الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
691 - وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد ، وعثمان بن طلحة الحجبي ، وبلال بن رباح ، فأغلقها عليه ومكث فيها ، فسألت بلالا حين خرج : ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فقال : جعل عمودا من يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ، ثم صلى . متفق عليه .

التالي السابق


691 - ( وعن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد ) برفع أسامة على العطف ، وهو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وعثمان بن طلحة الحجبي ) الحاجب : البواب ، الجمع حجبة ، والمراد به فاتح بيت الله ( وبلال بن رباح ) : بفتح الراء ; مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فأغلقها ) أي : الكعبة يعني بابها ، والفاعل بلال ، فإنه أقرب أو عثمان فإنه أنسب ، ( عليه ) أي : على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية : عليهم ، وهو ظاهر قاله ابن الملك ، ويمكن أن يكون الفاعل هو النبي عليه السلام بمعنى الآمر ، ويلائمه قوله ( ومكث فيها ) : بضم الكاف وفتحها أي : توقف فيها النبي صلى الله عليه وسلم واشتغل بالدعاء . قال الطيبي : وإنما أغلق عليه السلام الباب ; لئلا يجتمع عليه الناس ، ثم رأيت الأبهري قال : ضمير الفاعل في أغلقها عائد إلى عثمان كما وقع التصريح به في رواية لمسلم ، وفي رواية : فأغلقاها ، فالضمير لعثمان وبلال ، وفي رواية للبخاري ومسلم : فأغلقوا والجمع بين الروايات : أن عثمان هو المباشر ، فأما ضم بلال فلعله ساعده في ذلك ، وأما الجمع فباعتبار أن غيرهما أمر بذلك اهـ .

والأحسن في الجمع أن يكون بمساعدة أسامة وبأمره عليه السلام ، والله أعلم . وقال ابن حجر : الظاهر إنما أغلقه ; خوفا من الزحمة ووقوع الضر ، وليكون أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه . قال : ثم رأيت النووي صرح بذلك ، وقال الشافعي : إنما أغلقه لوجوب الصلاة إلى جدار من جدرانها ، فدل على أنه لو صلى إلى الباب وهو مفتوح ، ولم تكن عتبته مرتفعة ثلثي ذراع لم يصح ; لأنه لم يستقبل منها شيئا ، وهو تعليل غريب وتفريع عجيب . ووقع في صحيح البخاري عن بعض الرواة : أنه إنما أغلقه لئلا يستدبر شيئا من البيت ، ورد بأنه إذا أغلق صار كأنه جدار البيت ، ثم لما هدمها ابن الزبير وضع أعمدة وستر عليها الستور لاستقبال المستقبلين وطواف الطائفين ، وقد قال ابن عباس : إن كنت هادمها فلا تدع الناس لا قبلة لهم أي : لا علامة للقبلة ، فلا دلالة على أن بقعة البيت ليست عندهما كالبيت ، كما فهم ابن حجر ; لأن الإجماع على جواز الاستقبال إلى هواء الكعبة من الخارج ، ولهذا قال جابر : صلوا إلى مواضعها ، ولا فرق بين الداخل والخارج ، خلافا للشافعي في اعتبار الهواء للخارج دون الداخل . ( فسألت بلالا حين خرج : ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أي : داخل البيت ( فقال ) أي : بلال ( جعل ) صلى الله عليه وسلم ( عمودا عن يساره ، وعمودين عن يمينه ) وفي بعض الروايات : جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه ، والجمع على تعدد الدخول ظاهر ، وعلى عدمه يحمل أحدهما على موقف الصلاة والآخر على موقف الدعاء ، والله أعلم . ( وثلاثة أعمدة وراءه ) أي : خلفه ، وقيل : قدامه ( وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ) وأما الآن فعلى ثلاثة أعمدة . قال الطيبي : وذلك قبل أن بناها الحجاج في فتنة ابن الزبير وهدم الكعبة اهـ .

والمشهور أن الحجاج إنما غير جدار الحجر فقط ، والله أعلم . ( ثم صلى ) أي : متوجها إلى الجدار الغربي المقابل للجدار الشرقي الذي فيه الباب تقريبا ، بينه وبينه ثلاثة أذرع . قال الإمام النووي في الجمع بين رواية بلال المثبت لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة ، وبين رواية أسامة النافي لصلاته : أجمع أهل الحديث على الأخذ براوية بلال ، لأنه مثبت فمعه زيادة علم فوجب ترجيحه ، وأما نفي أسامة فيحتمل أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء ، فرأى أسامة النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ، فاشتغل هو بالدعاء أيضا في ناحية من نواحي البيت ، والرسول صلى الله عليه وسلم في ناحية أخرى وبلال قريب منه ، ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم فرآه بلال لقربه منه ، ولم يره أسامة لبعده مع خفة الصلاة وإغلاق الباب واشتغاله بالدعاء ، وجاز له نفيها عملا بظنه . قال بعض العلماء : يحتمل أنه عليه السلام دخل مرتين فمرة صلى فيه ومرة دعا ولم يصل فيه ، فلم تتضاد الأخبار ، كذا في شرح الكرماني . قال ميرك : وأقول احتمال تعدد الدخول خلاف ما عليه الجمهور من أن دخوله عليه السلام الكعبة بعد الهجرة لم يكن إلا مرة واحدة اهـ .

[ ص: 584 ] وقال ابن حبان : الأشبه حملهما على دخولين متغايرين ، أحدهما : يوم الفتح وصلى فيه ، والآخر : في حجة الوداع ، دخلها يوم النحر ولم يصل فيه ، ودخلها من الغد وصلى فيه . رواه الدارقطني بإسناد حسن ، عن ابن عمر وحمل بعضهم نفي أسامة على أنه ذهب - كما رواه ابن المنذر - ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم بماء في الدلو ، حتى يمحو به الصور التي في الكعبة ، فوقعت الصلاة في غيبته . قال ابن حجر : ووقع للفخر الرازي في تفسيره : أنه نازع في خبر بلال بما يعلم رده مما تقرر ، وللشارح كلام نحو كلامه ، وزعمه أن الحديثين تعارضا ، - فيحمل على النسخ - في غاية التهافت لما مر من خبر الدارقطني أن المتأخر هو الصلاة فتكون هي الناسخة للنفي اهـ .

وفيه أن النسخ لا يكون في الأخبار ، ولعله أراد النسخ المتعلق بالحكم المترتب على فعله من الجواز ، وعلى نفيه على عدمه ، وقد تقدم أن عدم صلاته بالفرض ، والتقدير لا يدل على نفي جوازها هذا ويستفاد من دخوله عليه السلام الكعبة وصلاته بها ، أنه يسن دخولها ، ويؤيده خبر البيهقي وقال : فيه من ليس بالقوي ، وجعله ابن أبي شيبة من قول مجاهد : من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة وخرج مغفورا .

قال ابن حجر فإن قلت : زعم بعضهم كراهة دخولها لخبر : صنعت اليوم شيئا لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما كنت صنعته . قالت عائشة : وما ذاك يا رسول الله ; قال : دخلت البيت وخشيت أن يأتي الآتي من بعدي يقول : حججت ولم أدخل البيت ، وأنه لم يكتب علينا دخوله ، وإنما كتب علينا طوافه . قلت : الحديث وإن صححه الترمذي ، في إسناده ضعيف ، على أنه لا حجة فيه لمطلق الكراهة ، بل لخصوص من يتوهم أنه من تمام الحج ، ونحن نقول به .

وقال الزركشي : ينبغي دخوله مرات . مرة يصلي فيه أربعا ، ومرة ركعتين ، ومرة يدعو لاختلاف الروايات في ذلك ، وحملها المحققون على دخوله مرات ، وليجتنب داخله الزحمة والمزاحمة ما أمكن ، فإن أكثر داخليها في هذا الزمان ربحهم أقل من خسرانهم ، وطاعتهم أقل من عصيانهم ، وقد قال ابن العربي : الحمد لله الذي أغنانا من منة الشيبية بإخراج الحجر من الكعبة الشريفة ، فقد ثبت أنه عليه السلام قال لعائشة حين سألت دخول الكعبة : صلي فيه فإنه منها ، وإذا دخلها ، فليدخل بأدب وخضوع وخشوع ، ويقدم رجله اليمنى في الدخول ، ويدعو بدعوات دخول المسجد ويزيد قوله : رب أدخلني مدخل صدق الآية . ولا ينظر إلى سقفها وما فيها من الزينة ، فعن عائشة : عجبا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يدع بصره قبل السقف إجلالا لله تعالى وإعظاما ; دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده ، حتى خرج منها . صححه الحاكم ، وتعقبه الذهبي بأنه منكر . ( متفق عليه ) : ورواه النسائي قاله ميرك . قال ابن حجر : وفي الصحيحين ، أنه جعل عمودين عن يساره ، وعمودا عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه . وفي رواية للبخاري : عمودا عن يساره ، وعمودين عن يمينه . قال البيهقي : وهو الصحيح اهـ .

وبهذا يعلم أن نسبة المصنف هذه للشيخين فيها نظر ، وفي رواية أبي داود : ثم صلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع ، وفي رواية للبخاري ، عن ابن عمر أنه كان إذا دخل البيت مر قبل وجهه ، حتى يدخل ويجعل الباب خلف ظهره ، فيمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي يلي وجهه حين يدخل ثلاثة أذرع ، فيصلي وهو يتوخى المكان الذكي . أخبره بلال أنه عليه السلام صلى فيه . وفي الصحيحين : أن بلالا أخبره ، قال : صلى عليه السلام بين العمودين من السطر المقدم ، وجعل الباب خلف ظهره ، واستقبل بوجهه إلى الجانب الذي يستقبل حين يلج البيت ، بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع .

وقال ابن حجر : عثمان المذكور من بني عبد الدار ، وسبب وصول السدانة - بكسر السين وهي خدمة البيت - لهم أن جرهم لما استخفت بحرمة البيت شردهم الله ، ووليته خزاعة ، ثم بعدهم ولي قصي بن كلاب الحجابة وأمر مكة ، ثم أعطى ولده عبد الدار الحجابة وهي : السدانة ، واللواء ، ودار الندوة سميت بذلك ; لاجتماع الندى فيها وهم : الأشراف لإبرام أمورهم ، وأعطى ولد عبد مناف الرفادة والسقاية ، ثم جعل عبد الدار الحجابة إلى

[ ص: 585 ] ابنه عثمان ، ولم يزل الأمر في أولاده حتى ولي الحجبة عثمان بن طلحة المذكور في الحديث . قال : كنا نفتح الكعبة يوم الاثنين والخميس ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يريد أن يدخل مع الناس ، فنلت منه وحلم علي ثم قال : يا عثمان : لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث شئت . فقلت : لقد هلكت قريش يومئذ وذلت . قال عليه السلام : بل عزت ، ودخل الكعبة ، ووقعت كلمته مني موقعا ، وظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال ، وأردت الإسلام ، فإذا قومي يزبروني زبرا شديدا ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام القضاء أي : سنة سبع في ذي القعدة ، غير الله قلبي ، وأدخلني الإسلام ، ولم يعزم لي أن آتيه حتى رجع إلى المدينة ، ثم عزم لي الخروج إليه فأدلجت ، فلقيت خالد بن الوليد فاصطحبنا ، فقدمنا المدينة فبايعته ، وأقمت معه حتى خرجت معه في غزوة الفتح أي : سنة ثمان في رمضان ، فلما دخل مكة قال صلى الله عليه وسلم : يا عثمان ; ائت بالمفتاح ، فأتيته به فأخذه مني ثم دفعه إلي وقال : ( خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ) .

وقال ابن عباس لما طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح من عثمان ، فهم أن يناوله إياه فقال له العباس : بأبي أنت وأمي اجمعه لي مع السقاية ، فكف عثمان يده مخافة أن يعطيه العباس ، فقال عليه السلام : ( أرني المفتاح إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر ) ، فقال : هاكه يا رسول الله بأمانة الله ، فأخذ عليه السلام المفتاح وفتح البيت ، فنزل جبريل عليه السلام بقوله : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ثم لم يزل عثمان يلي فتح البيت إلى أن توفي ، فدفع إلى شيبة بن عثمان ، وهو ابن عمه ، فبقيت الحجابة في بني شيبة .




الخدمات العلمية