الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 2556 8 - بَابٌ: الصُّلْحُ فِي الدِّيَةِ 2703 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ ، أَنَّ أَنَسًا ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ -وَهِيَ : ابْنَةُ النَّضْرِ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ ، فَطَلَبُوا الْأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ ، فَأَبَوْا فَأَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ . فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ : أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟! لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا . فَقَالَ : "يَا أَنَسُ ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ" . فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ" . زَادَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : فَرَضِيَ الْقَوْمُ ، وَقَبِلُوا الْأَرْشَ . [2806 ، 4499 ، 4500 ، 4611 ، 6894 - مُسْلِمٍ: 1675 - فَتْحَ: 5 \ 306] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ عَنْهُ فِي كَسْرِ سِنِّ الرُّبَيِّعِ بِطُولِهِ هُوَ أَحَدُ ثُلَاثِيَّاتِهِ . زَادَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : فَرَضِيَ الْقَوْمُ ، وَقَبِلُوا الْأَرْشَ . وَهَذَا التَّعْلِيقُ أَسْنَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، فَقَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيِّ . . فَذَكَرَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مُنِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (بَكْرٍ ) ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الرُّبِيِّعَ عَمَّتَهُ ، وَذَكَرَهُ فِي الدِّيَاتِ أَيْضًا . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُخْتَ الرَّبِيعِ أُمَّ حَارِثَةَ جَرَحَتْ إِنْسَانًا فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ : وَاللَّهِ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا ، وَكَذَا هُوَ أَيْضًا فِي "سُنَنِ النَّسَائِيِّ " وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ (دَ . سَ . قَ ) ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُمَا قَضِيَّتَانِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ . إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ ، فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : الثَّنِيَّةُ : مُقَدَّمُ الْأَسْنَانِ ، وَالْأَرْشُ : الدِّيَةُ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ ، وَقِيلَ : هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : أَرْشُ الْجِرَاحَةِ : دِيَتُهَا ، وَضُبِطَ بِفَتْحِ الرَّاءِ ، قَالَ : وَذَلِكَ لِمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْمُنَازَعَةِ ، قَالَ : وَيُقَالُ : إِنَّ أَصْلَهُ الْهَرْشُ . بِمَعْنَى طَلَبُوا الْأَرْشَ ، أَيْ : طَلَبُوا أَنْ يُعْطُوهُ ، وَيُعْفَى عَنِ الْقِصَاصِ ، فَأَتَى أَهْلُهَا وَتَحَاكَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ . ثَانِيهَا : الرُّبَيِّعُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتَ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ . وَأَنَسٌ هَذَا هُوَ : ابْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ . قَالَ أَنَسٌ : وَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِسَيْفٍ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ ، وَمُثِّلَ بِهِ ، وَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ وَفِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ نَزَلَتْ : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ الْآيَةُ [الْأَحْزَابُ : 23] . وَفِيهِ : ثِقَتُهُ بِاللَّهِ ، وَقَسَمُهُ لِقُوَّةِ رَجَائِهِ . ثَالِثُهَا : قَوْلُهُ : ("كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ" ) أَيْ : فَرْضُ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ وَحْيًا . وَقِيلَ : أَرَادَ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ [الْمَائِدَةُ : 45] عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّا مُخَاطَبُونَ بِشَرْعِ مَنْ تَقَدَّمَنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ . وَقِيلَ هُوَ : إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ : فِي وَإِنْ عَاقَبْتُمْ الْآيَةُ [النَّحْلُ : 126] فَعُمُومُهُ يَأْتِي عَلَى السِّنِّ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْضَاءِ . وَفِيهِ : تَلَطُّفُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَنَسٍ ; لِعِلْمِهِ بِصِحَّةِ مُرَادِهِ . وَفِيهِ : أَنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ لِعَبْدِهِ عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّهِ . وَمَعْنَى "لَأَبَرَّهُ" ، أَيْ : أَبَرَّ قَسَمَهُ لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ ، وَأَتَى الْأَمْرُ عَلَى طِبْقِ مُرَادِهِ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الْفَضْلِ . وَفِيهِ : أَنَّ مَنْ لَهُ الْقَوَدَ لَيْسَ عَلَيْهِ قَبُولُ الدِّيَةِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ . رَابِعُهَا : فِيهِ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي السِّنَنِ -وَهُوَ إِجْمَاعٌ - إِذَا قَلَعَهَا كُلَّهَا ، فَإِنْ كَسَرَ بَعْضَهَا فَفِيهَا وَفِي كَسْرِ الْعِظَامِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِلْعُلَمَاءِ ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاصَ ، وَذَهَبَ مَالِكٍ إِلَى أَنَّ الْقِصَاصَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِذَا أَمْكَنَتِ الْمُمَاثَلَةُ وَمَا لَمْ يَكُنْ مُخَوِّفًا كَعَظْمِ الْفَخْذِ وَالصُّلْبِ ، أَخْذًا بِقَوْلِهِ : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَةُ : 194] ، وَبِقَوْلِهِ : وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ [الْمَائِدَةُ : 45] . وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِلَى أَنَّهُ لَا قَوْدَ فِي كَسْرِ الْعِظَامِ مَا خَلَا السِّنَنَ لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِالْمُمَاثَلَةِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قِيلَ لِأَحْمَدَ : كَيْفَ تَقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ ؟ قَالَ : تُبْرَدُ . وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي "قَوَاعِدِهِ" : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رُوِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ لَا قَصَاصَ فِي عَظْمٍ . وَكَذَا عَنْ عُمَرَ قَالَ : وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُقِدْ مِنَ الْعَظْمِ الْمَقْطُوعِ فِي غَيْرِ الْمِفْصَلِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَعَنْ مَالِكِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَقَادَ مِنْ كَسْرِ الْفَخْذِ ، وَفِي "شَرْحِ الْهِدَايَةِ" ، رُوِيَ مِثْلُ هَذَا الْأَوَّلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ فِي "الشَّرْحِ" : وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ . خَامِسُهَا : قَوْلُهُ : (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا ) لَيْسَ رَدًّا لِقَوْلِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بَلِ الْمُرَادُ الرَّغْبَةُ إِلَى مُسْتَحِقِّ الْقِصَاصِ أَنْ يَعْفُوَ ، وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشَّفَاعَةِ إِلَيْهِمْ فِي الْعَفْوِ ، وَإِنَّمَا حَلَفَ ثِقَةً بِهِمْ أَنْ لَا يُخَيِّبُوهُ أَوْ ثِقَةً بِفَضْلِ اللَّهِ وَلُطْفِهِ أَنْ لَا يُخَيِّبَهُ وَيَجْعَلَ لَهُ مَخْرَجًا ; لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَتَّقِيهِ كَمَا سَلَفَ ، بَلْ يُلْهِمُهُمُ الْعَفْوَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ فِي مَعْنَى الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ ثِقَةٍ . وَفِيهِ : جَوَازُ الْحَلِفِ مِمَّا يَظُنُّهُ الْإِنْسَانُ ، وَجَوَازُ الثَّنَاءِ عَلَى مَنْ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ بِذَلِكَ . وَفِيهِ : إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَاسْتِحْبَابُ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ ، وَالشَّفَاعَةِ فِيهِ . سَادِسُهَا : مَا تَرْجَمَ لَهُ مِنَ الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ ظَاهِرٌ فِيمَا أَوْرَدَهُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ الْآيَةُ [الْبَقَرَةُ : 178] .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية