الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 1957 10 - بَابٌ: التِّجَارَةُ فِي الْبَحْرِ وَقَالَ مَطَرٌ : لَا بَأْسَ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ إِلَّاَ بِحَقٍّ ، ثُمَّ تَلَا : وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [النَّحْلِ : 14] وَالْفُلْكُ : السُّفُنُ ، الْوَاحِدُ وَالْجَمِيعُ سَوَاءٌ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : تَمْخَرُ السُّفُنُ الرِّيحَ ، وَلَا تَمْخَرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ إِلَّاَ الْفُلْكُ الْعِظَامُ . 2063 - وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، خَرَجَ فِي الْبَحْرِ ، فَقَضَى حَاجَتَهُ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ . [حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بِهَ] . [انْظُرْ : 1498 - فَتْحٍ : 4 \ 299] التوضيح وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، خَرَجَ فِي الْبَحْرِ ، فَقَضَى حَاجَتَهُ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ . الشَّرْحُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا سَلَفَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ فِي بَابِ : مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ وَوَصَلْنَاهُ ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ مَطَرٍ -وَهُوَ ابْنُ طَهْمَانَ الْوَرَّاقُ - مِنِ اسْتِدْلَالِهِ بِالْآيَةِ حَسَنٌ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ تَسْخِيرَ الْبَحْرِ ، لِعِبَادِهِ ; لِابْتِغَاءِ فَضْلِهِ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي عَدَّهَا لَهُمْ ، وَأَرَاهُمْ فِي ذَلِكَ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ ، وَسَخَّرَ الرِّيَاحَ بِاخْتِلَافِهَا تَحْمِلُهُمْ وَتُرَدِّدُهُمْ ، وَهَذَا مِنْ عَظِيمِ آيَاتِهِ ، وَنَبَّهَهُمْ عَلَى شُكْرِهِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ : وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ [فَاطِرٍ : 12] ، وَأَمَّا الَّتِي فِي النَّحْلِ وَهِيَ : وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا [النَّحْلِ : 14] بِالْوَاوِ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْفُلْكِ لَائِحٌ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ التِّينِ ، وَدَلِيلُهُ فِي الْقُرْآنِ : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يُونُسَ : 22] وَقَالَ فِي أُخْرَى : فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس : 41] فَأَجْرَاهُ مَرَّةً عَلَى حُكْمِ الْجَمْعِ ، وَمَرَّةً عَلَى حُكْمِ الْإِفْرَادِ ، وَقِيلَ : هُوَ جَمْعٌ ، وَالسُّفُنُ : جَمْعُ سَفِينَةٍ . قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : سُمِّيَتْ سَفِينَةً ; لِأَنَّهَا تَسْفُنُ وَجْهَ الْمَاءِ ، أَيْ : تُقَشِّرُهُ ، فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٌ ، وَالْجَمْعُ سِفَانٌ وَسُفُنٌ وَسَفِينٌ . قُلْتُ : وَالسَّفَّانُ : صَاحِبُهَا ، وَوَاحِدً الْفُلْكُ : فَلَكٌ بِفَتْحِ اللَّامِ ، مِثْلَ أُسْدٍ وَأَسَدٍ ، وَتُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ كَمَا قَالَ الْقَزَّازُ . وَأَثَرُ مُجَاهِدٍ يُرِيدُ بِهِ تَفْسِيرَ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ [فَاطِرٍ : 12] وَالْمَخْرُ فِي اللُّغَةِ : الشِّقُّ ، يُقَالُ : مَخَرَتِ السَّفِينَةُ ، تَمْخَرُ ، وَتَمْخُرُ إِذَا شَقَّتِ الْمَاءَ وَسَمِعْتَ لَهَا صَوْتًا ، وَذَلِكَ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيَاحِ . وَقِيلَ : الْمَخْرُ : الصَّوْتُ ، وَالرِّيحُ : تُصَوِّتُ السَّفِينَةَ ، وَالْفُلْكُ أَيْضًا : تُصَوِّتُ الرِّيحَ ، فَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنَّ السُّفُنَ تَمْخُرُ مِنَ الرِّيحِ ، وَإِنْ صَغُرَتْ أَيْ : تُصَوِّتُ . وَالرِّيحُ لَا تَمْخُرُ ، أَيْ لَا تُصَوِّتُ إِلَّاَ مِنْ كِبَارِ السُّفُنِ : لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ عَظِيمَةً صَوَّتَ الرِّيحُ ، فَأَسْقَطَ مُجَاهِدٌ (فِي) فَيَقْرَأَهُ الْفُلْكَ بِالنُّصْبِ ، وَفِي خَفْضِهِ قَوْلٌ آخَرُ ، لَيْسَ بِبَيِّنٍ ، وَتَصْحِيحُ الْكَلَامِ : فَلَا تَمْخُرُ الرِّيحُ مِنَ السُّفُنِ إِلَّاَ الْعِظَامُ . وَحَدِيثُ الْخَشَبَةِ فِي الَّذِي تَسَلَّفَ الْمَالَ وَأَرْسَلَهُ فِي الْبَحْرِ فِيهِ إِبَاحَةُ التِّجَارَةِ فِيهِ وَرُكُوبِهِ . قَالَ الدَّاوُدِيُّ : وَأَتَى بِهِ ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ لِيَتَحَدَّثَ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، فَذَكَرَهُ لِيُتَأَسَّى بِهِ ، وَيَرُدَّ قَوْلَ مَنْ مَنَعَ رُكُوبَهُ ، فِي إِبَّانِ رُكُوبِهِ وَهُوَ قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي يَسْأَلُهُ عَنِ الْبَحْرِ ، فَقَالَ : خَلْقٌ عَظِيمٌ ، يَرْكَبُهُ خَلْقٌ ضَعِيفٌ ، دُورٌ عَلَى عُودٍ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ لَا يَرْكَبَهُ أَحَدٌ طُولَ حَيَاتِهِ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ عُمَرَ لَمْ يَزَلْ يُرْكَبُ حَتَّى كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَاتَّبَعَ فِيهِ رَأْيَ عُمَرَ ، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ رُكُوبِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . مَنْعُ عُمَرَ إِنَّمَا كَانَ لِشِدَّةِ شَفَقَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَلَمَّا حَفَرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الْبَحْرَ وَوَصَلَهُ إِلَى عُمَرَ خَرَجَ إِلَيْهِ وَاسْتَبْشَرَ بِمَا حَمَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْمِيرَةِ وَغَيْرِهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ عَنْ إِذْنِهِ ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَغَيْرُهُ . وَإِذَا كَانَ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ قَدْ أَبَاحَ رُكُوبَهُ لِلتِّجَارَةِ ، فَرُكُوبُهُ لِلْحَجِّ وَالْجِهَادِ أَجْوَزُ ، وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مَعَ مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ إِبَّانَ (إِلْجَاجِهِ) فَالْأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رُكُوبُهُ ; لِأَنَّهُ تَعَرُّضٌ لِلْهَلَاكِ وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عِبَادَهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [الْبَقَرَةِ : 195] ، وَقَوْلِهِ : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النِّسَاءِ : 29] وَلَمْ يَزَلِ الْبَحْرُ يُرْكَبُ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ رُكِبَ فِي زَمَنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ مَنَعَ رُكُوبَهُ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية