الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح الْفَصْلَ الثَّانِي 570 - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى ; مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ ، وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ " . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَرَوَى مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ . مرقاة المفاتيح الْفَصْلُ الثَّانِي 570 - ( عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَمْسُ صَلَوَاتٍ " ) : مُبْتَدَأٌ ( " افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى " ) : صِفَةُ الْمُبْتَدَأِ ، وَقِيلَ : خَبَرُهُ ( مَنْ أَحْسَنَ ) : هَذِهِ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ ( وُضُوءَهُنَّ ) : بِمُرَاعَاةِ فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا ، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِإِحْسَانِهِ الْإِتْيَانَ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِإِحْسَانِهِ تَصْحِيحَهُ ، فَإِنَّ الْإِحْسَانَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ ( وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ ) : أَيْ : وَقْتِهِنَّ ، أَوْ فِي أَوْقَاتِهِنَّ الْمُخْتَارَةِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ : قَبْلَ أَوْقَاتِهِنَّ وَأَوَّلَهَا ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ : وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ ، بَلِ الصَّوَابُ مَا أَفَادَتْهُ فِي الَّتِي اللَّامُ بِمَعْنَاهَا مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ الْأَدَاءُ فِي الْوَقْتِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوَّلَهُ . اهـ . وَلَا وَجْهَ لِلتَّخْطِئَةِ ; لِأَنَّ الطِّيبِيَّ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ ، وَهُوَ أَفْضَلُهُمَا فِي مَذْهَبِهِ ، وَالشَّرْطِيَّةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ عَلَى الْفَرَائِضِ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : وَخُشُوعَهُنَّ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ ) : بِشَرْطِهِ وَسُنَنِهِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ ( وَخُشُوعَهُنَّ ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : الْخُشُوعُ حُضُورُ الْقَلْبِ وَطُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ . قَالَ السَّيِّدُ : عَطَفَهُ عَلَى الرُّكُوعِ إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّقْرِيرِ ، وَقَالَ فِي الْكَشَّافِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ الرُّكُوعُ : الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى : فَأَتَمَّ خُضُوعَهُنَّ بَعْدَ خُضُوعٍ أَيْ : خُضُوعًا مُضَافًا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ كَرَّرَهَا لِشَدَّةِ الْخَطْبِ النَّازِلِ ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِالرُّكُوعِ الْأَرْكَانُ . أَيْ : أَتَمَّ أَرْكَانَهَا ، وَخُصَّ بِالذِّكْرِ تَغْلِيبًا كَمَا سُمِّيَتِ الرَّكْعَةُ رَكْعَةً ، وَقِيلَ : لِكَوْنِهِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِنَا إِذْ صَلَاةُ مَنْ قَبْلَنَا لَا رُكُوعَ فِيهَا ، عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ ; وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَسَاهَلُونَ فِيهِ وَلِكَوْنِهِ كَالْمُقَدِّمَةِ وَالْوَسِيلَةِ لِغَيْرِهِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ وَاسِطَةً بَيْنَ الْأَرْكَانِ ، فَفِيهِ تَنْبِيهُ نَبِيِّهِ عَلَى إِتْمَامِ مَا سِوَاهُ بِطَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ ، وَالْمُرَادُ بِخُشُوعِهِنَّ سُكُونُ الْجَوَارِحِ عَنِ الْعَبَثِ ، وَالْقَلْبِ عَنْ أَنْ يَشْتَغِلَ بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ صَلَاتِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُتَأَمِّلًا لِمَعَانِي قِرَاءَتِهِ وَأَذْكَارِهِ ، وَلِلسَّبَبِ الَّذِي شُرِعَ كُلُّ رُكْنٍ لِأَجْلِهِ مِنَ الْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ تَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا ، وَمِنَ الرُّكُوعِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَمِنَ السُّجُودِ وَهُوَ غَايَةُ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَالِانْكِسَارِ ; بِجَعْلِ أَشْرَفِ مَا فِيهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ عَلَى مَوْطِئِ الْأَقْدَامِ وَالنِّعَالِ ( كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ ) : أَيْ : وَعْدٌ ، وَالْعَهْدُ : حِفْظُ الشَّيْءِ وَمُرَاعَاتُهُ حَالًا فَحَالًا ، سَمَّى مَا كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقَةِ الْمُجَازَاةِ لِعِبَادِهِ عَهْدًا عَلَى جِهَةِ مُقَابَلَةِ عَهْدِهِ عَلَى الْعِبَادِ ، وَلِأَنَّهُ وَعَدَ الْقَائِمِينَ بِحِفْظِ عَهْدِهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ، وَوَعْدُهُ حَقِيقٌ بِأَنْ لَا يُخْلِفَهُ ، فَسُمِّيَ وَعْدُهُ عَهْدًا ; لِأَنَّهُ أَوْثَقُ مِنْ كُلِّ وَعْدٍ ( أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ) : إِمَّا جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةُ الْمُبْتَدَأِ صِفَةُ عَهْدٍ ، وَإِمَّا بَدَلٌ عَنْ عَهْدٍ ، وَهُوَ الْعَقْدُ وَالْأَمَانُ وَالْمِيثَاقُ ، وَالْمُرَادُ غُفْرَانُ الصَّغَائِرِ ( وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ : أَيْ : مُطْلَقًا أَوْ تَرَكَ الْإِحْسَانَ ( فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ) : فَضْلًا ( وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ) : عَدْلًا ، وَقَدَّمَ مَشِيئَةَ الْغُفْرَانِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ ، وَوَكَّلَ أَمْرَ التَّارِكِ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى تَجْوِيزًا لِعَفْوِهِ ، وَمِنْ عَادَةِ الْكِرَامِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْوَعْدِ وَالْمُسَامَحَةُ فِي الْوَعِيدِ ، وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عِقَابُ الْعَاصِي ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِثَابَةُ الْمُطِيعِ ، إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ الْأَزْهَارِ ، وَالْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِخَلْقِهِ شَيْءٌ ، بَلْ لَهُ تَعْذِيبُ الْمُطِيعِ وَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَإِيلَامُهُمْ ، وَإِثَابَةُ الْفَاسِقِ ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى الْكَافِرَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَأَمَّا تَحْقِيقُ خُلْفِ الْوَعِيدِ ، فَفِي رِسَالَةِ الْقَوْلِ السَّدِيدِ . ( رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ) وَاللَّفْظُ لَهُ ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَهُوَ صَالِحٌ ، قَالَهُ مِيرَكُ . ( وَرَوَى مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ ) : قَالَ مِيرَكُ : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ ( نَحْوَهُ ) : أَيْ : بِمَعْنَاهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية