الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        قال رحمه الله ( ولو رهن شاة قيمتها عشرة بعشرة فماتت فدبغ جلدها وهو يساوي درهما فهو رهن بدرهم ) ; لأن الرهن يتعذر بالهلاك ، وإذا أحيا بعض المحل يعود الحكم بقدره بخلاف ما إذا ماتت الشاة المبيعة قبل القبض فدبغ جلدها حيث لا يعود البيع بقدره ولأن البيع ينفسخ بالهلاك قبل القبض فدبغ جلدها حيث لا يعود صحيحا وأما الرهن فيتعذر بالهلاك .

                                                                                        ومن المشايخ من يقول بعود البيع . وقوله وهو يساوي درهما ظاهره أنه يعتبر في القيمة حال الدباغ ، وكذا قوله فهو رهن بدرهم قالوا هذا إذا كانت قيمة الجلد يوم الرهن درهما ، وإن كانت قيمته يوم الرهن درهمين كان الجلد رهنا بدرهمين ويعرف ذلك بالتقويم وأن تقوم الشاة المرهونة غير مسلوخة ثم تقوم مسلوخة فالتفاوت بينهما هو قيمة الجلد هذا إذا كانت الشاة كلها مضمونة ، وإن كان بعضها أمانة بأن كانت قيمتها أكثر من الدين يكون الجلد أيضا بعضه أمانة بحسابه فيكون رهنا بحصته من الدين قالوا هذا دبغه المرتهن بشيء لا قيمة له ، وإن دبغه بشيء له قيمة كان للمرتهن حق حبسه بما زاد الدباغ فيه كما لو غصب جلد ميتة ودبغه بشيء له قيمة .

                                                                                        ثم قيل يبطل الرهن فيه حتى إذا أدى الراهن ما زاد الدباغ فيه أخذه ، وليس له أن يحبسه بالدين ; لأنه لما حبسه بالدين الثاني فصار به محبوسا حكما خرج من أن يكون رهنا بالأول حكما كما إذا رهنه حقيقة بأن رهن الرهن بدين آخر غير ما كان محبوسا به ، فإنه يخرج عن الأول ويكون رهنا بالثاني فكذا هذا ، وقيل لا يبطل ; لأن الشيء إنما يبطل بما هو فوقه أو مثله ولا يبطل بما هو دونه كالمبيع بألف إذا باعه ثانيا منه بأقل أو بأكثر يبطل ; لأنه مثله ولا يبطل بالإجارة والرهن ; لأن الثاني دون الأول ; لأنه إنما يستحق حبس الجلد بالمائة التي اتصلت بالجلد بحكم الدباغ وتلك المالية تبع للجلد ; لأنها وصف له والوصف دائما يتبع الأصل فالرهن الأول رهن بما هو أصل بنفسه ، وليس بتبع لغيره وهو الدين فيكون أقوى من الثاني فلم يرتفع الأول بالثاني .

                                                                                        قال في المبسوط ، وإن كانت قيمتها أكثر من الدين بأن كانت عشرين والدين عشرة ينظر إن كان الجلد يساوي درهما والباقي تسعة عشر فالجلد رهن بنصف درهم ، وإن كانت قيمتها أقل من الدين بأن كانت تساوي خمسة والجلد درهما واللحم أربعة سقط من الدين أربعة وبقي الجلد رهنا بستة ; لأن بالهلاك سقط خمسة من [ ص: 322 ] الدين مقدار قيمة الرهن وبقي الدين خمسة ، فإذا دفع الجلد فقد أحيا خمس الرهن فعاد خمس الدين الذي كان بإزائه وهو درهم وسقط أربعة التي بإزاء اللحم ; لأنه لم يزل التوى عن اللحم وكان الباقي من الدين ستة فصار الجلد مرهونا بستة مضمونا بدرهم ; لأن كل جزء من أجزاء الشاة مرهون بجميع الدين مضمون بمقدار قيمته فكذا الجلد هذا إذا دبغ بشيء لا قيمة له .

                                                                                        فإن دبغ بشيء له قيمة ، فإنه يستحق المرتهن الحبس بما زاد الدباغ فيه كالغصب ، فإذا استحق الحبس بدين آخر حادث هل يبطل الرهن الأول قال الفقيه أبو جعفر الهندواني رحمه الله تعالى لقائل أن يقول يبطل الرهن الأول في حق الجلد ويصير الجلد رهنا بما زاد الدباغ فيه كما رهن الراهن هذه العين بدين حادث ولقائل أن يقول يبقى الرهن الأول ويصير محبوسا بقيمة الدباغ حتى لا يكون للراهن أن يفتكه ما لم يرد ما بإزائه من الدين وقيمة الدباغ . قال في المنتقى روى هشام عن محمد رهن أجنبي بدين آخر وهو ألف عبدا بغير أمر المطلوب ثم أجنبي آخر رهنه عبدا آخر بغير أمر المطلوب فهو جائز والأول رهن بألف .

                                                                                        والثاني رهن بخمسمائة ; لأن الأول تبع بالرهن ولا رهن بالدين فيكون رهنا بجميع الدين . والثاني رهن وبالدين رهن فلا يصير رهنا إلا بخمسمائة ، وذكر الحسن عن أبي حنيفة إذا أبق العبد الرهن ، ثم وجد بطل من الدين بقدر نقصان الآبق ; لأنه بالإباق صار معيبا ، فإنه لا يشترى بعد الإباق بمثل ما يشترى قبله .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        الخدمات العلمية