الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْأَعْرَافِ هَذَا هُوَ الِاسْمُ الَّذِي عُرِفَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ ، مِنْ عَهْدِ النَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ : " مَا لِي أَرَاكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ السُّوَرِ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِيهَا بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ . " قَالَ مَرْوَانُ قُلْتُ : " يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا أَطُولُ الطُّولَيَيْنِ " ، قَالَ : " الْأَعْرَافُ " . وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ . وَالْمُرَادُ بِالطُّولَيَيْنِ سُورَةُ الْأَعْرَافِ وَسُورَةُ الْأَنْعَامِ فَإِنَّ سُورَةَ الْأَعْرَافِ أَطْوَلُ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ ، بِاعْتِبَارِ عَدَدِ الْآيَاتِ . وَيُفَسِّرُ ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ . وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا أَنَّهَا ذُكِرَ فِي لَفْظِ الْأَعْرَافِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ الْآيَةَ . وَلَمْ يُذْكَرْ فِي غَيْرِهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ ، وَلِأَنَّهَا ذُكِرَ فِيهَا شَأْنُ أَهْلِ الْأَعْرَافِ فِي الْآخِرَةِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَلَكِنَّهُ ذُكِرَ بِلَفْظِ سُورٍ فِي قَوْلِهِ : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ . وَرُبَّمَا تُدْعَى بِأَسْمَاءِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي فِي أَوَّلِهَا وَهِيَ : " أَلِفْ - لَامْ - مِيمْ - صَادْ " أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ : " أَلِفْ - لَامْ - مِيمْ - صَادْ " . وَهُوَ يَجِيءُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ الَّتِي فِي أَوَائِلِ بَعْضِ السُّورِ هِيَ أَسْمَاءٌ لِلسُّوَرِ الْوَاقِعَةِ فِيهَا ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، فَلَا يَكُونُ المص اسْمًا لِلسُّورَةِ ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَيْهَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ التَّعْرِيفِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى السُّورَةِ ذَاتِ ( المص ) ، وَكَذَلِكَ سَمَّاهَا الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي الرِّسَالَةِ فِي بَابِ سُجُودِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَعُدُّوا هَذِهِ السُّورَةَ فِي السُّوَرِ ذَاتِ ( المص ) فِي الْأَسْمَاءِ الْمُتَعَدِّدَةِ . وَأَمَّا مَا فِي حَدِيثِ زَيْدٍ مِنْ أَنَّهَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ فَعَلَى إِرَادَةِ الْوَصْفِ دُونَ التَّلْقِيبِ . وَذَكَرَ الْفَيْرُوزْأَبَادِيُّ فِي بَصَائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمَّى سُورَةَ الْمِيقَاتِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ذِكْرِ مِيقَاتِ مُوسَى فِي قَوْلِهِ : وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا . وَأَنَّهَا تُسَمَّى سُورَةَ الْمِيثَاقِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى حَدِيثِ الْمِيثَاقِ فِي قَوْلِهِ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى . وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَاتَيْنِ التَّسْمِيَتَيْنِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ . ثُمَّ قِيلَ جَمِيعُهَا مَكِّيٌّ ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَذَلِكَ نُقِلَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَقِيلَ نَزَلَ بَعْضُهَا فِي الْمَدِينَةِ ، قَالَ قَتَادَةُ آيَةُ : وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ مِنْ قَوْلِهِ : وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ - إِلَى قَوْلِهِ - ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ ) نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ، فَإِذَا صَحَّ هَذَا احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ السُّورَةُ بِمَكَّةَ ثُمَّ أُلْحِقَ بِهَا الْآيَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ ، وَاحْتَمَلَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وَأَكْمَلَ مِنْهَا بَقِيَّتَهَا تَانِكَ الْآيَتَانِ . وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا يُضْبَطُ بِهِ تَارِيخُ نُزُولِهَا ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ " ص " قَبْلَ سُورَةِ قُلْ أُوحِيَ ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ سُورَةَ " قُلْ أُوحِيَ " أُنْزِلَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حِينَ ظُهُورِ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَجِّهٌ بِأَصْحَابِهِ إِلَى سُوقِعُكَاظٍ ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْبَعْثَةِ ، وَلَا أَحْسَبُ أَنَّ سُورَةَ الْأَعْرَافِ قَدْ نَزَلَتْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لِأَنَّ السُّورَ الطِّوَالَ يَظْهَرُ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ فِي أَوَّلِ الْبَعْثَةِ . وَهِيَ مِنَ السَّبْعِ الطِّوَالِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي أَوَّلِ الْقُرْآنِ لِطُولِهَا وَهِيَ سُوَرُ : الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ ، وَالنِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ ، وَالْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ ، وَبَرَاءَةٍ ، وَقُدِّمَ الْمَدَنِيُّ مِنْهَا وَهِيَ سُوَرُ : الْبَقَرَةِ ، وَآلِ عِمْرَانَ ، وَالنِّسَاءِ ، وَالْمَائِدَةِ ; ثُمَّ ذُكِرَ الْمَكِّيُّ وَهُوَ : الْأَنْعَامُ وَالْأَعْرَافُ عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ اعْتِبَارًا بِأَنَّ سُورَةَ الْأَنْعَامِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ بَعْدَ سُورَةِ الْأَعْرَافِ فَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَدَنِيِّ مِنَ السُّوَرِ الطِّوَالِ . وَهِيَ مَعْدُودَةٌ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثِينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ " ص " وَقَبْلَ سُورَةِ الْجِنِّ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، قَالُوا جَعَلَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ فِي مُصْحَفِهِ عَقِبَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَجَعَلَ بَعْدَهَا سُورَةَ النِّسَاءِ ، ثُمَّ آلِ عِمْرَانَ ، وَوَقَعَ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ بَعْدَ آلِ عِمْرَانَ الْأَنْعَامُ ثُمَّ الْأَعْرَافُ . وَسُورَةُ النِّسَاءِ هِيَ الَّتِي تَلِي سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي الطُّولِ وَسُورَةُ الْأَعْرَافِ تَلِي سُورَةَ النِّسَاءِ فِي الطُّولِ . وَعَدُّ آيِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ مِائَتَانِ وَسِتُّ آيَاتٍ فِي عَدِّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ ، وَمِائَتَانِ وَخَمْسٌ فِي عَدِّ أَهْلِ الشَّامِ وَالْبَصْرَةِ ، قَالَ فِي الْإِتْقَانِ قِيلَ مِائَتَانِ وَسَبْعٌ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية