الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 2519 16 - بَابٌ: إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا، فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا. كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي، قَالَ عَرِيفِي: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، قَالَ: كَذَاكَ، اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ. 2662 - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ". مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ". [6061، 6162 - مُسْلِمٍ: 3000 - فَتْحَ: 5 \ 274] التوضيح ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ". مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا، أَحْسَبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ". الشَّرْحُ: الْأَثَرُ الْأَوَّلُ أَسْنَدَهُ الْبُخَارِيُّ مَرَّةً، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، نَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ، وَأَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ، وَأَنَّهُ الْتَقَطَ مَنْبُوذًا فَأَتَى عُمَرَ فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَجَعَلَ وَلَاءَهُ لَهُ، وَقَالَ فِي "تَارِيخِهِ": كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَوْ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ يُثْقِلَانِ سِنِينًا. وَكَذَا قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ التِّينِ، وَالَّذِي قَالَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ مَاكُولَا، أَنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ. وَتَفَرَّدَ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ بِالرِّوَايَةِ، وَلَهُ إِدْرَاكٌ، وَحَجَّ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَفِي "عِلَلِ الْخَلَّالِ": فَذَكَرَهُ عَرِيفِي لِعُمَرَ فَدَعَانِي الْعَرِيفُ عِنْدَهُ فَقَالَ الْعَرِيفُ: إِنَّهُ لَيْسَ بِالْمُتَّهَمِ. فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: وَجَدْتُ نَفْسًا مُضَيَّعَةً. وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا (ابْنُ عُلَيَّةَ)، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ سُنَيْنًا أَبَا جَمِيلَةَ يَقُولُ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا فَذَكَرَهُ عَرِيفِي لِعُمَرَ، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: هُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لَكَ وَرَضَاعُهُ عَلَيْنَا. وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَنَّ عُمَرَ أَعْتَقَ لَقِيطًا. وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ حَوْطٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: هُمْ مَمْلُوكُونَ. يَعْنِي: اللَّقِيطَ، وَمِمَّنْ قَالَ هُوَ حُرٌّ: عَلِيٌّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِبْرَاهِيمُ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ. إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ تَزْكِيَةَ الْوَاحِدِ لِلْوَاحِدِ كِفَايَةٌ، حَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّزْكِيَةِ الْبَتَّةَ. فَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: اسْتِدْلَالُ الْبُخَارِيِّ عَلَى التَّرْجَمَةِ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَبَرَ تَزْكِيَةَ الرَّجُلِ أَخَاهُ إِذَا اقْتَصَدَ وَلَمْ يَغْلُ، وَالِاعْتِبَارُ أَنَّهُ يَكُونُ جُزْءُ النِّصَابِ، وَقَدْ يَكُونُ لِأَنَّهُ كَافٍ، وَهَذَا مَسْكُوتٌ عَنْهُ. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ: يُكْتَفَى فِي التَّزْكِيَةِ بِوَاحِدٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَيُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بِوَاحِدٍ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مِنْ عُمَرَ، إِنَّمَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْخَبَرِ لَا عَلَى طَرِيقِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ إِذَا سَأَلَ عَنْ أَحَدٍ فِي مَجْلِسٍ نَظَرَهُ، فَإِنَّهُ يَجْتَزِي بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَتَعْدِيلِهِ إِذَا كَانَ الْقَاضِي هُوَ الْكَاشِفُ لِأَمْرِهِ; لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ عِلْمِ الْقَاضِي إِذَا عَلِمَ عَدَالَةَ الشَّاهِدِ، أَلَا تَرَى قَنَعَ عُمَرُ بِقَوْلِ الْعَرِيفِ إِذْ كَانَ خَبَرًا، وَأَمَّا إِذَا كُلِّفَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَنْ يُعَدِّلَ شُهُودَهُ فَلَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ كَمَا فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: بَوَّبَ عَلَيْهِ: تَزْكِيَةُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَأَنَّهَا تَكْفِي، وَهِيَ لَا تَكُونُ أَقَلَّ مِنَ اثْنَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ (مُكْتَفِيًا) لِلْقَاضِي، فَيَجْزِي بِوَاحِدٍ، عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّمَا أَنْكَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَطْعَهُ بِالصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ لَهُ وَلَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ فِي ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَهُ إِذَا أَثْنَى أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: أَحْسِبُ، وَلَا يَقْطَعُ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ السَّرَائِرَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْخَبَرِ، لَا فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ قَالَ: أَتَّهِمُهُ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ أَتَاهُ بِهِ; لِيَفْرِضَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ظَنَّ بِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَفْرِضَ لَهُ وَيَلِيَ أَمْرَهُ وَيَأْخُذَ مَا يُفْرَضُ لَهُ وَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، صَدَّقَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ)؛ يَعْنِي: رَضَاعُهُ وَمُؤْنَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: وَكَانَ عُمَرُ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَقَسَمَ الْمَالَ أَقْسَامًا، جَعَلَ عَلَى كُلِّ دِيوَانٍ عَرِيفًا يَنْظُرُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي وَجَدَ الْمَنْبُوذَ مِنْ دِيوَانِ الرَّجُلِ الَّذِي زَكَّاهُ عِنْدَ عُمَرَ. وَفِي قَوْلِ التَّعْرِيفِ لِعُمَرَ أَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَتَقْرِيرُ عُمَرَ لِلرَّجُلِ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: نَعَمْ. فِيهِ أَنَّ مُبَاحًا لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ وَيُخْبِرَ بِالصَّلَاحِ عَنْهَا إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، وَسُئِلَ عَنْهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ" فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَهَذَا الْبَابُ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَعْدِيلُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُهُ بِحَدِيثِ أَبِي جَمِيلَةَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ سَلَفَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ تَعْدِيلِ كَمْ يَجُوزُ فَرَاجِعْهُ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِالْمَدْحِ فِي الْوَجْهِ، يُعَارِضُ ظَاهِرُهَا حَدِيثَ الْبَابِ، مِنْهَا حَدِيثُ: "إِيَّاكُمْ وَالْمَدْحَ; فَإِنَّهُ الذَّبْحُ". وَمِنْهَا مَا تَرْجَمَ لَهُ بَعْدُ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية