الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الفصل الثالث

1574 - عن أنس - رضي الله عنه - قال : كان غلام يهودي يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فمرض فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده ، فقعد عند رأسه ، فقال له : " أسلم " . فنظر إلى أبيه وهو عنده ، فقال : أطع أبا القاسم ; فأسلم . فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول " الحمد لله الذي أنقذه من النار " رواه البخاري .

التالي السابق


الفصل الثالث

1574 - ( عن أنس قال : كان غلام ) أي : ولد . ( يهودي ) : قيل : اسمه عبد القدوس . ( يخدم النبي - ) صلى الله عليه وسلم - : بضم الدال ويكسر . ( فمرض ، فآتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده ) : فيه دلالة على جواز عيادة الذمي . في الخزانة : لا بأس بعيادة اليهودي ، واختلفوا في عيادة المجوسي ، واختلفوا في عيادة الفاسق ، والأصح أنه لا بأس به ، ( فقعد عند رأسه ) : وهو من مستحبات العيادة . ( فقال له : " أسلم " فنظر ) أي : الولد . ( إلى أبيه وهو ) أي : أبوه . ( عنده ) قال ميرك : عن الشيخ في رواية أبي داود والإسماعيلي : وهو عند رأسه . ( فقال : أطع أبا القاسم ; فأسلم ) : في رواية النسائي فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله . نقله ميرك عن الشيخ . ( فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ) أي : النبي . ( يقول : " الحمد لله الذي أنقذه ) أي : خلصه ونجاه . ( من النار ) أي : لو مات كافرا ، قال ميرك عن الشيخ في رواية أبي داود : أنقذني من النار اهـ . فيكون ضمير هو يقول راجعا إلى [ ص: 1146 ] الغلام ، اللهم إلا أن تكون الرواية أنقذ بي بالباء ، فيكون المعنى أنقذه الله بسببي ، والله أعلم ، ثم ظاهر الحديث يؤيد مذهب الإمام أبي حنيفة حيث يقول بصحة إسلام الصبي ، وأغرب ابن حجر حيث قال : هو وإن كان حقيقة في غير البالغ ، لكن المراد هنا البالغ ، فلا دليل في الحديث لصحة إسلام الصبي ، ثم قال : وإنما صح إسلام علي - كرم الله وجهه - وهو صبي لما ذكره الأئمة : أن الإسلام قبل الهجرة كان منوطا بالتمييز . أقول : فما دليل النسخ بعدها من الحديث ، أو الكلام ، أو إجماع الأعلام ؟ ثم قال على : إن قوله : أنقذه من النار ، صريح في بلوغه إذ الأصح الذي عليه الأكثرون أن أطفال المشركين في الجنة ، وقوله - عليه الصلاة والسلام - : وهم من آبائهم قبل أن يعلمه الله ، فلما أعلمه أخبر به اهـ .

وأنت ترى أن هذا غير صريح في المدعى ، فإن مسألة الأطفال خلافية ، وقد توقف فيها الإمام الأعظم ، وأيضا لا دليل على أن هذا الحديث وقع بعد تقرر أن الأطفال في الجنة ، فيحمل على أنه قبل أن يعلمه الله تعالى إياه ، وعلى تقدير التسليم ، فالمراد أنقذه الله بي وبسببي لا بسبب آخر ، فترتب عليه زيادة رفعة درجته - عليه الصلاة والسلام - في تكثير أمته ، أو المراد من قوله : " من النار " الكفر المسمى نارا ; لأنه سببها ، أو يؤول إليها ، وأيضا بون بين ما يكون الشخص مؤمنا مستقلا في الجنة في المرتبة اللائقة به مخدوما معظما ، وبين ما يكون فيها تابعا لأهل الجنة خادما لغيره ، وليس في قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أطفال المشركين في الجنة " ما يمنع سبق عذابهم في النار . والمسألة غير صافية ، والأدلة غير شافية ، ولذا تحير فيها العلماء ، وتوقف فيها إمام الفقهاء ، والله تعالى أعلم بحقيقة الأشياء . ( رواه البخاري .




الخدمات العلمية