الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في أن اللبن يكون للفحل]

                                                                                                                                                                                        اللبن يكون للفحل إذا كان الوطء حلالا، والحرام على ثلاثة أوجه: حرام يلحق فيه النسب، وحرام لا يلحق فيه النسب ويحد الواطئ، وحرام لا يلحق به مع ارتفاع الحد. [ ص: 2156 ]

                                                                                                                                                                                        فإن كان حراما يلحق فيه النسب، وقعت به الحرمة، كالذي يتزوج خامسة جاهلا، أو أخته من الرضاعة، أو ما أشبه ذلك، وكذلك إذا كان عالما بتحريمه على القول الأخير فيه.

                                                                                                                                                                                        واختلف في وقوع الحرمة إذا كان حراما لا يلحق فيه النسب، فقال ابن حبيب: تقع به الحرمة وإن كان بزنا، أو غصب، أو نكاح يلحق فيه الولد، أو لا يلحق. وهو قول مالك الذي ثبت عليه. وقد كان قال: إن كل وطء لا يلحق فيه الولد، فالرضاع تبع للولد ولا تقع به حرمة. وسوى بين ما يكون فيه الحد على الواطئ وغيره، فأوقع به الحرمة مرة، ومرة لم يوقع به حرمة.

                                                                                                                                                                                        وقال محمد: وكل ولد يلحق بأحد الزوجين، إلا أن المقضي له به لو انتفى منه بلعان للحق بالآخر؛ كان لبنها ذلك يحرم من قبل الذي لم يلحق به ويكون من شرب أو رضع من لبنها ابنا للزوجين جميعا، وكأنه فرق بينه وبين الزنا.

                                                                                                                                                                                        واختلف في أربع مسائل كلها يدرأ فيها الحد ولا يلحق النسب: [ ص: 2157 ]

                                                                                                                                                                                        أحدها: إذا أصاب ماؤه الولد وهو في البطن، مثل أن يطأ أمته وهي حامل من غيره، فقال مالك وابن القاسم وسحنون: تقع به الحرمة من الواطئ في ذلك الحمل.

                                                                                                                                                                                        وقال مالك في "كتاب ابن حبيب": فيمن وطئ أمته وهي حامل من غيره، يعتق ذلك الولد على الواطئ من غير حكم، وإن كانت جارية لم يحل له وطؤها. وروي عن الليث وغيره أنها تعتق بحكم. فاتفقوا في وقوع الحرمة واختلفوا في العتق؛ فرأى مالك أنه لما كان خلق الولد من غيره كان منزلة الثاني منزلة الرضاع يحرم ولا يعتق. ورأى الليث أن انتعاش الولد لما كان في موضع يتم خلقه كالشرك في تمام الخلق.

                                                                                                                                                                                        وقال سحنون في "السليمانية": إذا ولدت تلك الأمة جارية فوهبها السيد لولده لم تحل لولده؛ لأن وطء الأب سقى الولد فأوقع الحرمة ولم يوجب به عتقا؛ لأنه أجاز هبتها، فهي في الحرمة ابنة له وأخت لابنه. [ ص: 2158 ]

                                                                                                                                                                                        والثاني: إن تزوج امرأة وأتت بولد لأقل من ستة أشهر، ففرق بينها وبين الثاني فأرضعت صبيا، فقال مالك في كتاب محمد: يكون ابنا لهما.

                                                                                                                                                                                        قال ابن القاسم: وإن لم يكن لها لبن متحرك: لأن الوطء يخرجه وينزل الدر.

                                                                                                                                                                                        يريد: إذا كان اللبن قريبا من الوطء، فإن بعد ما بينهما وصار لها لبن على العادة التي تكون من الحامل عند الوضع، ضعف أمر الثاني؛ لأنه ليس سببا له ولا له فيه شرك.

                                                                                                                                                                                        والثالث: الأمة يصيبها الرجلان فتأتي بولد لتلحقه القافة بأحدهما، فإنه تقع الحرمة بينه وبين الذي لم يلحق به، وهو قول محمد.

                                                                                                                                                                                        والرابع: إذا تزوج امرأة في العدة وأصابها قبل حيضة، أو اشترى أمة فأصابها قبل الاستبراء فصار لها لبن، فإن الحرمة تقع به من الوطء الثاني.

                                                                                                                                                                                        وقال ابن شعبان في هاتين: لا حكم للثاني. ومحله الأول، قال: وكذلك الأمة يغشاها اثنان في طهر واحد وتحمل فتلحقه القافة بأحدهما وتسقط أبوة الآخر. [ ص: 2159 ]

                                                                                                                                                                                        وكذلك جعل الجواب إذا وطئ حاملا من غيره. قال: وإن كان قد غدا في سمعه وبصره، فلا ينظر إلى ما أحيا ما له أصل ثابت.

                                                                                                                                                                                        وكل هذا بخلاف ما تقدم لمحمد وغيره، وهو أحد قولي مالك في "كتاب ابن حبيب"، والأول أصوب، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسق ماءك زرع غيرك". ولحديث أبي الدرداء، قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - على امرأة مجح على باب الفسطاط -يريد من السبي- فقال: "لعله يريد أن يلم بها؟ " قالوا: نعم. قال: "لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له، وكيف يستخدمه وهو لا يحل له". أخرجه مسلم.

                                                                                                                                                                                        فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لو وطئ لصار له به شرك يمنعه أن يستخدمه أو يورث عنه. وفيه دليل لمن قال: يعتق عليه، ولو كان بمنزلة الرضاع، لجاز له ملكه واستخدامه وورث عنه.

                                                                                                                                                                                        وأما الزنا، ففرق محمد بين الولد الذي تلده عن ذلك الزنا وبين اللبن، فأوقع الحرمة بينه وبين الولد إن ولدت صبيا. قال: وإن أرضعت بذلك [ ص: 2160 ] اللبن صبية، ثم تزوجها الذي زنا بالتي أرضعتها لم أحكم بفراقها، وإن كنت أحب أن يجتنبها.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية