الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 3811 15 - بَابٌ: قَتْلُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ 4037 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ". فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ "نَعَمْ". قَالَ: فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا. قَالَ: "قُلْ". فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا، وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ. قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ. قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا، أَوْ وَسْقَيْنِ - وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ: وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ؟ فَقَالَ: أُرَى فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ - فَقَالَ: نَعَمِ ارْهَنُونِي. قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ. هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ - قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي السِّلَاحَ - فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ - وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَتْ: أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ. قَالَ إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ - إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ. قَالَ: وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ - قِيلَ لِسُفْيَانَ: سَمَّاهُمْ عَمْرٌو؟ قَالَ: سَمَّى بَعْضَهُمْ. قَالَ عَمْرٌو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ. وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ عَمْرٌو: وَجَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ - فَقَالَ: إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ. وَقَالَ مَرَّةً: ثُمَّ أُشِمُّكُمْ. فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا - أَيْ أَطْيَبَ - وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ. وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ. قَالَ عَمْرٌو: فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشَمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَشَمَّهُ، ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: دُونَكُمْ. فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرُوهُ. [انْظُرْ: 2510- مُسْلِمٍ: 1801 - فَتْحَ:7 \ 336] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ". فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا. قَالَ: "قُلْ". فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ .. الْحَدِيثِ بِطُولِهِ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَتْ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ قَبْلَ أُحُدٍ بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ لَمَّا أُصِيبَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ، وَقَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ إِلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ بَشِيَرَيْنِ بِالْفَتْحِ، قَالَ كَعْبٌ- وَكَانَ رَجُلًا مِنْ طَيِّءٍ ثُمَّ أَحَدَ بَنِي نَبْهَانَ وَكَانَتْ أُمُّهُ مَنْ بَنِي النَّضِيرِ-: أَحَقٌّ هَذَا؟ تَرَوْنَ مُحَمَّدًا قَتَلَ هَؤُلَاءِ وَهُمُ الْأَشْرَافُ وَالْمُلُوكُ، وَاللَّهِ إِنْ كَانَ مُحَمَّدًا أَصَابَ هَؤُلَاءِ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا، فَلَمَّا أَيْقَنَ عَدُوُّ اللَّهِ الْخَبَرَ، خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ بِمَكَّةَ فَنَزَلَ عَلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ وَعِنْدَهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ عَرَّضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُنْشِدُ الْأَشْعَارَ وَيَبْكِي أَصْحَابَ الْقَلِيبِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَشَبَّبَ بِنِسَاءِ الْمَدِينَةِ حَتَّى آذَاهُمْ . قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ ذَكَرَ أُمَّ الْفَضْلِ زَوْجِ الْعَبَّاسِ: أَرَاحِلٌ أَنْتَ لَمْ تَظْفَرْ بِمَنْقَبَةٍ وَتَارِكٌ أَنْتَ أُمَّ الْفَضْلِ فِي الْحَرَمِ وَذَكَرَ ابْنُ عَائِذٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: ثُمَّ انْبَعَثَ عَدُوُّ اللَّهِ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُؤْمِنِينَ وَيَمْدَحُ عَدُوَّهُمْ وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ حَتَّى رَكِبَ إِلَى قُرَيْشٍ فَاسْتَغْوَاهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكُونَ: أَدِينُنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ دِينُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ؟ وَأَيُّ دِينِنَا أَهْدَى فِي رَأْيِكَ وَأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ؟ فَقَالَ: أَنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُمْ سَبِيلًا وَأَفْضَلُ. وَفِيهِ: فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "مَنْ لَنَا مِنَ ابْنِ الْأَشْرَفِ فَقَدِ اسْتَعْلَنَ بِعَدَاوَتِنَا وَهِجَائِنَا، وَقَدْ خَرَجَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَجْمَعَهُمْ عَلَى قِتَالِنَا، وَقَدْ أَخْبَرَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَدَّمَ أَخْبَثَ مَا كَانَ يُنْتَظَرُ قُرَيْشًا تَقْدُمُ عَلَيْهِ فَيُقَاتِلُنَا" ثُمَّ قَرَأَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ [النِّسَاءِ:51] الْآيَةَ، وَخَمْسَ آيَاتٍ فِيهِ وَفِي قُرَيْشٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيثِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: "مَنْ لِي مِنَ ابْنِ الْأَشْرَفِ فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ" فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: أَنَا لَكَ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَقْتُلُهُ، قَالَ: "فَافْعَلْ" فَأَشْرَعَ فِي قَتْلِهِ هُوَ وَسِلْكَانُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، أَبُو نَائِلَةَ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: اسْمُهُ سَعْدٌ، وَسِلْكَانُ لَقَبٌ، وَكَانَ أَخًا لِكَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ، وَأَبُو عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ ابْنِ أَخِي سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. قُلْتُ: وَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ مِنَ الْأَوْسِ، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فَذَكَرُوا قَتْلَهُ وَأَخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ آخِرَ اللَّيْلِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، وَأَنَّ أَبَا نَائِلَةَ شَمَّهُ ثُمَّ عَادَ ثُمَّ أَخَذَ بِقَوْدِ رَأْسِهِ وَقَالَ: اضْرِبُوا عَدُوَّ اللَّهِ فَضَرَبُوهُ، وَذَكَرَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فِي ذَلِكَ شِعْرًا عَشْرَ أَبْيَاتٍ آخِرُهَا: جَاءَ بِرَأْسِهِ نَفَرٌ كِرَامٌ هُمْ نَاهِيكَ مِنْ صِدْقٍ وَبِرِّ وَقِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ رَأْسٍ حُمِلَ فِي الْإِسْلَامِ، حَكَاهُ صَاحِبُ "شَرَفِ الْمُصْطَفَى". قَالَ غَيْرُهُ: أَوَّلُ رَأْسِ حُمِلَ فِي الْإِسْلَامِ رَأْسُ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ ، أَوْ رَأْسُ أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ، الَّذِي قَالَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ" ، وَقَدْ سَلَفَ حَمْلُ رَأْسِ أَبِي جَهْلٍ. وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: "لَا تَعْجَلْ حَتَّى تُشَاوِرَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ" فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: اعْمِدْ إِلَيْهِ وَاذْكُرْ لَهُ الْحَاجَةَ وَسَلْهُ أَنْ يُسْلِفَكَ طَعَامًا. قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النِّسَاءِ: 51] الْآيَةَ. وَقَدْ سَلَفَ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي "تَفْسِيرِهِ" عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: لَمَّا سَمِعْتُ الصَّوْتَ -يَعْنِي فِي قَتْلِهِ- أَرَدْتُ أَنْ أَسْبِقَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُبَشِّرَهُ، ثُمَّ كَرِهْتُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يُبَشِّرُونَهُ، وَكَانَتْ تَحْتَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ابْنَةُ عُمَيْرٍ، وَزَعَمَ الْجَاحِظُ أَنَّهُ كَانَ أَيْضًا لِكَعْبٍ صَنَمًا. قِيلَ: وَفِيهِ -كَمَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ-: وُجُوبُ قَتْلِ مَنْ سَبَّ الشَّارِعَ، وَإِنْ كَانَ ذَا عَهْدٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَرَى قَتْلَ الذِّمِّيِّ فِي مِثْلِ هَذَا . قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: وَلَا يُسْتَتَابُ; لِأَنَّ ذِمَّتَهُ انْتَقَضَتْ. فَصْلٌ: قَدْ سَلَفَ طَرَفٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ، وَفِي بَابِ الْفَتْكِ بِأَهْلِ الْحَرْبِ. وَقَوْلُهُ هُنَا: (إِنَّا مُحَمَّدًا عَنَّانَا) أَيْ: خَلَّفَنَا الْمَشَقَّةَ. وَفِيهِ: جَوَازُ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ وَالْخُدْعَةِ، قَالَ: فَإِنَّ الْقَوْلَ وَالتَّقَوُّلَ: الْكَذِبُ وَنَقْلُ الْكَلَامِ، وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الْحَرْبِ. وَفِيهِ: أَنْ يُقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ لِلْكَافِرِ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُرْضِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَتْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي قَتْلِ هَذَا الْمَلْعُونِ مِنَ الصَّلَاحِ التَّامِّ لِلْإِسْلَامِ. وَقَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا) كَذَا هُنَا، وَالَّذِي قَالَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ وَأَهْلُ السِّيَرِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الدِّمْيَاطِيُّ أَنَّ الَّذِي تَحَدَّثَ مَعَهُ إِنَّمَا هُوَ أَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ يَدَعُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيَرْكَنُ إِلَيْهِ وَنَزَلَ مِنَ الرُّبْضِ وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ كَمَا سَلَفَ. وَالْوَسْقُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا سِتُّونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، قِيلَ: بِالْمَاءِ، وَقِيلَ: بِالْوَسَطِ مِنَ الْقَمْحِ حَكَاهُمَا ابْنُ التِّينِ. وَاخْتُلِفَ بِمَا اشْتُقَّ، فَقَالَ شَمِرٌ: كُلُّ شَيْءٍ حَمَلْتَهُ فَقَدَ وَسَقْتَهُ، وَيُقَالُ: لَا أَفْعَلُ كَذَا مَا وَسَقَتْ عَيْنِي الْمَاءَ أَيْ: حَمَلَتْهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ ضَحِكُ السَّمَاءِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، مِنْهُ: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ [الِانْشِقَاقِ: 17] ، وَقَوْلُهُ: (كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا) هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ; لِأَنَّهُ مِنْ رَهَنَ، وَفِيهِ لُغَةٌ أَرْهَنَ، وَكَانَ يُشَبِّبُ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا سَلَفَ، وَاللَّأْمَةُ مَهْمُوزَةٌ، وَقَدْ فَسَّرَهَا سُفْيَانُ بِالسِّلَاحِ، وَعِبَارَةُ الْقُتَبِيُّ: اللَّأْمَةُ: الدِّرْعُ، وَجَمْعُهَا لُؤَمٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ فَارِسٍ أَيْضًا .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية