الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في لبن الفحل]

                                                                                                                                                                                        اللبن يكون للفحل بوجهين:

                                                                                                                                                                                        أحدهما أن يكون ماؤه سببا لوجود اللبن.

                                                                                                                                                                                        والثاني: أن يكون سببا لكثرته، وإن كان موجودا قبل وطئه.

                                                                                                                                                                                        ويصح وقوع الحرمة بوجه ثالث، وهو مباشرة مائه للولد وهو في البطن [ ص: 2153 ] من غير واسطة؛ لأن ماءه حينئذ ينعشه ويجري فيه.

                                                                                                                                                                                        فالأول: أن يتزوج امرأة ولا لبن لها فأصابها فدرت لذلك، أو تحمل فتلد فترضع بذلك اللبن، فإن الزوج بذلك أب؛ لأنه سبب وجود ذلك اللبن وعن مائه كان، فإن تزوج امرأة ذات لبن ولم يتقدم لها زوج فأصابها وأنزل، كان به أبا؛ لأنه بالإنزال شارك في اللبن؛ لأن ماءه يكثره، فإن كانت ذات لبن من زوج كان قبله فأصابها الثاني، كان المرضع ابنا لهما، فالأول لأنه سبب وجوده، والثاني لأنه سبب كثرته.

                                                                                                                                                                                        واختلف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، فقال مالك في "المدونة": هو ابن لهما وإن حملت من الثاني.

                                                                                                                                                                                        وقال في "كتاب محمد": هو ابن لهما وإن ولدت من الثاني.

                                                                                                                                                                                        وفي "مختصر الوقار": بالولادة ينقطع حكم الأول. وفي كتاب ابن شعبان عن ابن وهب: أنه بوطء الثاني ينقطع حكم الأول.

                                                                                                                                                                                        وأرى إن كان الأول سببا لوجود اللبن ألا يسقط حكمه، وإن ولدت من [ ص: 2154 ] الثاني وطالت المدة بعد الولادة، إلا أن ينقطع اللبن ثم يعود، فيعود الحكم فيه للثاني إن عاود الإصابة، وإن كان اللبن موجودا قبل الأول، وإنما تعلق حكمه من الأول؛ لأنه كثره، فإنه إذا طال عهده مما يرى أنه عاد إلى ما كان عليه قبل وطء الأول، سقط حكم الأول.

                                                                                                                                                                                        وإن أصاب رجل زوجته وهي ذات لبن من غيره قبل إصابته، ثم أمسك عنها أو غاب فطالت غيبته، أو مات وعاد اللبن إلى ما كان عليه قبل، سقط حكم الوطء.

                                                                                                                                                                                        وإن تزوج امرأة وحملت وولدت، ثم طلقت فتزوجها ثان وأصابها، ثم طلقها وتزوجها ثالث واللبن الكائن عن ولادة الأول قائم وطالت المدة عن إصابة الأوسط، سقط حكم الأوسط وبقي حكم الأول والثالث؛ لأن الأوسط إنما كان له في التكثير خاصة، والطول يسقط حكمه، والأول سبب وجوده فلا يسقط إلا بانقطاعه. [ ص: 2155 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية