتي في ذلك كلام وتحقيق ; لأن المذهب ما هنا من صحة الشروع لا ما هناك ( قوله وسنبين ما هو المذهب إلخ ) أي عند قول المتن ومفترض بمتنفل .




                                                                                        الخدمات العلمية