الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 2920 3086 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَفِيَّةُ مُرْدِفَهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ، فَصُرِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَرْأَةُ، وَإِنَّ أَبَا طَلْحَةَ - قَالَ: أَحْسِبُ قَالَ: - اقْتَحَمَ عَنْ بَعِيرِهِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، هَلْ أَصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْمَرْأَةِ". فَأَلْقَى أَبُو طَلْحَةَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَصَدَ قَصْدَهَا فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَيْهَا، فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ، فَشَدَّ لَهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِمَا فَرَكِبَا، فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ - أَوْ قَالَ: أَشْرَفُوا عَلَى الْمَدِينَةِ - قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ". فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ. [انْظُرْ: 371 - مُسْلِمٍ: 1345 - فَتْحَ: 6 \ 193] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا: حَدِيثٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَفَلَ كَبَّرَ ثَلَاثًا فَقَالَ: "آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ". ثَانِيهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقْفَلَهُ مِنْ عُسْفَانَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَقَدْ أَرْدَفَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ... الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: "آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ". فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ. ثَالِثُهَا: عَنْهُ مِثْلُهُ. الشَّرْحُ: قَدْ سَلَفَ الْقَوْلُ فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَ الصُّعُودِ، وَالْإِشْرَافِ عَلَى الْمُدُنِ، وَالتَّسْبِيحِ عِنْدَ الْهُبُوطِ. وَفِيهِ: إِرْدَافُ الْمَرْأَةِ خَلْفَ الرَّجُلِ، وَسَتْرُهَا عَنِ النَّاسِ. وَفِيهِ: سَتْرُ مَنْ لَا يَجُوزُ رُؤْيَتُهُ، وَسَتْرُ الْوَجْهِ عَنْهُ. وَفِيهِ: خِدْمَةُ الْعَالِمِ وَالْإِمَامِ، وَخِدْمَةُ أَهْلِهِ. وَفِيهِ: اكْتِنَافُ الْإِمَامِ وَالِاجْتِمَاعُ حَوْلَهُ عِنْدَ دُخُولِ الْمُدُنِ. وَتَلَقِّي النَّاسِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ وَأَمْرٌ جَارٍ، وَفِيهِ: حَمْدُ اللَّهِ لِلْمُسَافِرِ عِنْدَ إِتْيَانِهِ سَالِمًا إِلَى أَهْلِهِ، وَسُؤَالُهُ اللَّهَ التَّوْبَةَ وَالْعِبَادَةَ. وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: نَحْنُ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ حَامِدُونَ لِرَبِّنَا سَاجِدُونَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَلَى مَا رَزَقَنَا مِنَ السَّلَامَةِ وَالنَّصْرِ وَصِدْقِ الْوَعْدِ وَلَا تَتَعَلَّقُ الْمَشِيئَةُ بِقَوْلِهِ: (آيِبُونَ) لِوُقُوعِ الْإِيَابِ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ مِمَّا فِي الْكَلَامِ الَّذِي لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. وَفِيهِ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُتَكَلِّمِ أَنْ يُقَدِّمَ الْمَشِيئَةَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ، ثُمَّ يَصِلُهَا مِمَّا يُحِبُّ إِيقَاعَهُ مِنَ الْفِعْلِ. وَفِيهِ: أَنَّ الرَّجُلَ الْفَاضِلَ يَنْبَغِي لَهُ عِنْدَمَا يُجَدَّدُ لَهُ مِنْ نِعْمَةٍ وَسَلَامَةٍ أَنْ يُقِرَّ لِلَّهِ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ، وَيَسْأَلَهُ أَنْ يُدِيمَ لَهُ حَالَ تَثْوِيبِهِ وَعِبَادَتِهِ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الشَّارِعُ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ تَائِبًا عَابِدًا سَاجِدًا حَامِدًا لِرَبِّهِ، لَكِنْ هُوَ أَدَبُ الْأَنْبِيَاءِ أَخْذًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الْكَهْفِ: 23 - 24 ] وَلِعِلْمِهِمْ بِمَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ، يَعْتَرِفُونَ لَهُ بِهَا وَيُذْعِنُونَ وَيَتَبَرَّءُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَيُظْهِرُونَ الِافْتِقَارَ إِلَيْهِ؛ مُبَالَغَةً فِي شُكْرِهِ تَعَالَى، وَلِتَقْتَدِيَ بِهِمْ أُمَمُهُمْ فِي ذَلِكَ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : (فَاكْتَنَفْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ: أَحَطْنَا بِهِ. وَفِيهِ: تَغْطِيَةُ أَبِي طَلْحَةَ وَجْهَهُ، وَإِصْلَاحُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ لِلضَّرُورَةِ. وَفِيهِ: حِجَابُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كُنَّ كَالْأُمَّهَاتِ. وَفِيهِ: عِلْمُ الشَّارِعِ بِصَلَاحِ أَبِي طَلْحَةَ وَإِسْقَاطُ الْغَيْرِهِ. فَائِدَةٌ أُخْرَى: قَوْلُهُ: (مَقْفَلَهُ مِنْ عُسْفَانَ) هُوَ وَهْمٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ الدِّمْيَاطِيُّ الْحَافِظُ حَيْثُ قَالَ: ذِكْرُ عُسْفَانَ مَعَ قِصَّةِ صَفِيَّةَ وَهْمٌ؛ لِأَنَّ غَزْوَةَ عُسْفَانَ إِلَى بَنِي لِحْيَانَ كَانَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ، وَغَزْوَةُ خَيْبَرَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ. وَإِرْدَافُ صَفِيَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوُقُوعُهَا كَانَ فِيهَا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية