[ ص: 23 ] nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42nindex.php?page=treesubj&link=32887_29010_33679_29687الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون .
يصلح هذا أن يكون مثلا لحال ضلال الضالين وهدى المهتدين نشأ عن قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=41فمن اهتدى فلنفسه إلى قوله (
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=41وما أنت عليهم بوكيل ) .
والمعنى : أن استمرار الضال على ضلاله قد يحصل بعده اهتداء وقد يوافيه أجله وهو في ضلاله فضرب المثل لذلك بنوم النائم قد تعقبه إفاقة وقد يموت النائم في نومه ، وهذا تهوين على نفس النبيء صلى الله عليه وسلم برجاء إيمان كثير ممن هم يومئذ في ضلال وشرك كما تحقق ذلك . فتكون الجملة تعليلا للجملة قبلها ولها اتصال بقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=22أفمن شرح الله صدره للإسلام إلى قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=22أولئك في ضلال مبين .
ويجوز أن يكون انتقالا إلى استدلال على تفرد الله تعالى بالتصرف في الأحوال فإنه ذكر دليل التصرف بخلق الذوات ابتداء من قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=5خلق السماوات والأرض بالحق إلى قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=6في ظلمات ثلاث ، ثم دليل التصرف بخلق أحوال ذوات وإنشاء ذوات من تلك الأحوال ، وذلك من قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=21ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض إلى قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=21لأولي الألباب وأعقب كل دليل بما يظهر فيه أثره من الموعظة والعبرة والزجر عن مخالفة مقتضاه ، فانتقل هنا إلى الاستدلال بحالة عجيبة من أحوال أنفس المخلوقات وهي حالة الموت وحالة النوم . وقد أنبأ عن الاستدلال قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ، فهذا دليل للناس من أنفسهم ، قال تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=51&ayano=21وفي أنفسكم أفلا تبصرون وقال ضرب لكم مثلا من أنفسكم ، فتكون الجملة استئنافا ابتدائيا للتدرج في الاستدلال ولها اتصال بجملة
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=5خلق السماوات والأرض بالحق وجملة
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=21ألم تر أن الله أنزل المتقدمتين ، وعلى كلا الوجهين أفادت الآية إبراز حقيقتين عظيمتين من نواميس الحياتين النفسية والجسدية وتقديم اسم الجلالة على الخبر الفعلي لإفادة تخصيصه بمضمون الخبر ، أي الله يتوفى لا غيره فهو قصر حقيقي لإظهار فساد أن أشركوا
[ ص: 24 ] به آلهة لا تملك تصرفا في أحوال الناس .
والتوفي : الإماتة ، وسميت توفيا لأن الله إذا أمات أحدا فقد توفاه أجله ف ( الله ) المتوفي وملك الموت متوف أيضا لأنه مباشر التوفي .
والميت : متوفى بصيغة المفعول ، وشاع ذلك فصار التوفي مرادفا للإماتة ، والوفاة مرادفة للموت بقطع النظر عن كيفية تصريف ذلك واشتقاقه من مادة الوفاة .
وتقدم في قوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=234والذين يتوفون منكم في سورة البقرة ، وقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=32&ayano=11قل يتوفاكم ملك الموت في سورة السجدة .
والأنفس : جمع نفس ، وهي الشخص والذات قال تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=51&ayano=21وفي أنفسكم أفلا تبصرون وتطلق على الروح الذي به الحياة والإدراك .
ومعنى التوفي يتعلق بالأنفس على كلا الإطلاقين .
والمعنى : يتوفى الناس الذين يموتون فإن الذي يوصف بالموت هو الذات لا الروح وأن توفيها سلب الأرواح عنها .
وقوله والتي لم تمت عطف على الأنفس باعتبار قيد ( حين موتها ) لأنه في معنى الوصف فكأنه قيل يتوفى الأنفس التي تموت في حالة نومها ، والأنفس التي لم تمت في نومها فأفاقت . ويتعلق ( في منامها ) بقوله ( يتوفى ) ، أي ويتوفى أنفسا لم تمت يتوفاها في منامها كل يوم ، فعلم أن المراد بتوفيها هو منامها ، وهذا جار على وجه التشبيه بحسب عرف اللغة إذ لا يطلق على النائم ميت ولا متوفى .
وهو تشبيه نحي به منحى التنبيه إلى حقيقة علمية فإن حالة النوم حالة انقطاع أهم فوائد الحياة عن الجسد وهي الإدراك سوى أن أعضاءه الرئيسية لم تفقد صلاحيتها للعودة إلى أعمالها حين الهبوب من النوم ، ولذلك قال تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=60وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه كما تقدم في سورة الأنعام .
[ ص: 25 ] والفاء في ( فيمسك ) فاء الفصيحة لأن ما تقدم يقتضي مقدارا يفصح عنه الفاء لبيان توفي النفوس في المقام .
والإمساك : الشد باليد وعدم تسليم المشدود .
والمعنى : فيبقي ولا يرد النفس التي قضى عليها بالموت ، أي يمنعها أن ترجع إلى الحياة فإطلاق الإمساك على بقاء حالة الموت تمثيل لدوام تلك الحالة . ومن لطائفه أن أهل الميت يتمنون عود ميتهم لو وجدوا إلى عوده سبيلا ولكن الله لم يسمح لنفس ماتت أن تعود إلى الحياة .
والإرسال : الإطلاق والتمكين من مبارحة المكان للرجوع إلى ما كان . والمراد ب ( الأخرى ) ( التي لم تمت ) ولكن الله جعلها بمنزلة الميتة . والمعنى : يرد إليها الحياة كاملة .
والمقصود من هذا إبراز الفرق بين الوفاتين .
ويتعلق (
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42إلى أجل مسمى ) بفعل ( يرسل ) لما فيه من معنى يرد الحياة إليها ، أي فلا يسلبها الحياة كلها إلا في أجلها المسمى ، أي المعين لها في تقدير الله تعالى .
والتسمية : التعيين ، وتقدمت في قوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه في سورة البقرة .
هذا هو الوجه في تفسير الآية ، الخلي عن التكلفات وعن ارتكاب شبه الاستخدام في قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى وعن التقدير .
وجملة
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون مستأنفة كما تذكر النتيجة عقب الدليل ، أي أن في حالة الإماتة والإنامة دلائل على انفراد الله تعالى بالتصرف وأنه المستحق للعبادة دون غيره وأن ليس المقصود من هذا الخبر الإخبار باختلاف حالتي الموت والنوم بل المقصود
nindex.php?page=treesubj&link=19784التفكر والنظر في مضرب المثل ، وفي دقائق صنع الله والتذكير بما تنطوي عليه من دقائق الحكمة التي تمر على كل إنسان كل يوم في
[ ص: 26 ] نفسه ، وتمر على كثير من الناس في آلهم وفي عشائرهم وهم معرضون عما في ذلك من الحكم وبديع الصنع .
وجعل ما تدل عليه آيات كثيرة لأنهما حالتان عجيبتان ثم في كل حالة تصرف يغاير التصرف الذي في الأخرى ، ففي حالة الموت سلب الحياة عن الجسم وبقاء الجسم كالجماد ومنع من أن تعود إليه الحياة . وفي حالة النوم سلب بعض الحياة عن الجسم حتى يكون كالميت وما هو بميت ثم منح الحياة أن تعود إليه دواليك إلى أن يأتي إبان سلبها عنه سلبا مستمرا .
والآيات لقوم يتفكرون حاصلة على كل من إرادة التمثيل وإرادة الاستدلال على الانفراد بالتصرف .
وتأكيد الخبر ب ( إن ) لتنزيل معظم الناس منزلة المنكر لتلك الآيات لعدم جريهم في أحوالهم على مقتضى ما تدل عليه .
والتفكر : تكلف الفكرة ، وهو معالجة الفكر ومعاودة التدبر في دلالة الأدلة على الحقائق .
وقرأ الجمهور (
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42قضى عليها الموت ) ببناء الفعل للفاعل ونصب الموت . وقرأه
حمزة nindex.php?page=showalam&ids=15080والكسائي وخلف "
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42قضي عليها الموت " ببناء الفعل للنائب وبرفع الموت وهو على مراعاة نزع الخافض . والتقدير : قضي عليها بالموت ، فلما حذف الخافض صار الاسم الذي كان مجرورا بمنزلة المفعول به فجعل نائبا عن الفاعل ، أو على تضمين " قضي " معنى كتب وقدر .
[ ص: 23 ] nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42nindex.php?page=treesubj&link=32887_29010_33679_29687اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .
يَصْلُحُ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَثَلًا لِحَالِ ضَلَالِ الضَّالِّينَ وَهُدَى الْمُهْتَدِينَ نَشَأَ عَنْ قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=41فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ إِلَى قَوْلِهِ (
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=41وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) .
وَالْمَعْنَى : أَنَّ اسْتِمْرَارَ الضَّالِّ عَلَى ضَلَالِهِ قَدْ يَحْصُلُ بَعْدَهُ اهْتِدَاءٌ وَقَدْ يُوَافِيهِ أَجَلُهُ وَهُوَ فِي ضَلَالِهِ فَضَرَبَ الْمَثَلَ لِذَلِكَ بِنَوْمِ النَّائِمِ قَدْ تَعْقُبُهُ إِفَاقَةٌ وَقَدْ يَمُوتُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ ، وَهَذَا تَهْوِينٌ عَلَى نَفْسِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجَاءِ إِيمَانِ كَثِيرٍ مِمَّنْ هُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ضَلَالٍ وَشِرْكٍ كَمَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ . فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلْجُمْلَةِ قَبْلَهَا وَلَهَا اتِّصَالٌ بِقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=22أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ إِلَى قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=22أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ انْتِقَالًا إِلَى اسْتِدْلَالٍ عَلَى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّصَرُّفِ فِي الْأَحْوَالِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ التَّصَرُّفِ بِخَلْقِ الذَّوَاتِ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=5خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِلَى قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=6فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ، ثُمَّ دَلِيلَ التَّصَرُّفِ بِخَلْقِ أَحْوَالِ ذَوَاتٍ وَإِنْشَاءِ ذَوَاتٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ ، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=21أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=21لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَأَعْقَبَ كُلَّ دَلِيلٍ بِمَا يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُهُ مِنَ الْمَوْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ وَالزَّجْرُ عَنْ مُخَالَفَةِ مُقْتَضَاهُ ، فَانْتَقَلَ هُنَا إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِحَالَةٍ عَجِيبَةٍ مِنْ أَحْوَالِ أَنْفُسِ الْمَخْلُوقَاتِ وَهِيَ حَالَةُ الْمَوْتِ وَحَالَةُ النَّوْمِ . وَقَدْ أَنْبَأَ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ قَوْلُهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ، فَهَذَا دَلِيلٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، قَالَ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=51&ayano=21وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَقَالَ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لِلتَّدَرُّجِ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَلَهَا اتِّصَالٌ بِجُمْلَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=5خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَجُمْلَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=21أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ أَفَادَتِ الْآيَةُ إِبْرَازَ حَقِيقَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ نَوَامِيسِ الْحَيَاتَيْنِ النَّفْسِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ وَتَقْدِيمُ اسْمِ الْجَلَالَةِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ لِإِفَادَةِ تَخْصِيصِهِ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ ، أَيِ اللَّهُ يَتَوَفَّى لَا غَيْرُهُ فَهُوَ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِإِظْهَارِ فَسَادِ أَنْ أَشْرَكُوا
[ ص: 24 ] بِهِ آلِهَةً لَا تَمْلِكُ تَصَرُّفًا فِي أَحْوَالِ النَّاسِ .
وَالتَّوَفِّي : الْإِمَاتَةُ ، وُسُمِّيَتْ تَوَفِّيًا لِأَنَّ اللَّهَ إِذَا أَمَاتَ أَحَدًا فَقَدْ تَوَفَّاهُ أَجَلَهُ فَ ( اللَّهُ ) الْمُتَوَفِّي وَمَلَكُ الْمَوْتِ مُتَوَفٍّ أَيْضًا لِأَنَّهُ مُبَاشِرُ التَّوَفِّي .
وَالْمَيِّتُ : مُتَوَفَّى بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ ، وَشَاعَ ذَلِكَ فَصَارَ التَّوَفِّي مُرَادِفًا لِلْإِمَاتَةِ ، وَالْوَفَاةُ مُرَادِفَةٌ لِلْمَوْتِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَصْرِيفِ ذَلِكَ وَاشْتِقَاقِهِ مِنْ مَادَّةِ الْوَفَاةِ .
وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=234وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=32&ayano=11قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ .
وَالْأَنْفُسُ : جَمْعُ نَفْسٍ ، وَهِيَ الشَّخْصُ وَالذَّاتُ قَالَ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=51&ayano=21وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَتُطْلَقُ عَلَى الرُّوحِ الَّذِي بِهِ الْحَيَاةُ وَالْإِدْرَاكُ .
وَمَعْنَى التَّوَفِّي يَتَعَلَّقُ بِالْأَنْفُسِ عَلَى كِلَا الْإِطْلَاقَيْنِ .
وَالْمَعْنَى : يَتَوَفَّى النَّاسَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فَإِنَّ الَّذِي يُوصَفُ بِالْمَوْتِ هُوَ الذَّاتُ لَا الرُّوحُ وَأَنَّ تَوَفِّيهَا سَلْبُ الْأَرْوَاحِ عَنْهَا .
وَقَوْلُهُ وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ عَطْفٌ عَلَى الْأَنْفُسِ بِاعْتِبَارِ قَيْدِ ( حِينَ مَوْتِهَا ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوَصْفِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الَّتِي تَمُوتُ فِي حَالَةِ نَوْمِهَا ، وَالْأَنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي نَوْمِهَا فَأَفَاقَتْ . وَيَتَعَلَّقُ ( فِي مَنَامِهَا ) بِقَوْلِهِ ( يَتَوَفَّى ) ، أَيْ وَيَتَوَفَّى أَنْفُسًا لَمْ تَمُتْ يَتَوَفَّاهَا فِي مَنَامِهَا كُلَّ يَوْمٍ ، فَعَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِتَوَفِّيهَا هُوَ مَنَامُهَا ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ بِحَسَبِ عُرْفِ اللُّغَةِ إِذْ لَا يُطْلَقُ عَلَى النَّائِمِ مَيِّتَ وَلَا مُتَوَفَّى .
وَهُوَ تَشْبِيهٌ نُحِّيَ بِهِ مَنْحَى التَّنْبِيهِ إِلَى حَقِيقَةٍ عِلْمِيَّةٍ فَإِنَّ حَالَةَ النَّوْمِ حَالَةُ انْقِطَاعِ أَهَمِّ فَوَائِدِ الْحَيَاةِ عَنِ الْجَسَدِ وَهِيَ الْإِدْرَاكُ سِوَى أَنَّ أَعْضَاءَهُ الرَّئِيسِيَّةَ لَمْ تَفْقِدْ صَلَاحِيَتَهَا لِلْعَوْدَةِ إِلَى أَعْمَالِهَا حِينَ الْهُبُوبِ مِنَ النَّوْمِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=60وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ .
[ ص: 25 ] وَالْفَاءُ فِي ( فَيُمْسِكُ ) فَاءُ الْفَصِيحَةِ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ يَقْتَضِي مِقْدَارًا يُفْصِحُ عَنْهُ الْفَاءُ لِبَيَانِ تَوَفِّي النُّفُوسِ فِي الْمَقَامِ .
وَالْإِمْسَاكُ : الشَّدُّ بِالْيَدِ وَعَدَمُ تَسْلِيمِ الْمَشْدُودِ .
وَالْمَعْنَى : فَيُبْقِي وَلَا يَرُدُّ النَّفْسَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْمَوْتِ ، أَيْ يَمْنَعُهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الْحَيَاةِ فَإِطْلَاقُ الْإِمْسَاكِ عَلَى بَقَاءِ حَالَةِ الْمَوْتِ تَمْثِيلٌ لِدَوَامِ تِلْكَ الْحَالَةِ . وَمِنْ لَطَائِفِهِ أَنَّ أَهْلَ الْمَيِّتِ يَتَمَنَّوْنَ عَوْدَ مَيِّتِهِمْ لَوْ وَجَدُوا إِلَى عُودِهِ سَبِيلًا وَلَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْمَحْ لِنَفْسٍ مَاتَتْ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْحَيَاةِ .
وَالْإِرْسَالُ : الْإِطْلَاقُ وَالتَّمْكِينُ مِنْ مُبَارَحَةِ الْمَكَانِ لِلرُّجُوعِ إِلَى مَا كَانَ . وَالْمُرَادُ بِ ( الْأُخْرَى ) ( الَّتِي لَمْ تَمُتْ ) وَلَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ . وَالْمَعْنَى : يَرُدُّ إِلَيْهَا الْحَيَاةَ كَامِلَةً .
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا إِبْرَازُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَفَاتَيْنِ .
وَيَتَعَلَّقُ (
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) بِفِعْلِ ( يُرْسِلُ ) لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى يَرُدُّ الْحَيَاةَ إِلَيْهَا ، أَيْ فَلَا يَسْلُبُهَا الْحَيَاةَ كُلَّهَا إِلَّا فِي أَجَلِهَا الْمُسَمَّى ، أَيِ الْمُعَيَّنِ لَهَا فِي تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَالتَّسْمِيَةُ : التَّعْيِينُ ، وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
هَذَا هُوَ الْوَجْهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ ، الْخَلِيُّ عَنِ التَّكَلُّفَاتِ وَعَنِ ارْتِكَابِ شِبْهِ الِاسْتِخْدَامِ فِي قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى وَعَنِ التَّقْدِيرِ .
وَجُمْلَةُ
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ كَمَا تَذْكُرُ النَّتِيجَةَ عَقِبَ الدَّلِيلِ ، أَيْ أَنَّ فِي حَالَةِ الْإِمَاتَةِ وَالْإِنَامَةِ دَلَائِلَ عَلَى انْفِرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّصَرُّفِ وَأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَأَنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ الْإِخْبَارَ بِاخْتِلَافِ حَالَتَيِ الْمَوْتِ وَالنَّوْمِ بَلِ الْمَقْصُودُ
nindex.php?page=treesubj&link=19784التَّفَكُّرُ وَالنَّظَرُ فِي مَضْرِبِ الْمَثَلِ ، وَفِي دَقَائِقِ صُنْعِ اللَّهِ وَالتَّذْكِيرُ بِمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ دَقَائِقِ الْحِكْمَةِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ كُلَّ يَوْمٍ فِي
[ ص: 26 ] نَفْسِهِ ، وَتَمُرُّ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي آلِهِمْ وَفِي عَشَائِرِهِمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَمَّا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ وَبَدِيعِ الصُّنْعِ .
وَجَعَلَ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتٍ كَثِيرَةً لِأَنَّهُمَا حَالَتَانِ عَجِيبَتَانِ ثُمَّ فِي كُلِّ حَالَةٍ تَصَرُّفٌ يُغَايِرُ التَّصَرُّفَ الَّذِي فِي الْأُخْرَى ، فَفِي حَالَةِ الْمَوْتِ سَلْبُ الْحَيَاةِ عَنِ الْجِسْمِ وَبَقَاءُ الْجِسْمِ كَالْجَمَادِ وَمَنْعٌ مِنْ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ الْحَيَاةُ . وَفِي حَالَةِ النَّوْمِ سَلْبُ بَعْضِ الْحَيَاةِ عَنِ الْجِسْمِ حَتَّى يَكُونَ كَالْمَيِّتِ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ثُمَّ مَنْحُ الْحَيَاةِ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ دَوَالَيْكَ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ إِبَّانُ سَلْبِهَا عَنْهُ سَلْبًا مُسْتَمِرًّا .
وَالْآيَاتُ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ حَاصِلَةٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ إِرَادَةِ التَّمْثِيلِ وَإِرَادَةِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الِانْفِرَادِ بِالتَّصَرُّفِ .
وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ ( إِنَّ ) لِتَنْزِيلِ مُعْظَمِ النَّاسِ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِ لِتِلْكَ الْآيَاتِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ عَلَى مُقْتَضَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ .
وَالتَّفَكُّرُ : تَكَلُّفُ الْفِكْرَةِ ، وَهُوَ مُعَالَجَةُ الْفِكْرِ وَمُعَاوَدَةُ التَّدَبُّرِ فِي دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْحَقَائِقِ .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ) بِبِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْفَاعِلِ وَنَصْبِ الْمَوْتِ . وَقَرَأَهُ
حَمْزَةُ nindex.php?page=showalam&ids=15080وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ "
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=42قُضِيَ عَلَيْهَا الْمَوْتُ " بِبِنَاءِ الْفِعْلِ لِلنَّائِبِ وَبِرَفْعِ الْمَوْتِ وَهُوَ عَلَى مُرَاعَاةِ نَزْعِ الْخَافِضِ . وَالتَّقْدِيرُ : قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْمَوْتِ ، فَلَمَّا حُذِفَ الْخَافِضُ صَارَ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ مَجْرُورًا بِمَنْزِلَةِ الْمَفْعُولِ بِهِ فَجُعِلَ نَائِبًا عَنِ الْفَاعِلِ ، أَوْ عَلَى تَضْمِينِ " قُضِيَ " مَعْنَى كُتِبَ وَقُدِّرَ .