الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
5572 - وعن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا بذلك ، فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا ! فيأتون آدم فيقولون : أنت آدم أبو الناس ، خلقك الله بيده ، وأسكنك جنته ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا . فيقول : لست هناكم - ويذكر خطيئته التي أصاب : أكله من الشجرة وقد نهي عنها - ولكن ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض ، فيأتون نوحا فيقول : لست هناكم - ويذكر خطيئته التي أصاب : سؤاله ربه بغير علم - ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن . قال : فيأتون إبراهيم ، فيقول : إني لست هناكم - ويذكر ثلاث كذبات كذبهن - ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة ، وكلمه وقربه نجيا . قال : فيأتون موسى فيقول : إني لست هناكم - ويذكر خطيئته التي أصاب - قتله النفس - ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته قال : فيأتون عيسى فيقول : لست هناكم ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قال : فيأتوني فأستأذن على ربي في داره ، فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيته وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني فيقول : ارفع محمد ، وقل تسمع ، واشفع تشفع ، وسل تعطه ، قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأخرج ، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ، ثم أعود الثانية فأستأذن على ربي في داره . فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : " ارفع محمد ، وقل تسمع ، واشفع تشفع ، وسل تعطه " . قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ، ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأخرج ، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ، ثم أعود الثالثة ، فأستأذن على ربي في داره ، فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيته وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : " ارفع محمد ! وقل تسمع ، واشفع تشفع ، وسل تعطه " قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ، ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأخرج ، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ، حتى ما يبقى في النار إلا من قد حبسه القرآن ، أي : وجب عليه الخلود ، ثم تلا هذه الآية : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا قال : " وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم " . متفق عليه .

التالي السابق


5572 - ( وعن أنس أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : ( يحبس ) أي : يوقف ( المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا ) : بصيغة المفعول أي يحزنوا ( بذلك ) أي : بسبب ذلك الحبس ، وفي نسخة بفتح الياء وضم الهاء على بناء الفاعل وليس بشيء . قال التوربشتي - رحمه الله : هو على بناء المجهول ، أي : يحزنوا لما امتحنوا به من الحبس ، من قولهم : أهمني الأمر إذا أقلقك وأحزنك ( فيقولون : لو استشفعنا ) أي : ليت طلبنا أحدا ليشفع لنا ( إلى ربنا فيريحنا ) أي : يعطينا الراحة ويخلصنا ( من مكاننا ! ) ، قال الطيبي - رحمه الله : لو هي المتضمنة للتمني والطلب ، وقوله : فيريحنا من مكاننا من الإراحة ، ونصبه بأن المقدرة بعد الفاء الواقعة جوابا لـ ( لو ) ، والمعنى : لو استشفعنا أحدا إلى ربنا فيشفع لنا ; فيخلصنا مما نحن فيه من الكرب والحبس . قال في أساس البلاغة : شفعت له إلى فلان وأنا شافعه وشفيعه ، واستشفعني إليه فشفعت له واستشفع بي ، قال الأعمش :


مضى زمن والناس يستشفعونني فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع



( فيأتون آدم ) : الظاهر أن المراد بهم رؤساء أهل المحشر لا جميع أهل الموقف ( فيقولون ) أي : بعضهم ( أنت آدم ) : هو من باب قوله :


أنا أبو النجم وشعري شعري



وهو فيه معنى الكمال لا يعلم ما يراد منه ففسر بما بعد من قوله : ( أبو الناس من خلقك الله بيده ) أي : بلا واسطة ، أو بقدرته الكاملة ، أو إرادته الشاملة ( وأسكنك جنته ) ، فيه إيماء إلى حصول المآل ووصول المنال ، وما تميل إليه النفس من حسن المال ( وأسجد لك ملائكته ) أي : سجود تحية ، وفيه إشارة إلى كمال الجاه والعظمة ، ( وعلمك أسماء كل شيء ) : فيه إشعار بإعطاء الفضيلة العظمى والمرتبة الكبرى . قال الطيبي - رحمه الله : وضع كل شيء موضع أشياء ، أي : المسميات ; لقوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها أي : أسماء المسميات إرادة للتفصي ، أي : واحدا فواحدا حتى يستغرق المسميات كلها . ( اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا ) ، أي : هذا المكان العظيم والموقف الأليم ( فيقول : لست هناكم ) ، قيل : هنا لحق به كاف الخطاب يكون للبعد من المكان المشار إليه ، فالمعنى

[ ص: 3539 ] أنا بعيد من مقام الشفاعة ، قال القاضي البيضاوي : أي يقول آدم - عليه الصلاة والسلام - لهم : لست في المكان والمنزل الذي تحسبونني فيه ، يريد به مقام الشفاعة . وقال القاضي عياض - رحمه الله : هو كناية عن أن منزلته دون المنزلة المطلوبة ، قاله تواضعا وإكبارا لما يسألونه ، قال : وقد يكون فيه إشارة إلى أن هذا المقام ليس لي بل لغيري . قال العسقلاني - رحمه الله : وقد وقع في رواية فيقول : لست لها ، وكذا في بقية المواضع ، وفي رواية : ليست لصاحبك ذاك ، وهو يؤيد الإشارة المذكورة .

( ويذكر خطيئته التي أصاب ) أي : اعتذارا عن التقاعد والتأني عن الشفاعة ، والراجع إلى الموصول محذوف ، أي : التي أصابها ، وقوله : ( أكله من الشجرة ) : بالنصب بدل من خطيئته ، أي : يذكر أكله من الشجرة ، ذكره البيضاوي . قال الطيبي - رحمه الله : ويجوز أن يكون بيانا للضمير المبهم المحذوف ، نحو قوله تعالى : فسواهن سبع سماوات ، ( وقد نهي ) أي : آدم - عليه الصلاة والسلام - ( عنها ) أي : عن الشجرة أو عن الخطيئة ، والجملة حال من المفعول ، ( ولكن ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض ) ، استشكلت هذه الأولية بأن آدم - عليه السلام - نبي مرسل ، وكذا شيث وإدريس وغيرهم ، وأجيب : بأن الأولية مقيدة بقوله أهل الأرض ، ويشكل ذلك بحديث جابر في البخاري في التيمم ، وكان النبي يبعث خاصة إلى قوم خاصة ، ويجاب بأن العموم لم يكن في أصل بعثة نوح ، وإنما اتفق باعتبار حصر الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس انتهى . وفيه نظر ظاهر لا يخفى ، وقيل : إن الثلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلا ، ويرد عليه حديث أبي ذر عند ابن حبان ، فإنه كالصريح بإنزال الصحف على شيث ، وهو علامة الإرسال انتهى . وفيه بحث ; إذ لا يلزم من إنزال الصحف أن يكون المنزل عليه رسولا ; لاحتمال أن يكون في الصحف ما يعمل به بخاصة نفسه ، ويحتمل أن لا يكون فيه أمر ونهي ، بل مواعظ ونصائح تختص به . فالأظهر أن يقال : الثلاثة كانوا مرسلين إلى المؤمنين والكافرين ، وأما نوح - عليه السلام - فإنما أرسل إلى أهل الأرض ، وكلهم كانوا كفارا ، هذا وقد قيل : هو نبي مبعوث أي مرسل ، ومن قبله كانوا أنبياء غير مرسلين كآدم وإدريس - عليهم الصلاة والسلام - فإنه جد نوح على ما ذكره المؤرخون .

قال القاضي عياض : قيل إن إدريس هو إلياس ، وهو نبي من بني إسرائيل ، فيكون متأخرا عن نوح ; فيصح أن نوحا أول نبي مبعوث من كون إدريس نبيا مرسلا ، وأما آدم وشيث ، فهما وإن كانا رسولين إلا أن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارا ، بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله ، وشيث كان خلفا له فيهم بعده ، بخلاف نوح ، فإنه مرسل إلى كفار أهل الأرض ، وهذا أقرب من القول بأن آدم وإدريس لم يكونا رسولين ، وقد يقال : إنه أول نبي بعثه الله بعد آدم ، على أن شيثا كان خليفة له فأوليته إضافية ، أو أول نبي بعثه من أولي العزم ، فالأولية حقيقية ، وهذا أوفق الأقوال ، وبه يزول الإشكال ، والله تعالى أعلم بالحال .

