الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1088 - وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ، ويقول " استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم " ، قال أبو مسعود : فأنتم اليوم أشد اختلافا . رواه مسلم .

التالي السابق


1088 - ( وعن أبي مسعود الأنصاري ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا ) أي : يضع يده على أعطافنا حتى لا نتقدم ولا نتأخر ( في الصلاة ) أي : في حال إرادة الصلاة بالجماعة ( ويقول ) أي : حال تسوية المناكب على ما هو الظاهر ( استووا ) أي : ظاهرا وباطنا ( ولا تختلفوا ) أي : بالأبدان ( فتختلف ) : بالتأنيث ، وقيل : بالتذكير ( قلوبكم ) أي : أهويتها وإرادتها ، قال الطيبي : فيختلف بالنصب ، أي على جواب النهي ، وفي الحديث : إن القلب تابع للأعضاء ، فإذا اختلفت اختلف ، وإذا اختلف فسد ففسدت الأعضاء لأنه رئيسها . قلت : القلب ملك مطاع ورئيس متبع ، والأعضاء كلها تبع له ، فإذا صلح المتبوع صلح التبع ، وإذا استقام الملك استقامت الرعية ، ويبين ذلك الحديث المشهور : " ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد ، وإذا فسدت فسد الجسد ، ألا وهي القلب " . فالتحقيق في هذا المقام أن بين القلب والأعضاء تعلقا عجيبا ، وتأثيرا غريبا بحيث أنه يسري مخالفة كل إلى الآخر ، وإن كان القلب مدار الأمر إليه . ألا ترى أن تبريد الظاهر يؤثر في الباطن ، وكذا : بالعكس ، وهو أقوى . ( ليلني منكم ) : قال النووي : بكسر اللام وتخفيف النون من غير ياء قبل النون ، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التأكيد ذكره الطيبي ، وفي المصابيح : " ليليني " قال شارحه : الرواية بإثبات الياء وهو شاذ ; لأنه من الولي بمعنى القرب ، واللام للأمر فيجب حذف الياء للجزم . قيل : لعله سهو من الكاتب ، أو كتب بالياء ; لأنه الأصل ، ثم قرئ كذا . أقول : الأولى أن يقال إنه من إشباع الكسرة ، كما قيل في : لم تهجو ولم تدعي ، أو تنبيه على

[ ص: 850 ] الأصل كقراءة ابن كثير ( إنه من يتقي ويصبر ) أو أنه لغة في أن سكونه تقديري ( أولو الأحلام ) : جمع حلم بالكسر كأنه من الحلم والسكون والوقار والأناة والتثبت في الأمور ، وضبط النفس عن هيجان الغضب ، ويراد به العقل ; لأنها من مقتضيات العقل وشعار العقلاء ، وقيل : أولو الأحلام : البالغون ، والحلم بضم الحاء والبلوغ وأصله ما يراه النائم . ( والنهى ) : بضم النون جمع نهية ، وهو العقل الناهي عن القبائح ، أي : ليدن مني البالغون العقلاء لشرفهم ومزيد تفطنهم وتيقظهم وضبطهم لصلاته ، وإن حدث به عارض يخلفوه في الإمامة .

قال الطيبي : أمر بتقدم العقلاء ذوي الأخطار والعرفان ليحفظوا صلاته ، ويضبطوا الأحكام والسنن ، فيبلغوا من بعدهم ، وفي ذلك مع الإفصاح عن جلالة شأنه حث لهم على تلك الفضيلة ، وإرشاد لمن قصر حالهم عن المساهمة معهم في المنزلة إلى تحري ما يزاحمهم فيها . ( ثم الذين يلونهم ) : كالمراهقين ، أو الذين يقربون الأولين في النهى والحلم ، ( ثم الذين يلونهم ) : كالصبيان المميزين ، أو الذين هم أنزل مرتبة من المتقدمين حلما وعقلا ، والمعنى أنه هلم جرا ، فالتقدير : ثم الذين يلونهم كالنساء ، فإن نوع الذكر أشرف على الإطلاق ، وقيل : المراد بهم الخناثى ، ففيه إشارة إلى ترتيب الصفوف .

( قال أبو مسعود ) : أي المذكور ( فأنتم اليوم أشد اختلافا ) : قال الطيبي : هذا خطاب للقوم الذين هيجوا الفتن ، وأراد أن سبب هذا الاختلاف والفتن عدم تسوية صفوفكم اهـ . وقيل : يحتمل أن المراد بأشد أصل الفعل وعدل عنه إلى ذلك للمبالغة . ( رواه مسلم ) .




الخدمات العلمية