الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          3502 حدثنا علي بن حجر أخبرنا ابن المبارك أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن خالد بن أبي عمران أن ابن عمر قال قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب وقد روى بعضهم هذا الحديث عن خالد بن أبي عمران عن نافع عن ابن عمر

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          قوله : ( أخبرنا يحيى بن أيوب ) الغافقي ( عن خالد بن أبي عمران ) التجيبي أبي عمر قاضي إفريقية فقيه صدوق من الخامسة . قوله : ( قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد تتصل ما بـ " قل " فيقال : قلما جئتك وتكون " ما " كافة عن عمل الرفع فلا اقتضاء للفاعل ، وتستعمل قلما لمعنيين أحدهما النفي الصرف والثاني إثبات الشيء القليل ( اللهم اقسم لنا ) أي اجعل لنا ( من خشيتك ) أي من خوفك ( ما ) أي قسما ونصيبا ( يحول ) من حال يحول حيلولة أي يحجب ويمنع ( بيننا وبين معاصيك ) لأن القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت الأعضاء عن المعاصي ( ومن طاعتك ) أي بإعطاء القدرة عليها والتوفيق لها ( ما تبلغنا ) بالتشديد أي توصلنا أنت ( به جنتك ) أي مع شمولنا برحمتك وليست الطاعة وحدها مبلغة ( ومن اليقين ) أي اليقين بك وبأن لا مرد لقضائك وبأنه لا يصيبنا إلا ما كتبته علينا وبأن ما قدرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة مع ما فيه من مزيد المثوبة ( ما تهون به ) أي تسهل أنت بذلك اليقين " مصيبات الدنيا " فإن من علم يقينا أن [ ص: 334 ] مصيبات الدنيا مثوبات الأخرى لا يغتم بما أصابه ولا يحزن بما نابه ( ومتعنا ) من التمتيع أي اجعلنا متمتعين ومنتفعين ( بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ) أي بأن نستعملها في طاعتك . قال ابن الملك : التمتع بالسمع والبصر إبقاؤهما صحيحين إلى الموت ( ما أحييتنا ) أي مدة حياتنا . وإنما خص السمع والبصر بالتمتيع من الحواس لأن الدلائل الموصلة إلى معرفة الله وتوحيده إنما تحصل من طريقهما . لأن البراهين إنما تكون مأخوذة من الآيات وذلك بطريق السمع أو من الآيات المنصوبة في الآفاق والأنفس فذلك بطريق البصر ، فسأل التمتيع بهما حذرا من الانخراط في سلك الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ، ولما حصلت المعرفة بالأولين يترتب عليها العبادة فسأل القوة ليتمكن بها من عبادة ربه قاله الطيبي . والمراد بالقوة قوة سائر الأعضاء والحواس أو جميعها فيكون تعميما بعد تخصيص ( واجعله ) أي المذكور من الأسماع والأبصار والقوة ( الوارث ) أي الباقي ( منا ) أي بأن يبقى إلى الموت . قال في اللمعات : الضمير في قوله " اجعله " للمصدر الذي هو الجعل أي اجعل الجعل وعلى هذا الوارث مفعول أول و " منا " مفعول ثان أي اجعل الوارث من نسلنا لا كلالة خارجة منا والكلالة قرابة ليست من جهة الولادة ، وهذا الوجه قد ذكره بعض النحاة في قولهم إن المفعول المطلق قد يضمر ولكن لا يتبادر إلى الفهم من اللفظ ولا ينساق الذهن إليه كما لا يخفى ، والثاني أن الضمير فيه للتمتع الذي هو مدلول " متعنا " والمعنى اجعل تمتعنا بها باقيا مأثورا فيمن بعدنا ؛ لأن وارث المرء لا يكون إلا الذي يبقى بعده فالمفعول الثاني الوارث وهذا المعنى يشبه سؤال خليل الرحمن على نبينا وعليه الصلاة والسلام ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) وقيل معنى وراثته دوامه إلى يوم الحاجة إليه يعني يوم القيامة ، والأول أوجه ؛ لأن الوارث إنما يكون باقيا في الدنيا ، والثالث أن الضمير للأسماع والأبصار والقوى بتأويل المذكور ، ومثل هذا شائع في العبارات لا كثير تكلف فيها وإنما التكلف فيما قيل إن الضمير راجع إلى أحد المذكورات ، ويدل على ذلك وجود الحكم في الباقي ؛ لأن كل شيئين تقاربا في معنييهما فإن الدلالة على أحدهما دلالة على الآخر ، والمعنى بوراثتها لزومها إلى موته ؛ لأن الوارث من يلزم إلى موته انتهى ( واجعل ثأرنا ) بالهمز بعد المثلثة المفتوحة أي إدراك ثأرنا ( على من ظلمنا ) أي مقصورا عليه ولا تجعلنا ممن تعدى في طلب ثأره فأخذ به غير الجاني كما كان معهودا في الجاهلية ، فنرجع ظالمين بعد أن كنا مظلومين ، وأصل الثأر الحقد والغضب قال ثأرت القتيل وبالقتيل أي قتلت قاتله ( ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ) أي لا تصبنا بما ينقص ديننا من اعتقاد السوء وأكل الحرام والفترة في العبادة وغيرها ( ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ) أي لا تجعل طلب المال والجاه أكبر قصدنا أو حزننا بل اجعل أكبر [ ص: 335 ] قصدنا أو حزننا مصروفا في عمل الآخرة ، وفيه أن قليلا من الهم فيما لا بد منه في أمر المعاش مرخص فيه بل مستحب بل واجب ( ولا مبلغ علمنا ) أي غاية علمنا أي لا تجعلنا حيث لا نعلم ولا نتفكر إلا في أمور الدنيا . بل اجعلنا متفكرين في أحوال الآخرة متفحصين من العلوم التي تتعلق بالله تعالى وبالدار الآخرة ، والمبلغ الغاية التي يبلغه الماشي والمحاسب فيقف عنده ( ولا تسلط علينا من لا يرحمنا ) أي لا تجعلنا مغلوبين للكفار والظلمة أو لا تجعل الظالمين علينا حاكمين فإن الظالم لا يرحم الرعية . قوله : ( هذا حديث حسن غريب ) أخرجه النسائي والحاكم وقال : صحيح على شرط البخاري .




                                                                                                          الخدمات العلمية