وفي شرح مسلم قال المازري : قد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح ، فإن قام دليل على أنه أرسل أيضا لم يصح أنه قبل نوح ; لإخبار النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن آدم - عليه الصلاة والسلام - أن نوحا أول رسول بعث بعده ، وإن لم يقم دليل جازم قالوه ، وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا مرسلا . قال القاضي عياض : وقد قيل إن إدريس هو إلياس ، وأنه كان نبيا في بني إسرائيل ، كما جاء في بعض الأخبار ، فإن كان هكذا سقط الاعتراض ، وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ، ورسالتهما إلى من معهما ، وإن كانا رسولين ، فإن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارا ، وكذلك شيث خلفه بعده ، بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض . قال القاضي - رحمه الله : وقد رأيت أبا الحسن ذهب إلى أن آدم ليس برسول الله ليسلم من هذا الاعتراض ، وحديث أبي ذر نص دال على أن آدم وإدريس رسولان ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

[ ص: 3540 ] ( فيأتون نوحا فيقول ) : إني على ما في نسخة ( لست هناكم ) : قال شارح : أي لست في مكان الشفاعة ، وأشار بقوله : هناكم إلى البعد من ذلك المكان ، وفي شرح مسلم للنووي . قال القاضي عياض : إنما يقولونه تواضعا ، وإكبارا لما يسألونه ، وقد يكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة ، وهذا المقام ليس له بل لغيره ، وكل واحد منهم يدل على الآخر حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه ، ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - معينا ، ويكون إحالة كل واحد منهم على الآخر ، لأن تندرج الشفاعة في ذلك إلى نبينا محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - ومبادرة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لذلك ، وإجابته لرغبتهم ; لتحققه أن هذه الكرامة والمقام له خاصة . قال الشيخ محيي الدين - رحمه الله : والحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن بعده - صلوات الله تعالى وسلامه عليهم - في الابتداء ، ولم يلهموا سؤال نبينا - صلى الله تعالى عليه وسلم - إظهارا لفضيلة نبينا - صلى الله تعالى عليه وسلم - فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا ، وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالى وأصفيائه ، فامتنعوا ، ثم سألوه فأجاب ، وحصل غرضهم ، فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب ، وفيه تفضيله على جميع المخلوقين من الرسل الآدميين والملائكة المقربين ، فإن هذا الأمر العظيم وهي الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام عليه غيره - صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين .

( ويذكر ) أي : نوح عليه السلام ( خطيئته التي أصاب - يعني سؤاله ربه بغير علم - ) أي : قوله : إن ابني من أهلي إلى آخره ، وكان سؤاله إنجاء ابنه ، وكان غير عالم بأنه لا يجوز هذا السؤال ; ولذا قال تعالى : إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إلى آخره . قال الطيبي - رحمه الله : قوله : سؤاله ربه بغير علم موقع سؤاله هنا موقع أكله في القرينة السابقة ، وقوله : بغير علم حال من الضمير المضاف إليه في سؤاله ، أي : صادرا عنه بغير علم وربه مفعول سؤاله ، والمراد بالسؤال قوله : إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ; طلب أن ينجيه من الغرق ، والمراد من قوله : بغير علم أنه سأل ما لا يجوز سؤاله ، وكان يجب عليه أن لا يسأل ، كما قال تعالى : فلا تسألن ما ليس لك به علم ; وذلك أنه قال : إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق أي : وعدتني أن تنجي أهلي من الغرق ، وأن ابني من أهلي فنجه ، قيل له : ما شعرت من المراد بالأهل ، وهو من آمن وعمل صالحا وإن ابنك عمل غير صالح . ( ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن . قال : فيأتون إبراهيم ، فيقول : إني لست هناكم - ويذكر ثلاث كذبات كذبهن - ) : بالتخفيف أي : قالهن كذبا . قال البيضاوي - رحمه الله : إحدى الكذبات المنسوبة إلى إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - قوله : إني سقيم ، وثانيتها قوله : بل فعله كبيرهم هذا ، وثالثتها قوله لسارة : هي أختي والحق أنها معاريض ، ولكن لما كانت صورتها صورة الكذب سماها أكاذيب ، واستنقص من نفسه لها ، فإن من كان أعرف بالله وأقرب منه منزلة كان أعظم خطرا وأشد خشية ، وعلى هذا القياس سائر ما أضيف إلى الأنبياء من الخطايا . قال ابن الملك : الكامل قد يؤاخذ بما هو عبادة في حق غيره ، كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين . ( ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله ) : استئناف تعليل وبيان ، والمعنى : أعطاه ( التوراة ) : وهي أول الكتب الأربعة المنزلة ( وكلمه ) أي : بلا واسطة ( وقربه نجيا ) أي : مناجيا له أو مناجى بناء على أنه حال من الفاعل أو المفعول . ( قال : فيأتون موسى فيقول : إني لست هناكم - ويذكر خطيئته التي أصاب - قتله النفس - ) أي : نفس القبطي ، وفي نسخة قتل النفس بغير ضمير ( ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله [ ص: 3541 ] وروح الله ) : أضافه إليه تشريفا ، ولأنه كان يحيي الموتى ( وكلمته ) أي : خلق بأمر ( كن ) أو كلمته في دعوته كانت مستجابة ، ( قال : فيأتون عيسى فيقول : لست هناكم ) : إنما قال كذا مع أن خطيئته غير مذكورة لعله لاستحيائه من افتراء النصارى في حقه بأنه ابن الله ونحو ذلك ، كذا ذكره ابن الملك في شرح المشارق . ( ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ) أي : فلم يكن له مانع من مقام الشفاعة العظمى . قال النووي : هذا مما اختلفوا في معناه . قال القاضي : قيل المتقدم ما كان قبل النبوة ، والمتأخر عصمته بعدها ، وقيل : المراد به ما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - عن سهو وتأويل ، حكاه الطبري واختاره القشيري - رحمه الله - وقيل : ما تقدم لأبيه آدم - عليه الصلاة والسلام - وما تأخر من ذنوب أمته ، وقيل : المراد أنه مغفور له ، غير مؤاخذ بذنب لو كان ، وقيل : هو تنزيه له من الذنوب .

( قال : فيأتون ) : بتشديد النون وتخفيف كما في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام : أتحاجوني في الله وقد هدان ، ( فأستأذن على ربي ) أي : فأطلب الإذن منه ; للأدب مع الرب ( في داره ) أي : دار ثوابه وهو الجنة ، وقيل : ذلك تحت عرشه . قال الطيبي رحمه الله : أي فأستأذن في الدخول على دار ربي ( فيؤذن لي عليه ) أي : في الدخول على الرب سبحانه . قال التوربشتي - رحمه الله تعالى : إضافة دار الثواب إلى الله تعالى هنا كإضافته في قوله تعالى : لهم دار السلام عند ربهم على أن السلام من أسماء الله تعالى على أحد الوجهين ، وإضافتها إلى الله تعالى للشرف والكرامة ، والمراد بالاستئذان عليه أن يدخل مكانا لا يقف فيه داع إلا استجيب ، ولا يقوم به سائل إلا أجيب ، ولم يكن بين الواقف فيه وبين ربه حجاب ، والحكمة في نقله النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن موقفه ذلك إلى دار السلام لعرض الحاجة هي أن موقف العرض والحساب موقف السياسة ، ولما كان من حق الشفيع أن يقوم مقام كرامته ; فتقع الشفاعة موقعها أرشد - صلى الله تعالى وسلم - إلى النقلة عن موقف الخوف في القيامة إلى موقف الشفاعة والكرامة ، وذلك أيضا مثل الذي يتحرى الدعاء في موقف الخدمة ليكون أحق بالإجابة . قال القاضي عياض - رحمه الله تعالى : معناه فيؤذن لي في الشفاعة الموعود بها والمقام المحمود الذي أخره الله تعالى له فأعلمه أنه يبعثه فيه .

( فإذا رأيته ) أي : بارتفاع الحجاب عني ، وفي المشارق : فإذا أنا رأيته بزيادة أنا . قال ابن الملك : أي إني رأيتني ، وهذا التفات من التكلم إلى الغيبة ، ( وقعت ساجدا ) أي : خوفا منه وإجلالا ، أو تواضعا له وإذلالا ، أو انبساطا له وإذلالا . ( فيدعني ) أي : يتركني ( ما شاء الله أن يدعني ) أي : في السجود ، ففي مسند أحمد : أنه يسجد قدر جمعة من جمع الدنيا ، كذا ذكره السيوطي - رحمه الله - في حاشية مسلم ، ( فيقول : ارفع ) أي : رأسك من السجود ( محمد ) أي : يا محمد ; فإنك صاحب المقام المحمود ( وقل ) أي : ما شئت ( تسمع ) : بصيغة المجهول ، أي : يقبل قولك ، أو قل ما ألهمك من الثناء لتسمع ، أي : تجاب ( واشفع ) أي : فيمن شئت ( تشفع ) : بفتح الفاء المشددة أي : تقبل شفاعتك ( وسل ) أي : ما تريد من المزيد ( تعطه ) بهاء السكت ، في نسخة بالضمير ، أي : تعط ما تسأل ، فالضمير راجع إلى المصدر المفهوم من الفعل ، وهو بمعنى المفعول ( قال : فأرفع رأسي ، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ) : بتشديد اللام أي : يلهمنيه حينئذ ولا أدريه الآن ( ثم أشفع ) ، قال القاضي : وجاء في حديث أنس وحديث أبي هريرة : ابتدأ النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد سجوده وحمده والإذن له في الشفاعة بقوله : أمتي ( فيحد ) : بضم الياء وفتح الحاء ، وفي نسخة بالعكس ، أي : فيعين ( لي حدا ) : وهو إما مصدر أو اسم ، أي : مقدارا معينا في باب الشفاعة . قال التوربشتي - رحمه الله : يريد أنه يبين لي في كل طور من أطوار الشفاعة حدا أقف عنده ، فلا أتعداه ، مثل أن يقول :

[ ص: 3542 ] شفعتك فيمن أخل بالجماعات ، ثم يقول : شفعتك فيمن أخل بالجمعات ، ثم يقول : شفعتك فيمن أخل بالصلوات ، ومثله فيمن شرب الخمر ، ثم فيمن زنى ، وعلى هذا ليريه علو الشفاعة في عظم الذنب على ما فيه من الشناعة ، ( فأخرج ) أي : من دار ربي ( فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ) .

قال الطيبي - رحمه الله : فإن قلت : دل أول الكلام على أن المستشفعين هم الذين حبسوا في الموقف وهموا وحزنوا لذلك ، فطلبوا أن يخلصهم من ذلك الكرب ، ودل قوله : فأخرجهم من النار على أنهم من الداخلين فيها فما وجهه ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما : لعل المؤمنين صاروا فرقتين : فرقة سار بهم إلى النار من غير توقف ، وفرقة حبسوا في المحشر واستشفعوا به - صلى الله تعالى عليه وسلم - فخلصهم مما فيه ، وأدخلهم الجنة ، ثم شرع في شفاعة الداخلين في النار زمرا بعد زمر ، كما دل عليه قوله : ( فيحد لي حدا ) إلى آخره ، فاختصر الكلام وهو من حلية التنزيل ، وقد ذكرنا قانونا في فتوح الغيب في سورة هود يرجع إليه مثل هذا الاختصار . قلت : مراده أنه ذكر الفرقة الثانية ، واقتصر على خلاصها ; لأنه يفهم منها خلاص الفرقة الأولى بالأولى ، وقد يقال : إنه من باب الاكتفاء ، وثانيهما : أن يراد بالنار الحبس والكربة ، وما كانوا به من الشدة ودنو الشمس إلى رءوسهم وحرها وإلجامهم العرق ، وبالخروج الخلاص منها . قلت : وهذا القول وإن كان مجازا لكنه إلى حقيقة الأمر أقرب ، وإلى أصل القضية أنسب ; فإن المراد بهذه الشفاعة الكبرى ، وهي المعبر عنها بالمقام المحمود واللواء الممدود على ما قاله - صلى الله تعالى عليه وسلم : ( آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ) ، ومحط هذه الشفاعة هي الخلاص من الحبس والقيام ، والأمر بالمحاسبة للأنام ، وأما له - صلى الله تعالى عليه وسلم - وكذا لغيره من الأنبياء والأولياء ، والعلماء والشهداء ، والصالحين والفقراء بعد ذلك شفاعات متعددة في إدخال بعض المؤمنين الجنة بلا حساب ، وإدخال بعضهم الجنة ولو استحقوا دخول النار ، وإخراج بعضهم من النار ، وفي تخفيف عذاب بعضهم ، وفي ترقي درجات بعضهم في الجنة وأمثالها ، ولكن فيه أنه لو أريد هذا المعنى لما كررت هذه القضية مرات على ما لا يخفى ، اللهم إلا أن يقال : ينقسم أهل الموقف من المؤمنين العصاة على أقسام ثلاثة . وقال ابن الملك : تكون الشفاعة أقساما : أولها للإراحة من الموقف ، وثانيها : لإدخالهم الجنة بغير حساب ، وثالثها : عند المرور على الصراط ، ورابعها : للإخراج من النار ، فذكر في الحديث القسمين وطوى الآخرين من البين ، والله تعالى أعلم .

( ثم أعود ) أي : أرجع إلى ربي ( الثانية ) أي : المرة الثانية ( فأستأذن على ربي في داره ) أي : في دخولها ( فيؤذن لي عليه ) أي : بالدخول عليه ( فإذا رأيته ) أي : ذلك المكان ، أو رأيت ربي مع تنزيهه عن المكان ، وعن سائر صفات الحدثان ( وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ) أي : في مقام الفناء ( ثم يقول ) : ردا لي إلى حال البقاء ( ارفع محمد ، وقل تسمع ، واشفع تشفع ، وسل تعطه ) . قال : ( فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ، ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأخرج ، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ، ثم أعود الثالثة ، فأستأذن على ربي في داره ، فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيته وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : ارفع محمد ، وقل تسمع ، واشفع تشفع ، وسل تعطه ) قال ( فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ، ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأخرج ، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ، حتى ما يبقى في النار ) أي : من هذه الأمة ( إلا من قد حبسه

[ ص: 3543 ] القرآن ) أي : منعه من خروج النار بأن أخبر أنه مخلد في دار الفجار ، وهذا معنى قول الراوي للحديث عن أنس ، وهو قتادة من أجلاء التابعين ( أي : وجب عليه الخلود ) أي : دل القرآن على خلوده وهم الكفار ، ومعنى وجب أي ثبت وتحقق ، أو وجب بمقتضى إخباره تعالى ; فإنه لا يجوز فيه التخلف أبدا ( ثم تلا هذه الآية ) أي : النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أو أنس ، أو قتادة ، تذكرا أو استشهادا أو اعتضادا ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) ( قال ) أي : أنس وهو أنسب ، أو قتادة وهو أقرب ، ويحتمل أن فاعله النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على بعد ، ( وهذا المقام ) : مبتدأ وخبر موصوف بقوله : ( المحمود الذي وعده ) أي : الله سبحانه ( نبيكم ) ، وفي نسخة : وعد نبيكم بصيغة المجهول ، وهذا على أن فاعل قال غيره - صلى الله تعالى عليه وسلم - ظاهر لا إشكال ، وأما على القول بأن القائل هو - صلى الله تعالى عليه وسلم - فتوجيهه أنه وضع المظهر موضع المضمر ، وكان الأصل أن يقول : وعدنيه . وقالالطيبي - رحمه الله : يحتمل أن يكون فاعل قال الراوي ، وأن يكون النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على سبيل التجريد تعظيما لشأنه ، والله سبحانه وتعالى أعلم . ( متفق عليه ) .




الخدمات العلمية