الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في حفر الآبار وما يجوز فيه]

                                                                                                                                                                                        حفر الآبار يجوز على ثلاثة أوجه: إجارة، ومقاطعة، وجعالة، فالإجارة والمقاطعة يلزمان بالعقد ويجوزان فيما يملك من الأرض وفيما لا يملك، والجعالة لا تلزم بالعقد، والمجعول له بالخيار بعد العمل على المشهور من المذهب، ويجوز فيما لا يملك من الأرض.

                                                                                                                                                                                        واختلف هل يجوز فيما يملك؟ وأجاز ابن القاسم الجعالة على الغراسة فيما يملك والحفر مثله يجوز على هذا.

                                                                                                                                                                                        والإجارة على حفر الآبار تختلف باختلاف الأرض من الشدة واللين [ ص: 5000 ] وبعد الماء والمعرفة بذلك والجهل به، فإن كان المستأجر والأجير عالمين بصفة الأرض وبعد الماء جازت الإجارة على الإطلاق من غير شرط، فإن قال: أستأجرك على أن تحفر لي بئرا في هذه الأرض ولم يزد على ذلك جاز، إلا أن تختلف العادة في سعته فيذكر السعة.

                                                                                                                                                                                        وإن كانا عالمين بصفة الأرض ويختلف بعد الماء لم يجز إلا مزارعة. وإن اختلفت صفة الأرض دون بعد الماء جاز إذا سموا للشديدة أجرة وللرخوة أجرة، فما حفر من كل صنف كان له بحسابه. وكذلك إن اختلف الوجهان: صفة الأرض، وبعد الماء، كانت الإجارة مزارعة حسب ما تقدم.

                                                                                                                                                                                        وإن حفر على الجعل فلما تم انهار كل ما حفر كان للحافر جعله، وإن انهار قبل تمامه لم يكن له شيء.

                                                                                                                                                                                        وإن حفر البعض ثم ترك لم يكن له شيء، فإن جعل فيه الجاعل لآخر جعلا فأتمه كان للأول أن يرجع على من جعله بقيمة عمله يوم أتمه الثاني، وسواء كانت القيمة الآن مثل جميع المسمى أو أقل أو أكثر. وهو [ ص: 5001 ] قول مالك وابن كنانة.

                                                                                                                                                                                        فإن حفر نصف البئر ثم ترك وكان الجعل الأول عشرة دنانير وقيمته يوم تم ديناران لم يكن له إلا ذلك; لأن الجعل لم يكن في ذمة الجاعل، ولو هلك الحفار لم يكن له شيء. وإن غلت أجرته فصارت أجرة ذلك النصف يوم تم عشرة، أخذها؛ لأن مصيبته منه فله نماؤه، وقد كان قول ابن القاسم أن له قيمته يوم عمله، فسألا مالكا فقضى لابن كنانة.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية