الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 1562 - وَعَنْ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ : " الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ هُوِّنَ عَلَيْهِ ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ مَا لَهُ ذَنْبٌ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . مرقاة المفاتيح 1562 - ( وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ ) أَيْ : أَكْثَرُ أَوْ أَصْعَبُ بَلَاءً ؟ أَيْ : مِحْنَةً وَمُصِيبَةً . ( قَالَ : " الْأَنْبِيَاءُ ) أَيْ : هُمْ أَشَدُّ فِي الِابْتِلَاءِ ; لِأَنَّهُمْ يَتَلَذَّذُونَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَلَذَّذُ غَيْرُهُمْ بِالنَّعْمَاءِ ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يُبْتَلَوْا لَتُوُهِّمَ فِيهِمُ الْأُلُوهِيَّةُ ، وَلِيُتَوَهَّنَ عَلَى الْأُمَّةِ الصَّبْرُ عَلَى الْبَلِيَّةِ . ( ثُمَّ الْأَمْثَلُ ) أَيِ : الْأَشْبَهُ بِهِمْ ، أَوِ الْأَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ . ( فَالْأَمْثَلُ ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيِ : الْأَشْرَفُ فَالْأَشْرَفُ ، وَالْأَعْلَى فَالْأَعْلَى رُتْبَةً وَمَنْزِلَةً يَعْنِي : مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ بَلَاؤُهُ أَشَدُّ لِيَكُونَ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ . قَالَ الطِّيبـِيُّ : ثُمَّ فِيهِ لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ ، وَالْفَاءُ لِلتَّعَاقُبِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَالِي تَنَزُّلًا مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ ، وَاللَّامُ فِي الْأَنْبِيَاءِ لِلْجِنْسِ اهـ . كَوْنُهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ ، إِذْ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهُمْ مِنْ عَظِيمِ مِحْنَةٍ ، وَجَسِيمِ بَلِيَّةٍ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ زَمَنِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ( يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ) أَيْ : مِقْدَارِهِ ضَعْفًا وَقُوَّةً ، وَنَقْصًا وَكَمَالًا ، قَالَ الطِّيبـِيُّ : الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى ، وَاللَّامُ فِي الرَّجُلِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُتَوَالِيَةِ اهـ . وَيَصِحُّ كَوْنُهَا لِلْجِنْسِ ، بَلْ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ . ( فَإِنْ كَانَ ) : تَفْصِيلٌ لِلِابْتِلَاءِ وَقَدْرِهِ . ( فِي دِينِهِ صُلْبًا ) : خَبَرُ كَانَ أَيْ : شَدِيدًا ، وَاسْمُهُ ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَى الرَّجُلِ ، وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ . ( اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ أَيْ : كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً . ( وَإِنْ كَانَ ) أَيْ : هُوَ . ( فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ) : الْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رِقَّةٌ اسْمَ كَانَ أَيْ : ضَعُفٌ . قَالَ الطِّيبـِيُّ : جَعَلَ الصَّلَاةَ صِفَةً لَهُ ، وَالرِّقَّةَ صِفَةً لَهُ ، وَالرِّقَّةُ صِفَةٌ لِدِينِهِ مُبَالَغَةٌ وَعَلَى الْأَصْلِ اهـ . وَكَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الصُّلْبِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْجُثَثِ ، وَفِي الرِّقَّةِ أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الْمَعَانِي ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ . ( هُوِّنَ ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ سُهِّلَ وَقُلِّلَ . ( عَلَيْهِ ) أَيِ : الْبَلَاءُ . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : لِيَكُونَ ثَوَابُهُ أَقَلَّ . أَقُولُ : بَلْ رَحْمَةً عَلَيْهِ وَلُطْفًا بِهِ ، فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ، وَلَوْلَا التَّخْفِيفُ فِي بَلَائِهِ لَخُشِيَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ مِنَ ابْتِلَائِهِ ; وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا " . ( فَمَا زَالَ ) أَيِ : الرَّجُلُ الْمُبْتَلَى قَالَ الطِّيبـِيُّ : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى اسْمِ كَانَ الْأَوَّلِ . ( كَذَلِكَ ) أَيْ : أَبَدًا يُصِيبُ الصَّالِحَ الْبَلَاءُ ، وَيُغْفَرُ ذَنْبُهُ بِإِصَابَتِهِ إِيَّاهُ . ( حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ ) : كِنَايَةٌ عَنْ خَلَاصِهِ مِنَ الذُّنُوبِ ، فَكَأَنَّهُ كَانَ مَحْبُوسًا ، ثُمَّ أُطْلِقَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ . ( مَا لَهُ ) أَيْ : عَلَيْهِ . ( ذَنْبٌ ) : يَخْتَصُّ بِهِ ، وَرُبَّمَا يَكُونُ شَفِيعًا لِغَيْرِهِ . ( رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية