الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        قال رحمه الله ( عبد قطع يد حر عمدا ودفع إليه فحرره فمات من اليد فالعبد صلح بالجناية وإن لم يحرره رد على سيده ويقاد ) لأنه إذا لم يعتقه وسرى ظهر أن الصلح كان باطلا لأن الصلح وقع على المال وهو لعبد عن دية اليد لأن القصاص لا يجري بين الحر والعبد في الأطراف وبالسراية ظهر أن دية اليد غير واجبة وأن الواجب هو القود فصار الصلح باطلا لأن الصلح لا بد له من مصالح عنه .

                                                                                        والمصالح عنه المال ولم يوجد فبطل الصلح والباطل لا يورث شبهة كما لو وطئ مطلقته ثلاثا في عدتها مع العلم بحرمتها عليه فإنه لا يصير شبهة في درء الحد فكذا هذا فوجب القصاص أقول : فيه بحث وهو أنه إذا أراد أن البطلان لا يورث الشبهة فيما إذا علم بطلانه كما هو الظاهر مما ذكره في نظيره حيث قال فيه مع العلم بحرمتها عليه فهو مسلم لكن لا يجدي نفعا هاهنا لأن الدافع لم يعلم أن القطع يسري فيكون موجبه القود بل ظن أن لا يسري وكان موجبه المال وإن أراد أن الباطل لا يورث الشبهة وإن لم يعلم بطلانه فهو ممنوع ألا ترى أنه إذا وطئ المطلقة ثلاثا في عدتها ولم يعلم بحرمتها عليه بل ظن أنها تحل له فإنه يورث الشبهة فيدرأ الحد كما صرحوا به في كتاب الحدود ويفهم أيضا هاهنا من قوله مع العلم بحرمتها عليه وأما إذا أعتقه فقد قصد صحة الإعتاق ضرورة لأن العاقل يقصد تصحيح تصرفه ولا صحة له إلا بالصلح عن الجناية وما يحدث منها ابتداء ولهذا لو نص عليه ورضي به جاز فكان مصالحا عن الجناية وما يحدث منها على العبد مقتضى الإقدام على الإعتاق [ ص: 425 ] والمولى أيضا مصالحا معه على هذا الوجه راضيا به لأنه لما رضي بكون العبد عوضا عن القليل كان راضيا بكونه عوضا عن الكثير فإذا أعتقه صح الصلح في ضمن الإعتاق ابتداء وإذا لم يعتقه لم يوجد الصلح ابتداء والصلح الأول وقع باطلا فيرد العبد إلى المولى والأولياء بالخيار إن شاءوا عفوا عنه وإن شاءوا قتلوه .

                                                                                        وذكر في بعض نسخ الجامع الصغير رجل قطع يد رجل عمدا فصالح المقطوع يده على عبد ودفعه إليه فأعتقه المقطوع يده ثم مات من ذلك فالعبد صلح بالجناية وإن لم يعتقه رد على مولاه وقيل للأولياء إما أن تقتلوه أو تعفوا عنه والوجه ما بيناه فاتحد الحكم والعلة واختلفا صورة ثم هذه المسألة وهي مسألة الصلح ترد إشكالا على قول أبي حنيفة فيما إذا عفا عن اليد ثم سرى إلى النفس ومات حيث يبطل العفو ولا يجب القصاص هناك وفي هذه المسألة قال يبطل الصلح ويجب القصاص فيما إذا لم يعتق العبد وإن أعتقه فالصلح باق على حاله فالجواب أما إذا لم يعتقه فقد قيل ما ذكر في مسألة الصلح جواب القياس وما ذكر في مسألة الصلح جواب الاستحسان فيكونان على القياس والاستحسان وقيل بالفرق بينهما ووجهه أن الصلح عن الجناية على مال يقرر الجناية ولا يبطلها لأن الصلح عن الجناية استيفاء للجناية معنى باستيفاء بدلها ولهذا تعينت الجناية وتوفر عليه عقوبتها وهو القصاص أقول : يرد عليه أنه إن أريد بقولهم الصلح لا يبطل الجناية بل يقررها أن الصلح لا يسقط موجب الجناية يبقيه على حاله فهو ممنوع كيفما كان وقد صرحوا في صدر كتاب الجنايات بأن موجب القتل العمد القود إلا أن يعفو الأولياء أو يصالحوا فقد جعلوا الصلح كالعفو وفي إسقاط موجب الجنايات وإن أريد بذلك أن الصلح لا ينافي ثبوت موجب الجناية في الأصل بل يقرر ذلك حيث وقع الصلح عنه على مال وأن سقوطه بعد تحقق الصلح فهو مسلم لكن لا يتم حينئذ قولهم فإذا لم تبطل الجناية لم يمنع العقوبة إذ لا يلزم من عدم بطلان الجناية بمعنى ثبوتها في الأصل عدم امتناع العقوبة بعد تحقق الصلح عنها كما هو الحال فيما نحن فيه بل لا يتم حينئذ الفرق رأسا بين صورتي الغدر والصلح .

                                                                                        والعفو أيضا لا ينافي في ثبوت موجب الجناية في الأصل قبل العفو كما لا يخفى وأما العفو فهو معدم للجناية والعفو عن القطع وإن بطل بالسراية إلى النفس لكن بقيت شبهته لوجود صورة العفو وهي كافية لدرء الحد وأما إذا أعتقه فجوابه هو الفرق الذي ذكرناه أن العتق يحصل صلحا ابتداء بخلاف العفو وعلى قولهما أيضا يرد في الصورتين لأنهما كانا يجعلان العفو عن القطع عفوا عما يحدث منه وفي الصلح لم يجعلا كذلك بل أوجبا القصاص عليه إذا لم يعتقه وجعلاه صلحا مبتدأ إذا أعتقه وقد قدمنا مسائل سراية الجرح فلا نعيدها والله أعلم .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        الخدمات العلمية