الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        جزء صفحة
                                                                                        كنز الدقائق ( قَوْلُهُ كَصَبِيٍّ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ ) أَيْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمَا لِلْحَدِيثِ { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ } إلَى آخِرِهِ وَتَقَدَّمَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ مَعْنَى الْفِطْرَةِ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ ( إلَّا أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ لِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلْمُسْلِمِ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهُ يَتْبَعُ خَيْرَهُمَا دِينًا وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ ( أَوْ هُوَ ) أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمَ وَأَبَوَاهُ كَافِرَانِ لِصِحَّةِ إسْلَامِهِ عِنْدَنَا وَأَطْلَقَهُ وَقَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنْ يَعْقِلَ الْإِسْلَامَ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ فَقِيلَ أَنْ يَعْقِلَ الْمَنَافِعَ وَالْمَضَارَّ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ هُدًى وَاتِّبَاعَهُ خَيْرٌ لَهُ ذَكَرَهُ فِي الْعِنَايَةِ وَفَسَّرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنْ يَعْقِلَ صِفَةَ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ مَا فِي الْحَدِيثِ { أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ أَيْ بِوُجُودِهِ وَبِرُبُوبِيَّتِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وَمَلَائِكَتِهِ أَيْ بِوُجُودِ مَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ أَيْ إنْزَالِهَا وَرُسُلِهِ أَيْ إرْسَالِهِمْ إلَيْهِمْ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَيْ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى } وَهَذَا دَلِيلُ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْإِسْلَامِ مَا لَمْ يُؤْمِنْ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَاسْتَوْصَفَهَا صِفَةَ الْإِسْلَامِ فَلَمْ تَعْرِفْهُ لَا تَكُونُ مُسْلِمَةً وَالْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ لَيْسَ مَا يَظْهَرُ مِنْ التَّوَقُّفِ فِي جَوَابِ مَا الْإِيمَانُ ؟ مَا الْإِسْلَامُ ؟ كَمَا يَكُونُ مِنْ بَعْضِ الْعَوَامّ لِقُصُورِهِمْ فِي التَّعْبِيرِ بَلْ قِيَامُ الْجَهْلِ بِذَلِكَ بِالْبَاطِنِ مَثَلًا بِأَنَّ الْبَعْثَ هَلْ يُوجَدُ أَوْ لَا ؟ وَأَنَّ الرُّسُلَ وَإِنْزَالَ الْكُتُبِ عَلَيْهِمْ كَانَ أَوْ لَا ؟ لَا يَكُونُ فِي اعْتِقَادِهِ اعْتِقَادُ طَرَفِ الْإِثْبَاتِ لِلْجَهْلِ الْبَسِيطِ فَعَنْ ذَلِكَ قَالَتْ لَا أَعْرِفُهُ وَقَلَّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ لِمَنْ نَشَأَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّا نَسْمَعُ مِمَّنْ قَدْ يَقُولُ فِي جَوَابِ مَا قُلْنَا لَا أَعْرِفُ ، وَهُوَ مِنْ التَّوْحِيدِ وَالْإِقْرَارِ وَالْخَوْفِ مِنْ النَّارِ وَطَلَبِ الْجَنَّةِ بِمَكَانٍ بَلْ وَذَكَرَ مَا يَصْلُحُ اسْتِدْلَالًا فِي أَثْنَاءِ أَحْوَالِهِمْ وَتَكَلُّمِهِمْ عَلَى التَّصْرِيحِ مَا يُصَرِّحُ بِاعْتِقَادِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بِكَلَامٍ خَاصٍّ مَنْظُومٍ وَعِبَارَةٍ عَالِيَةٍ خَاصَّةٍ فَيُحْجِمُونَ عَنْ الْجَوَابِ ا هـ . فَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْأَلَ الْعَامِّيُّ وَالْمَرْأَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِأَنْ يُقَالَ مَا الْإِيمَانُ ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ بِحَضْرَتِهِمَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ هَلْ أَنْتَ مُصَدِّقٌ بِهَذَا فَإِذَا قَالَ نَعَمْ كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا . البحر الرائق ( قَوْلُهُ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ ) قَالَ فِي النَّهْرِ ، وَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ الْمُرَادُ بِالْعَاقِلِ الْمُمَيِّزُ ، وَهُوَ مَنْ بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ فَمَا فَوْقَهَا فَلَوْ ادَّعَى أَبُوهُ أَنَّهُ ابْنُ خَمْسٍ وَأُمُّهُ أَنَّهُ ابْنُ سَبْعٍ عُرِضَ عَلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَرُجِعَ إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ا هـ . وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مَا قِيلَ فِي الْحَضَانَةِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْأَبَوَيْنِ فِي سِنِّهِ إذَا كَانَ يَأْكُلُ وَحْدَهُ وَيَشْرَبُ وَحْدَهُ وَيَسْتَنْجِي وَحْدَهُ فَابْنُ سَبْعٍ وَإِلَّا فَلَا ( قَوْلُهُ وَهَذَا دَلِيلُ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ إلَخْ ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْإِسْلَامِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَإِلَّا فَفِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ يُكْتَفَى بِالْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى مَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بَاطِنًا كَالْمُنَافِقِ فَهُوَ مُسْلِمٌ حُكْمًا وَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْرُهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَبِّهِ تَعَالَى وَكَمْ كَانَ مِنْ مُنَافِقٍ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ وَفِي مُخْتَصَرِ أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ لِلزُّهَيْرِيِّ عَنْ الْبَدَائِعِ الْكُفَّارُ أَصْنَافٌ أَرْبَعَةٌ صِنْفٌ يُنْكِرُونَ الصَّانِعَ وَهُمْ الدَّهْرِيَّةُ وَصِنْفٌ يُنْكِرُونَ الْوَحْدَانِيَّةَ وَهُمْ الثَّنَوِيَّةُ وَالْمَجُوسُ وَصِنْفٌ يُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ وَيُنْكِرُونَ الرِّسَالَةَ رَأْسًا وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَصِنْفٌ يُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ وَالرِّسَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ رِسَالَةَ رَسُولِنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي فَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ; لِأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّالِثِ فَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ، وَلَوْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يُحْكَمُ بِهِ ; لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ هَذِهِ فَكَانَ الْإِقْرَارُ بِهَا دَلِيلَ الْإِيمَانِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الرَّابِعِ فَأَتَى بِهِمَا لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَتَبَرَّأَ عَنْ الدِّينِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُقِرُّ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَكِنَّهُ يَقُولُ بُعِثَ إلَى الْعَرَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ . ا هـ . مُلَخَّصًا . ثُمَّ نُقِلَ عَنْ قَاضِي خَانْ أَنَّ فِي الذِّمِّيِّ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ أَيْضًا وَدَخَلْت فِي دِينِ الْإِسْلَامِ ذَكَرَ أَنَّهُ كَمَا يَصِحُّ الْإِسْلَامُ بِالْقَوْلِ يَصِحُّ بِالْفِعْلِ وَسُمِّيَ إيمَانًا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ كَانَ كَمَا إذَا صَلَّى بِجَمَاعَةٍ أَوْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ أَوْ أَحْرَمَ وَطَافَ أَوْ صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ أَدَّى زَكَاةَ الْإِبِلِ أَوْ أَذَّنَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ .

                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                        الخدمات العلمية