(
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=67nindex.php?page=treesubj&link=28973_32416وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=68قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=69قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=70قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون )
هذه القصة مما أراد الله - تعالى - أن يقصه علينا من أخبار
بني إسرائيل في قسوتهم وفسوقهم للاعتبار بها . ومن وجوه الاعتبار : أن التنطع في الدين والإحفاء في السؤال ، مما يقتضي التشديد في الأحكام ، فمن شدد شدد عليه ؛ ولذلك نهى الله - تعالى - هذه الأمة عن كثرة السؤال بقوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=101ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=102قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) ( 5 : 101 ، 102 ) وفي الحديث الصحيح ( (
nindex.php?page=hadith&LINKID=918623ويكره لكم قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال ) ) وقد امتثل سلفنا الأمر فلم يشددوا على أنفسهم فكان الدين عندهم فطريا ساذجا وحنيفيا سمحا ، ولكن ممن خلفهم من عمد إلى ما عفا الله عنه فاستخرج له أحكاما استنبطها باجتهاده ، وأكثروا منها حتى صار الدين حملا ثقيلا على الأمة فسئمته وملت ، وألقته وتخلت .
[ ص: 287 ] قال الأستاذ الإمام : جاءت هذه الآيات على أسلوب القرآن الخاص الذي لم يسبق إليه ولم يلحق فيه ، فهو في هذه القصص لم يلتزم ترتيب المؤرخين ، ولا طريقة الكتاب في تنسيق الكلام وترتيبه على حسب الوقائع حتى في القصة الواحدة ، وإنما ينسق الكلام فيه بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب ، ويحرك الفكر إلى النظر تحريكا ، ويهز النفس للاعتبار هزا . وقد راعى في قصص
بني إسرائيل أنواع المنن التي منحهم الله - تعالى - إياها ، وضروب الكفران والفسوق التي قابلوها بها ، وما كان في أثر كل ذلك من تأديبهم بالعقوبات ، وابتلائهم بالحسنات والسيئات ، وكيف كانوا يحدثون في أثر كل عقوبة توبة ، ويحدث لهم في أثر كل توبة نعمة ، ثم يعودون إلى بطرهم ، وينقلبون إلى كفرهم .
كان في الآيات السابقة يذكر النعمة ، فالمخالفة ، فالعقوبة ، فالتوبة ، فالرحمة كالتفضيل على العالمين ، وأخذ الميثاق ، والإنجاء من
فرعون ، وما كان في أثر ذلك على ما أشرنا الآن وأجملنا ، وأوضحنا من قبل وفصلنا ، وفي هذه القصة اختلف النسق فذكر المخالفة بعد في قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=72وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ) ( 2 : 72 ) ثم المنة في الخلاص منها في قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=73فقلنا اضربوه ببعضها ) ( 2 : 73 ) . . . إلخ ، وقدم على ذلك ذكر وسيلة الخلاص ، وهي ذبح البقرة بما يعجب السامع ويشوقه إلى معرفة ما وراءها ( حيث لم يسبق في الكلام عهد لسبب أمر
موسى لقومه أن يذبحوا بقرة ، فالمفاجأة بحكاية ما كان من ذلك الأمر ، والجدال الذي وقع فيه يثير الشوق في الأنفس إلى معرفة السبب ، فتتوجه الفكرة بأجمعها إلى تلقيه ) إذ الحكمة في أمر الله أمة من الأمم بذبح بقرة خفية وجديرة بأن يعجب منها السامع ويحرص على طلبها ، لا سيما إذا لم يعتد فهم الأساليب الأخاذة بالنفوس الهازة للقلوب . وأقول : قد جرى على هذا الأسلوب كتاب القصص المخترعة والأساطير التي يسمونها الروايات في هذا العصر .
يقول أهل الشبهات في القرآن : إن
بني إسرائيل لا يعرفون هذه القصة ؛ إذ لا وجود لها في التوراة ، فمن أين جاء بها القرآن ؟ ونقول : إن القرآن جاء بها من عند الله الذي يقول في
بني إسرائيل المتأخرين : إنهم نسوا حظا مما ذكروا به ، وإنهم لم يؤتوا إلا نصيبا من الكتاب ، على أن هذا الحكم منصوص في التوراة ، وهو أنه إذا قتل قتيل لم يعرف قاتله ، فالواجب أن تذبح بقرة غير ذلول في واد دائم السيلان ، ويغسل جميع شيوخ المدينة القريبة من المقتل أيديهم على العجلة التي كسر عنقها في الوادي ، ثم يقولون : إن أيدينا لم تسفك هذا الدم ، اغفر لشعبك إسرائيل ، ويتمون دعوات يبرأ بها من يدخل في هذا العمل من دم القتيل ، ومن لم يفعل يتبين أنه القاتل ، ويراد بذلك حقن الدماء ، فيحتمل أن يكون هذا الحكم هو من بقايا تلك القصة ، أو كانت هي السبب فيه ، وما هذه بالقصة الوحيدة التي صححها القرآن ، ولا هذا الحكم بالحكم الأول الذي حرفوه أو أضاعوه وأظهره الله - تعالى . ( قال الأستاذ ) : وقد قلت لكم غير مرة : إنه يجب الاحتراس في قصص
بني إسرائيل وغيرهم من الأنبياء وعدم الثقة بما زاد
[ ص: 288 ] على القرآن من أقوال المؤرخين والمفسرين ، فالمشتغلون بتحرير التاريخ والعلم اليوم يقولون معنا : إنه لا يوثق بشيء من تاريخ تلك الأزمنة التي يسمونها أزمنة الظلمات إلا بعد التحري والبحث واستخراج الآثار ، فنحن نعذر المفسرين الذين حشوا كتب التفسير بالقصص التي لا يوثق بها لحسن قصدهم ، ولكننا لا نعول على ذلك بل ننهى عنه ، ونقف عند نصوص القرآن لا نتعداها ، وإنما نوضحها بما يوافقها إذا صحت روايته .
( وأقول ) : إن ما أشار إليه الأستاذ من حكم التوراة المتعلق بقتل البقرة هو في أول الفصل الحادي والعشرين من سفر تثنية الاشتراع ونصه :
( 1 ) إذا وجد قتيل في الأرض التي يعطيك الرب إلهك لتمتلكها واقعا في الحقل لا يعلم من قتله .
( 2 ) يخرج شيوخك وقضاتك ويقيسون إلى المدن التي حول القتيل .
( 3 ) فالمدينة القربى من القتيل يأخذ شيوخ تلك المدينة عجلة من البقر لم يحرث عليها لم تجر بالنير .
( 4 ) وينحدر شيوخ تلك المدينة بالعجلة إلى واد دائم السيلان لم يحرث فيه ولم يزرع ويكسرون عنق العجلة في الوادي .
( 5 ) ثم يتقدم الكهنة بنو لاوى . لأنه إياهم اختار الرب إلهك ليخدموه ويباركوا باسم الرب ، وحسب قولهم تكون كل خصومة وكل ضربة .
( 6 ) ويغسل جميع شيوخ تلك المدينة القريبين من القتيل أيديهم على العجلة المكسورة العنق في الوادي .
( 7 ) ويصرحون ويقولون : أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر .
( 8 ) اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يارب ، ولا تجعل دم بري في وسط شعبك إسرائيل . فيغفر لهم الدم ا هـ .
فعلم من هذا أن
nindex.php?page=treesubj&link=31942_32016الأمر بذبح البقرة كان لفصل النزاع في واقعة قتل ، ويروون في قصته روايات منها أن القاتل كان أخ المقتول ، قتله لأجل الإرث ، وأنه اتهم أهل الحي بالدم وطالبهم به ، ومنها أنه كان ابن أخيه ، وغير ذلك مما لا حاجة إليه ، وكانوا طلبوا من
موسى الفصل في المسألة وبيان القاتل ، ولما أمرهم بذبح البقرة استغربوه لما فيه من المباينة لما يطلبون والبعد بينه وبين ما يريدون ، فذلك قوله - تعالى - : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=67وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ) أي سخرية يهزأ بنا ، وهذا القول من سفههم وخفة أحلامهم وجهلهم بعظمة الله - تعالى - وما يجب أن يقابل به أمره من الاحترام والامتثال ، وإن لم تظهر حكمته
[ ص: 289 ] بادي الرأي ، ولولا ذلك لامتثلوا وانتظروا النتيجة بعد ذلك . ولما كان في جوابهم هذا رمي
لموسى - عليه الصلاة والسلام - بالسفه والجهالة (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=67nindex.php?page=treesubj&link=28973قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) أي ألتجئ إلى الله وأعتصم بتأديبه إياي من الجهالة والهزء بالناس .
(
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=68nindex.php?page=treesubj&link=28973_32416قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ) أي ما الصفات المميزة لها ؟ قال الأستاذ الإمام : إن السؤال مما هي ليس جاريا هنا على اصطلاح علماء المنطق من جعله سؤالا عن حقيقة الماهية ، وإنما هو على حسب أسلوب اللغة ، والعرب يسألون بــ " ما " عن الصفات التي تميز الشيء في الجملة كالذي ذكره في الجواب (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=68nindex.php?page=treesubj&link=28973_32416قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ) أي غير مسنة ، انقطعت ولادتها (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=68ولا بكر ) لم تلد بالمرة ، والمراد بها التي لم تلد كثيرا (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=68عوان بين ذلك ) العوان : النصف في السن من النساء والبهائم ، أي هي بين ما ذكر من السنين الفارض والبكر ، فالمشار إليه بكلمة ( ذلك ) متعدد في المعنى وإن كان لفظه منفردا . و ( بين ) من الكلم التي تختص بالمتعدد تقول : جلست بينهم أو بينهما ، ولا تقول : جلست بينه ، واستعمال الإشارة والضمير المفردين فيما هو بمعنى الجمع على تقدير : التعبير عنه بالمذكور ، أو " ما ذكر " كثير في كلامهم ومنه قول
رؤبة :
فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجسم توليع البهق
ذكر هذا الوصف المميز للبقرة في الجملة وقال : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=68فافعلوا ما تؤمرون ) وكان يجب عليهم الاكتفاء به والمبادرة بعده للامتثال ، ولكنهم أبوا إلا تنطعا واستقصاء في السؤال (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=69nindex.php?page=treesubj&link=28973_32416قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ) الفاقع : الشديد الصفرة في صفاء بحيث لا يخالطه لون آخر ، وبعض أهل اللغة لا يخصه بالأصفر ، بل يجعله وصفا لكل لون صاف .
وكان يجب أن يكتفوا بهذه المميزات ولكنهم زادوا تنطعا إذ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=70nindex.php?page=treesubj&link=28973_32416قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون ) وقد أرادوا بهذا السؤال زيادة التمييز ككونها عاملة أو سائمة (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71قال إنه يقول إنها بقرة ) سائمة (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ) أي غير مذللة بالعمل في الحراثة ولا في السقي (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71مسلمة ) من العيوب ، أو من سائر الأعمال (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71لا شية فيها ) أي ليس فيها لون آخر غير الصفرة الفاقعة . والشية : مصدر كالعدة من وشى الثوب يشيه إذا جعل فيه خطوطا من غير لونه بنحو تطريز . ولما استوفى جميع المميزات والمشخصات ولم يروا سبيلا إلى سؤال آخر (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71nindex.php?page=treesubj&link=28973_32416قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون ) أي وما قاربوا أن يذبحوها إلا بعد أن انتهت أسئلتهم ، وانقطع ما كان من تنطعهم وتعنتهم .
روى
nindex.php?page=showalam&ids=16935ابن جرير في التفسير بسند صحيح عن
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس موقوفا ( ( لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم ، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ) ) وأخرجه
nindex.php?page=showalam&ids=16000سعيد بن منصور في سننه عن
عكرمة مرفوعا مرسلا .
[ ص: 290 ] وهاهنا يذكر المفسرون قصة في حكمة هذا التشديد ، وهو المصير إلى بقرة معينة لشخص معين كان بارا بوالدته ، وقد يكون هذا صحيحا ، غير أنه لا داعي إليه في التفسير وبيان المعنى . وقد يشتبه بعض الناس فيما ذكر بأن أحكام الله - تعالى - لا تكون تابعة لأفعال الناس العارضة ، ويرد هذه الشبهة أن التكليف كثيرا ما يكون عقوبة ؛ لأنه تربية للناس ، وقد وردت الأسئلة والأجوبة في هذه القصة مفصولة غير موصولة بالفاء ، وذلك ما يقتضيه الأسلوب البليغ ، فقد تقرر في البلاغة أن القول إذا أشعر بسؤال ، كان ما يأتي بعده مما يصح أن يكون جوابا للسؤال المقدر مفصولا عما قبله ، وقوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=67وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) يشعر بسؤال ، كأنه قيل : ماذا كان منهم بعد الأمر ؟ فأجيب عنه بقوله (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=67قالوا أتتخذنا هزوا ) وهذا يشعر بسؤال أيضا ، كأنه قيل : ماذا قال
موسى إذ قالوا ذلك ؟ فأجاب : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=67قال أعوذ بالله ) . . . إلخ . وهكذا ورد غيرها من المراجعات في التنزيل ، كما ترى في قصة
موسى وفرعون .
(
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=67nindex.php?page=treesubj&link=28973_32416وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=68قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=69قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=70قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ )
هَذِهِ الْقِصَّةُ مِمَّا أَرَادَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْ يَقُصَّهُ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِ
بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي قَسْوَتِهِمْ وَفُسُوقِهِمْ لِلْاعْتِبَارِ بِهَا . وَمِنْ وُجُوهِ الِاعْتِبَارِ : أَنَّ التَّنَطُّعَ فِي الدِّينِ وَالْإِحْفَاءَ فِي السُّؤَالِ ، مِمَّا يَقْتَضِي التَّشْدِيدَ فِي الْأَحْكَامِ ، فَمَنْ شَدَّدَ شُدِّدَ عَلَيْهِ ؛ وَلِذَلِكَ نَهَى اللَّهُ - تَعَالَى - هَذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=101يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=102قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ) ( 5 : 101 ، 102 ) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ( (
nindex.php?page=hadith&LINKID=918623وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ) ) وَقَدِ امْتَثَلَ سَلَفُنَا الْأَمْرَ فَلَمْ يُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَكَانَ الدِّينُ عِنْدَهُمْ فِطْرِيًّا سَاذَجًا وَحَنِيفِيًّا سَمْحًا ، وَلَكِنْ مِمَّنْ خَلَفَهُمْ مَنْ عَمَدَ إِلَى مَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ فَاسْتَخْرَجَ لَهُ أَحْكَامًا اسْتَنْبَطَهَا بِاجْتِهَادِهِ ، وَأَكْثَرُوا مِنْهَا حَتَّى صَارَ الدِّينُ حِمْلًا ثَقِيلًا عَلَى الْأُمَّةِ فَسَئِمَتْهُ وَمَلَّتْ ، وَأَلْقَتْهُ وَتَخَلَّتْ .
[ ص: 287 ] قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ : جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ الْخَاصِّ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ وَلَمْ يُلْحَقْ فِيهِ ، فَهُوَ فِي هَذِهِ الْقَصَصِ لَمْ يَلْتَزِمْ تَرْتِيبَ الْمُؤَرِّخِينَ ، وَلَا طَرِيقَةَ الْكُتَّابِ فِي تَنْسِيقِ الْكَلَامِ وَتَرْتِيبِهِ عَلَى حَسَبِ الْوَقَائِعِ حَتَّى فِي الْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ ، وَإِنَّمَا يُنَسِّقُ الْكَلَامَ فِيهِ بِأُسْلُوبٍ يَأْخُذُ بِمَجَامِعِ الْقُلُوبِ ، وَيُحَرِّكُ الْفِكْرَ إِلَى النَّظَرِ تَحْرِيكًا ، وَيَهُزُّ النَّفْسَ لِلْاعْتِبَارِ هَزًّا . وَقَدْ رَاعَى فِي قَصَصِ
بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْوَاعَ الْمِنَنِ الَّتِي مَنَحَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - إِيَّاهَا ، وَضُرُوبَ الْكُفْرَانِ وَالْفُسُوقِ الَّتِي قَابَلُوهَا بِهَا ، وَمَا كَانَ فِي أَثَرِ كُلِّ ذَلِكَ مِنْ تَأْدِيبِهِمْ بِالْعُقُوبَاتِ ، وَابْتِلَائِهِمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ، وَكَيْفَ كَانُوا يُحْدِثُونَ فِي أَثَرِ كُلِّ عُقُوبَةٍ تَوْبَةً ، وَيُحْدِثُ لَهُمْ فِي أَثَرِ كُلِّ تَوْبَةٍ نِعْمَةً ، ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى بَطَرِهِمْ ، وَيَنْقَلِبُونَ إِلَى كُفْرِهِمْ .
كَانَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ يَذْكُرُ النِّعْمَةَ ، فَالْمُخَالَفَةَ ، فَالْعُقُوبَةَ ، فَالتَّوْبَةَ ، فَالرَّحْمَةَ كَالتَّفْضِيلِ عَلَى الْعَالَمِينَ ، وَأَخْذِ الْمِيثَاقِ ، وَالْإِنْجَاءِ مِنْ
فِرْعَوْنَ ، وَمَا كَانَ فِي أَثَرِ ذَلِكَ عَلَى مَا أَشَرْنَا الْآنَ وَأَجْمَلْنَا ، وَأَوْضَحْنَا مِنْ قَبْلُ وَفَصَّلْنَا ، وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ اخْتَلَفَ النَّسَقُ فَذَكَرَ الْمُخَالَفَةَ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=72وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ) ( 2 : 72 ) ثُمَّ الْمِنَّةَ فِي الْخَلَاصِ مِنْهَا فِي قَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=73فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ) ( 2 : 73 ) . . . إِلَخْ ، وَقَدَّمَ عَلَى ذَلِكَ ذِكْرَ وَسِيلَةِ الْخَلَاصِ ، وَهِيَ ذَبْحُ الْبَقَرَةِ بِمَا يُعْجِبُ السَّامِعَ وَيُشَوِّقُهُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا وَرَاءَهَا ( حَيْثُ لَمْ يَسْبِقْ فِي الْكَلَامِ عَهْدٌ لِسَبَبِ أَمْرِ
مُوسَى لِقَوْمِهِ أَنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً ، فَالْمُفَاجَأَةُ بِحِكَايَةِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ ، وَالْجِدَالِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ يُثِيرُ الشَّوْقَ فِي الْأَنْفُسِ إِلَى مَعْرِفَةِ السَّبَبِ ، فَتَتَوَجَّهُ الْفِكْرَةُ بِأَجْمَعِهَا إِلَى تَلَقِّيهِ ) إِذِ الْحِكْمَةُ فِي أَمْرِ اللَّهِ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ خَفِيَّةٌ وَجَدِيرَةٌ بِأَنْ يَعْجَبَ مِنْهَا السَّامِعُ وَيَحْرِصَ عَلَى طَلَبِهَا ، لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَعْتَدْ فَهْمَ الْأَسَالِيبِ الْأَخَّاذَةِ بِالنُّفُوسِ الْهَازَّةِ لِلْقُلُوبِ . وَأَقُولُ : قَدْ جَرَى عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ كُتَّابُ الْقِصَصِ الْمُخْتَرَعَةِ وَالْأَسَاطِيرِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْعَصْرِ .
يَقُولُ أَهْلُ الشُّبُهَاتِ فِي الْقُرْآنِ : إِنَّ
بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَعْرِفُونَ هَذِهِ الْقِصَّةَ ؛ إِذْ لَا وُجُودَ لَهَا فِي التَّوْرَاةِ ، فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ ؟ وَنَقُولُ : إِنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ بِهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي يَقُولُ فِي
بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمُتَأَخِّرِينَ : إِنَّهُمْ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يُؤْتَوْا إِلَّا نَصِيبًا مِنَ الْكُتَّابِ ، عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْصُوصٌ فِي التَّوْرَاةِ ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا قُتِلَ قَتِيلٌ لَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ تُذْبَحَ بَقَرَةٌ غَيْرُ ذَلُولٍ فِي وَادٍ دَائِمِ السَّيَلَانِ ، وَيَغْسِلَ جَمِيعُ شُيُوخِ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَقْتَلِ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْعِجْلَةِ الَّتِي كُسِرَ عُنُقُهَا فِي الْوَادِي ، ثُمَّ يَقُولُونَ : إِنَّ أَيْدِيَنَا لَمْ تَسْفِكْ هَذَا الدَّمَ ، اغْفِرْ لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ ، وَيُتِمُّونَ دَعَوَاتٍ يَبْرَأُ بِهَا مَنْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْعَمَلِ مِنْ دَمِ الْقَتِيلِ ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ الْقَاتِلُ ، وَيُرَادُ بِذَلِكَ حَقْنُ الدِّمَاءِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ هُوَ مِنْ بَقَايَا تِلْكَ الْقِصَّةِ ، أَوْ كَانَتْ هِيَ السَّبَبُ فِيهِ ، وَمَا هَذِهِ بِالْقِصَّةِ الْوَحِيدَةِ الَّتِي صَحَّحَهَا الْقُرْآنُ ، وَلَا هَذَا الْحُكْمُ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي حَرَّفُوهُ أَوْ أَضَاعُوهُ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى . ( قَالَ الْأُسْتَاذُ ) : وَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ : إِنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِرَاسُ فِي قِصَصِ
بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدَمِ الثِّقَةِ بِمَا زَادَ
[ ص: 288 ] عَلَى الْقُرْآنِ مِنْ أَقْوَالِ الْمُؤَرِّخِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ ، فَالْمُشْتَغِلُونَ بِتَحْرِيرِ التَّارِيخِ وَالْعِلْمِ الْيَوْمَ يَقُولُونَ مَعَنَا : إِنَّهُ لَا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنْ تَارِيخِ تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا أَزْمِنَةَ الظُّلُمَاتِ إِلَّا بَعْدَ التَّحَرِّي وَالْبَحْثِ وَاسْتِخْرَاجِ الْآثَارِ ، فَنَحْنُ نَعْذُرُ الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ حَشَوْا كُتُبَ التَّفْسِيرِ بِالْقِصَصِ الَّتِي لَا يُوثَقُ بِهَا لِحُسْنِ قَصْدِهِمْ ، وَلَكِنَّنَا لَا نُعَوِّلُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ نَنْهَى عَنْهُ ، وَنَقِفُ عِنْدَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ لَا نَتَعَدَّاهَا ، وَإِنَّمَا نُوَضِّحُهَا بِمَا يُوَافِقُهَا إِذَا صَحَّتْ رِوَايَتُهُ .
( وَأَقُولُ ) : إِنَّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْأُسْتَاذُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ الْمُتَعَلِّقِ بِقَتْلِ الْبَقَرَةِ هُوَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ وَنَصُّهُ :
( 1 ) إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي الْأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ لِتَمْتَلِكَهَا وَاقِعًا فِي الْحَقْلِ لَا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ .
( 2 ) يَخْرُجُ شُيُوخُكَ وَقُضَاتُكَ وَيَقِيسُونَ إِلَى الْمُدُنِ الَّتِي حَوْلَ الْقَتِيلِ .
( 3 ) فَالْمَدِينَةُ الْقُرْبَى مِنَ الْقَتِيلِ يَأْخُذُ شُيُوخُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ عِجْلَةٌ مِنَ الْبَقَرِ لَمْ يُحْرَثْ عَلَيْهَا لَمْ تَجُرَّ بِالنِّيرِ .
( 4 ) وَيَنْحَدِرُ شُيُوخُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ بِالْعِجْلَةِ إِلَى وَادٍ دَائِمِ السَّيَلَانِ لَمْ يُحْرَثْ فِيهِ وَلَمْ يُزْرَعْ وَيَكْسِرُونَ عُنُقَ الْعِجْلَةِ فِي الْوَادِي .
( 5 ) ثُمَّ يَتَقَدَّمَ الْكَهَنَةُ بَنُو لَاوَى . لِأَنَّهُ إِيَّاهُمُ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلَهُكَ لِيَخْدِمُوهُ وَيُبَارِكُوا بِاسْمِ الرَّبِّ ، وَحَسَبَ قَوْلِهِمْ تَكُونُ كُلُّ خُصُومَةٍ وَكُلُّ ضَرْبَةٍ .
( 6 ) وَيَغْسِلُ جَمِيعُ شُيُوخِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبِينَ مِنَ الْقَتِيلِ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْعِجْلَةِ الْمَكْسُورَةِ الْعُنُقِ فِي الْوَادِي .
( 7 ) وَيُصَرِّحُونَ وَيَقُولُونَ : أَيْدِينَا لَمْ تَسْفِكْ هَذَا الدَّمَ وَأَعْيُنُنَا لَمْ تُبْصِرْ .
( 8 ) اغْفِرْ لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ الَّذِي فَدَيْتَ يَارَبُّ ، وَلَا تَجْعَلْ دَمَ بَرِّيٍّ فِي وَسَطِ شَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ . فَيُغْفَرُ لَهُمُ الدَّمُ ا هـ .
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=31942_32016الْأَمْرَ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ كَانَ لِفَصْلِ النِّزَاعِ فِي وَاقِعَةِ قَتْلٍ ، وَيَرْوُونَ فِي قِصَّتِهِ رِوَايَاتٍ مِنْهَا أَنَّ الْقَاتِلَ كَانَ أَخَ الْمَقْتُولِ ، قَتَلَهُ لِأَجْلِ الْإِرْثِ ، وَأَنَّهُ اتَّهَمَ أَهْلَ الْحَيِّ بِالدَّمِ وَطَالَبَهُمْ بِهِ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَخِيهِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ، وَكَانُوا طَلَبُوا مِنْ
مُوسَى الْفَصْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانَ الْقَاتِلِ ، وَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ اسْتَغْرَبُوهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَايَنَةِ لِمَا يَطْلُبُونَ وَالْبُعْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُونَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=67وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بِقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ) أَيْ سُخْرِيَةً يُهْزَأُ بِنَا ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ سَفَهِهِمْ وَخِفَّةِ أَحْلَامِهِمْ وَجَهْلِهِمْ بِعَظَمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمَا يَجِبُ أَنْ يُقَابَلَ بِهِ أَمْرُهُ مِنَ الِاحْتِرَامِ وَالِامْتِثَالِ ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ حِكْمَتُهُ
[ ص: 289 ] بَادِيَ الرَّأْيِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَامْتَثَلُوا وَانْتَظَرُوا النَّتِيجَةَ بَعْدَ ذَلِكَ . وَلَمَّا كَانَ فِي جَوَابِهِمْ هَذَا رَمْيٌ
لِمُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالسَّفَهِ وَالْجَهَالَةِ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=67nindex.php?page=treesubj&link=28973قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) أَيْ أَلْتَجِئُ إِلَى اللَّهِ وَأَعْتَصِمُ بِتَأْدِيبِهِ إِيَّايَ مِنَ الْجَهَالَةِ وَالْهُزْءِ بِالنَّاسِ .
(
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=68nindex.php?page=treesubj&link=28973_32416قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ) أَيْ مَا الصِّفَاتُ الْمُمَيِّزَةُ لَهَا ؟ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ : إِنَّ السُّؤَالَ مِمَّا هِيَ لَيْسَ جَارِيًا هُنَا عَلَى اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الْمَنْطِقِ مِنْ جَعْلِهِ سُؤَالًا عَنْ حَقِيقَةِ الْمَاهِيَّةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى حَسَبِ أُسْلُوبِ اللُّغَةِ ، وَالْعَرَبُ يَسْأَلُونَ بــِ " مَا " عَنِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَمَيِّزُ الشَّيْءَ فِي الْجُمْلَةِ كَالَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْجَوَابِ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=68nindex.php?page=treesubj&link=28973_32416قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ ) أَيْ غَيْرُ مُسِنَّةٍ ، انْقَطَعَتْ وِلَادَتُهَا (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=68وَلَا بِكْرٌ ) لَمْ تَلِدْ بِالْمَرَّةِ ، وَالْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لَمْ تَلِدْ كَثِيرًا (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=68عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ) الْعَوَانُ : النَّصَفُ فِي السِّنِّ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَهَائِمِ ، أَيْ هِيَ بَيْنَ مَا ذُكِرَ مِنَ السِّنَّيْنِ الْفَارِضِ وَالْبِكْرِ ، فَالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِكَلِمَةِ ( ذَلِكَ ) مُتَعَدِّدٌ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ مُنْفَرِدًا . وَ ( بَيْنَ ) مِنَ الْكَلِمِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْمُتَعَدِّدِ تَقُولُ : جَلَسْتُ بَيْنَهُمْ أَوْ بَيْنَهُمَا ، وَلَا تَقُولُ : جَلَسْتُ بَيْنَهُ ، وَاسْتِعْمَالُ الْإِشَارَةِ وَالضَّمِيرِ الْمُفْرَدَيْنِ فِيمَا هُوَ بِمَعْنَى الْجَمْعِ عَلَى تَقْدِيرِ : التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْمَذْكُورِ ، أَوْ " مَا ذُكِرَ " كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ وَمِنْهُ قَوْلُ
رُؤْبَةَ :
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ كَأَنَّهُ فِي الْجِسْمِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ
ذَكَرَ هَذَا الْوَصْفَ الْمُمَيِّزَ لِلْبَقَرَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَقَالَ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=68فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ) وَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ وَالْمُبَادَرَةُ بَعْدَهُ لِلْامْتِثَالِ ، وَلَكِنَّهُمْ أَبَوْا إِلَّا تَنَطُّعًا وَاسْتِقْصَاءً فِي السُّؤَالِ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=69nindex.php?page=treesubj&link=28973_32416قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) الْفَاقِعُ : الشَّدِيدُ الصُّفْرَةِ فِي صَفَاءٍ بِحَيْثُ لَا يُخَالِطُهُ لَوْنٌ آخَرُ ، وَبَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا يَخُصُّهُ بِالْأَصْفَرِ ، بَلْ يَجْعَلُهُ وَصْفًا لِكُلِّ لَوْنٍ صَافٍ .
وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكْتَفُوا بِهَذِهِ الْمُمَيِّزَاتِ وَلَكِنَّهُمْ زَادُوا تَنَطُّعًا إِذْ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=70nindex.php?page=treesubj&link=28973_32416قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ) وَقَدْ أَرَادُوا بِهَذَا السُّؤَالِ زِيَادَةَ التَّمْيِيزِ كَكَوْنِهَا عَامِلَةً أَوْ سَائِمَةً (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ ) سَائِمَةٌ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ ) أَيْ غَيْرُ مُذَلَّلَةٍ بِالْعَمَلِ فِي الْحِرَاثَةِ وَلَا فِي السَّقْيِ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71مُسَلَّمَةٌ ) مِنَ الْعُيُوبِ ، أَوْ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71لَا شِيَةَ فِيهَا ) أَيْ لَيْسَ فِيهَا لَوْنٌ آخَرُ غَيْرَ الصُّفْرَةِ الْفَاقِعَةِ . وَالشِّيَةُ : مَصْدَرٌ كَالْعِدَةِ مِنْ وَشَى الثَّوْبَ يَشِيهُ إِذَا جَعَلَ فِيهِ خُطُوطًا مِنْ غَيْرِ لَوْنِهِ بِنَحْوِ تَطْرِيزٍ . وَلَمَّا اسْتَوْفَى جَمِيعَ الْمُمَيِّزَاتِ وَالْمُشَخِّصَاتِ وَلَمْ يَرَوْا سَبِيلًا إِلَى سُؤَالٍ آخَرَ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71nindex.php?page=treesubj&link=28973_32416قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ) أَيْ وَمَا قَارَبُوا أَنْ يَذْبَحُوهَا إِلَّا بَعْدَ أَنِ انْتَهَتْ أَسْئِلَتُهُمْ ، وَانْقَطَعَ مَا كَانَ مِنْ تَنَطُّعِهِمْ وَتَعَنُّتِهِمْ .
رَوَى
nindex.php?page=showalam&ids=16935ابْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ
nindex.php?page=showalam&ids=11ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا ( ( لَوْ ذَبَحُوا أَيَّ بَقَرَةٍ أَرَادُوا لَأَجْزَأَتْهُمْ ، وَلَكِنْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) ) وَأَخْرَجَهُ
nindex.php?page=showalam&ids=16000سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ
عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا .
[ ص: 290 ] وَهَاهُنَا يَذْكُرُ الْمُفَسِّرُونَ قِصَّةً فِي حِكْمَةِ هَذَا التَّشْدِيدِ ، وَهُوَ الْمَصِيرُ إِلَى بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ كَانَ بَارًّا بِوَالِدَتِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا صَحِيحًا ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ وَبَيَانِ الْمَعْنَى . وَقَدْ يَشْتَبِهُ بَعْضُ النَّاسِ فِيمَا ذُكِرَ بِأَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا تَكُونُ تَابِعَةً لِأَفْعَالِ النَّاسِ الْعَارِضَةِ ، وَيَرُدُّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ أَنَّ التَّكْلِيفَ كَثِيرًا مَا يَكُونُ عُقُوبَةً ؛ لِأَنَّهُ تَرْبِيَةٌ لِلنَّاسِ ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَسْئِلَةُ وَالْأَجْوِبَةُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَفْصُولَةً غَيْرَ مَوْصُولَةٍ بِالْفَاءِ ، وَذَلِكَ مَا يَقْتَضِيهِ الْأُسْلُوبُ الْبَلِيغُ ، فَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْبَلَاغَةِ أَنَّ الْقَوْلَ إِذَا أَشْعَرَ بِسُؤَالٍ ، كَانَ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ الْمُقَدَّرِ مَفْصُولًا عَمَّا قَبْلَهُ ، وَقَوْلُهُ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=67وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) يُشْعِرُ بِسُؤَالٍ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : مَاذَا كَانَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْأَمْرِ ؟ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=67قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ) وَهَذَا يُشْعِرُ بِسُؤَالٍ أَيْضًا ، كَأَنَّهُ قِيلَ : مَاذَا قَالَ
مُوسَى إِذْ قَالُوا ذَلِكَ ؟ فَأَجَابَ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=67قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ ) . . . إِلَخْ . وَهَكَذَا وَرَدَ غَيْرُهَا مِنَ الْمُرَاجَعَاتِ فِي التَّنْزِيلِ ، كَمَا تَرَى فِي قِصَّةِ
مُوسَى وَفِرْعَوْنَ .