الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        وإن كان على طهارته وشك هل حدث ما ينقضها، فإن كان ممن يتكرر ذلك عليه لم يكن عليه شيء.

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا كان ممن لا يتكرر ذلك عليه على خمسة أقوال: فقال مالك في " المدونة" : يتوضأ. قال: وهو بمنزلة من شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا . [ ص: 92 ]

                                                                                                                                                                                        وعلى هذا يكون الوضوء عليه واجبا; لأن من شك في الرابعة يجب عليه أن يأتي بها.

                                                                                                                                                                                        وقال أبو الحسن ابن القصار : روى ابن وهب عن مالك أنه قال: أحب إلي أن يتوضأ .

                                                                                                                                                                                        قال: وروي عنه أنه قال: إن شك في الحدث وهو في الصلاة بنى على يقينه ولم يقطع. وإن كان في غير الصلاة أخذ بالشك.

                                                                                                                                                                                        قال: وروي عنه أنه قال: يقطع وإن كان في صلاة . وقال ابن حبيب . إن خيل إليه أن ريحا خرجت منه فلا يتوضأ إلا أن يوقن به، وإن دخله الشك بالحس فلا شيء عليه. قال: بخلاف من شك هل بال أو أحدث؟ فإنه يعيد الوضوء .

                                                                                                                                                                                        فأما على القول إن الوضوء واجب فلا فرق بين أن يكون شك وهو في الصلاة أم لا، فإنه يقطع ، واختلف على القول إن الوضوء استحسان، فقيل: يستحسن ألا يصلي به.

                                                                                                                                                                                        وإن شك وهو في الصلاة إنما يستحب له أن يقطع; لأن الشك إنما هو عن شيء تقدم قبل الدخول في الصلاة، وقيل: لا يدخل في الصلاة به، فإن فعل أو شك وهو في الصلاة لم يقطع; لأنها صلاة جائزة; فيكون قد أبطل عملا [ ص: 93 ] صحيحا، وهذا في أحد الحدثين البول والغائط.

                                                                                                                                                                                        والشك في الريح على وجهين:

                                                                                                                                                                                        فإن شك هل كان ذلك منه فنسيه أم لا، عاد الجواب فيه إلى ما تقدم من الشك في غيره، وإن شك في شيء أحسه هل ذلك ريح أم لا، أيكن عليه شيء، سواء وجد ذلك وهو في صلاة أو قبل، ويجوز له أن يبتدئ الصلاة به.

                                                                                                                                                                                        وإلى هذا ذهب ابن حبيب ; لأن الشكين ليسا سواء ، فليس من شك هل كان ذلك فنسيه مثل من هو مجتمع الحس والذكر، ولا يدري هل كان أو لا ؟

                                                                                                                                                                                        وقيل: هو مثل الأول; لأن كل ذلك منه شك. وإن كان هذا أضعف. واستشهد من نفى الوضوء منه بحديث عباد بن تميم - رضي الله عنه - وقد تقدم ، وبحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" أخرجه مسلم .

                                                                                                                                                                                        وقال أيضا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحا بين أليتيه، فلا يخرج حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" ذكره الترمذي وقال: حديث صحيح . [ ص: 94 ]

                                                                                                                                                                                        وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: إن الشيطان هو يفيش بين أليتي أحدكم. وقال الليث: أغفل أبو هريرة واحدة تخرج لا ريح لها ولا صوت . وقد صدق الليث، إلا أن الأول أولى ; لأن الغالب الوجه الآخر أنه يكون الصوت أو الريح، وللحديث، ولما ذكر أن الشيطان يدخل على الإنسان الشك بمثل ذلك.

                                                                                                                                                                                        فإن شك في الصلاة هل صلى أم لا؟، وجب عليه أن يأتي بتلك الصلاة ما لم يتكرر ذلك عليه، فإن تكرر، وكان يسبق إليه أنه لم يصل وجب عليه أن يأتي بتلك الصلاة أيضا، وإن كان يسبق إليه أنه قد صلاها ثم دخله شك وتكرر ذلك عليه، لم يكن عليه شيء.

                                                                                                                                                                                        ومثله إذا شك في الرابعة فإن عليه أن يأتي بها إذا لم يتكرر ذلك عليه أو تكرر وكان الأول عنده أنها ثالثة. وإن كان الأول عنده أنها رابعة ثم شك لم يكن عليه شيء.

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا سلم وهو على شك ثم استيقن أنها رابعة- فقال ابن حبيب : تجزئه الصلاة، وقال سحنون: أفسد على نفسه . [ ص: 95 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية