لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم .
الآن إذ كشف الله دخائل من حول المسلمين من أهل الكتاب ، أتم كشف ، جاء موقع التحذير من فريق منهم ، والتحذير من الاغترار بهم ، والنهي عن الإلقاء إليهم بالمودة ، وهؤلاء هم المنافقون ، للإخبار عنهم [ ص: 63 ] بقوله وإذا لقوكم قالوا آمنا إلخ . وأكثرهم من اليهود ، دون الذين كانوا مشركين من الأوس والخزرج . وهذا موقع الاستنتاج في صناعة الخطابة بعد ذكر التمهيدات والإقناعات . وحقه الاستئناف الابتدائي كما هنا .
والبطانة - بكسر الباء - في الأصل داخل الثوب ، وجمعها بطائن ، وفي القرآن بطائنها من إستبرق وظاهر الثوب يسمى الظهارة - بكسر الظاء - والبطانة أيضا الثوب الذي يجعل تحت ثوب آخر ، ويسمى الشعار ، وما فوقه الدثار ، وفي الحديث ثم أطلقت البطانة على صديق الرجل وخصيصه الذي يطلع على شئونه ، تشبيها ببطانة الثياب في شدة القرب من صاحبها . الأنصار شعار والناس دثار
ومعنى اتخاذهم بطانة أنهم كانوا يخالفونهم ويودونهم من قبل الإسلام فلما أسلم من أسلم من الأنصار بقيت المودة بينهم وبين من كانوا أحلافهم من اليهود ، ثم كان من اليهود من أظهروا الإسلام ، ومنهم من بقي على دينه .
وقوله من دونكم يجوز أن تكون من فيه زائدة و ( دون ) اسم مكان بمعنى حولكم ، وهو الاحتمال الأظهر كقوله تعالى في نظيره ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ويجوز أن تكون من للتبعيض و ( دون ) بمعنى غير كقوله تعالى ومنا دون ذلك من غير أهل ملتكم ، وقد علم السامعون أن المنهي عن اتخاذهم بطانة هم الذين كانوا يموهون على المؤمنين بأنهم منهم ، ودخائلهم تقتضي التحذير من استبطانهم .
وجملة لا يألونكم خبالا صفة لبطانة على الوجه الأول ، وهذا الوصف ليس من الأوصاف الظاهرة التي تفيد تخصيص النكرة عما شاركها ، لكنه يظهر بظهور آثاره للمتوسمين . فنهى الله المسلمين عن اتخاذ بطانة هذا شأنها وسمتها ، ووكلهم إلى توسم الأحوال والأعمال ، ويكون قوله ودوا ما عنتم وقوله قد بدت البغضاء جملتين في محل الوصف أيضا على طريقة ترك عطف الصفات ، ويومئ إلى ذلك قوله قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون [ ص: 64 ] أي : قد بينا لكم علامات عداوتهم بتلك الصفات إن كنتم تعقلون فتتوسمون تلك الصفات ، كما قال تعالى : إن في ذلك لآيات للمتوسمين وعلى الاحتمال الثاني يجعل من دونكم وصفا ، وتكون الجمل بعده مستأنفات واقعة موقع التعليل للنهي عن اتخاذ بطانة من غير أهل ملتنا ، وهذه الخلال ثابتة لهم فهي صالحة للتوصيف ، ولتعليل النهي . ذلك لأن العداوة الناشئة عن اختلاف الدين عداوة متأصلة لا سيما عداوة قوم يرون هذا الدين قد أبطل دينهم . وأزال حظوظهم كما سنبينه .
ومعنى لا يألونكم خبالا لا يقصرون في خبالكم ، والألو التقصير والترك ، وفعله : ( ألا يألو ) ، وقد يتوسعون في هذا الفعل فيعدي إلى مفعولين ، لأنهم ضمنوه معنى المنع فيما يرغب فيه المفعول ، فقالوا لا آلوك جهدا ، كما قالوا لا أدخرك نصحا ، فالظاهر أنه شاع ذلك الاستعمال حتى صار التضمين منسيا ، فلذلك تعدى إلى ما يدل على الشر كما يعدى إلى ما يدل على الخير ، فقال هنا لا يألونكم خبالا أي لا يقصرون في خبالكم ، وليس المراد لا يمنعونكم ، لأن الخبال لا يرغب فيه ولا يسأل .
ويحتمل أنه استعمل في هذه الآية على سبيل التهكم بالبطانة ، لأن شأن البطانة أن يسعوا إلى ما فيه خير من استبطنهم ، فلما كان هؤلاء بضد ذلك عبر عن سعيهم بالضر ، بالفعل الذي من شأنه أن يستعمل في السعي بالخير .
والخبال اختلاف الأمر وفساده ، ومنه سمي فساد العقل خبالا ، وفساد الأعضاء .
وقوله ودوا ما عنتم الود : المحبة ، والعنت : التعب الشديد ، أي رغبوا فيما يعنتكم وما هنا مصدرية ، غير زمانية ، ففعل عنتم لما صار بمعنى المصدر زالت دلالته على المضي .
ومعنى قد بدت البغضاء من أفواههم ظهرت من فلتات أقوالهم كما قال تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول فعبر بالبغضاء عن دلائلها .
[ ص: 65 ] وجملة وما تخفي صدورهم أكبر حالية .
والآيات في قوله قد بينا لكم الآيات بمعنى دلائل سوء نوايا هذه البطانة كما قال إن في ذلك لآيات للمتوسمين ولم يزل القرآن يربي هذه الأمة على إعمال الفكر ، والاستدلال ، وتعرف المسببات من أسبابها في سائر أحوالها : في التشريع ، والمعاملة لينشئها أمة علم وفطنة ، ولكون هذه الآيات آيات فراسة وتوسم ، قال إن كنتم تعقلون ولم يقل : إن كنتم تعلمون أو تفقهون ، لأن العقل أعم من العلم والفقه .
وجملة قد بينا لكم الآيات مستأنفة .