الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
3796 - وعنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من خير معاش الناس لهم ، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله ، يطير على متنه ، كلما سمع هيعة ، أو فزعة ، طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه ، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف ، أو بطن واد من هذه الأودية ، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ; ليس من الناس إلا في خير " . رواه مسلم .

التالي السابق


3796 - ( وعنه ) : أي أبي هريرة رضي الله عنه ( قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله ) : قال القاضي : المعاش المتعيش به يقال : عاش الرجل معاشا ومعيشا وما يعاش به ، فيقال له معاش ومعيش . وفي الحديث : يصح تفسيره بهما ; أي بالمعنيين ورجل بالابتداء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ; أي معاش رجل هذا شأنه من خير معاشهم النافع لهم . ( يطير على متنه ) : أي يسرع راكبا على ظهره مستعار من طيران الطائر ( كلما سمع هيعة ) : بفتح هاء وسكون تحتية ; أي صيحة يفزع منها ويجبن ، من : هاع يهيع إذا جبن ( أو فزعة ) : أي مرة من الاستغاثة وأو للتنويع . قال الطيبي : الفزعة فسر هنا بالاستغاثة من فزع إذا استغاث ، وأصل الفزع شدة الخوف ( وطار عليه ) : أي أسرع راكبا على فرسه طائرا إلى الهيعة ، أو الفزعة ( يبتغي القتل والموت مظانه ) ، بدل اشتمال من الموت والأكثر على أنه ظرف يبتغي وهو استئناف مبين لحاله ، أو حال من فاعل طار . قال الطيبي : أي لا يبالي ولا يحترز منه ، بل يطلبه حيث يظن أنه يكون في مظانه جمع مظنة ، وهي الموضع الذي يعهد فيه الشيء ، ويظن أنه فيه ، ووحد الضمير في مظانه إما لأنه الحاصل ، والمقصود منها واحد ، أو لأنه اكتفى بإعادة الضمير إلى الأقرب ، كما اكتفى بها في قوله تعالى : ( [ ص: 2460 ] والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) قلت : وفي كثير من الروايات بأو فإفراده على القياس ، ويمكن جعل الواو بمعنى أو لتجتمع الروايات . ( أو رجل في غنيمة ) : أي في معاشه ، والظرف متعلق به إن جعل مصدرا ، أو بمحذوف هو صفة لرجل ، وغنيمة تصغير غنم ، وهو مؤنث سماعي ، ولذلك صغرت بالتاء ، والمراد قطعة غنم ( في رأس شعفة ) . بفتحتين ; أي رأس جبل ( من هذه الشعف ) ، يريد به الجني لا العهد ( أو بطن واد ) : أي في بطن واد ( من هذه الأودية ، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ) : أي إن كانت عليه ( ويعبد ربه ) : تعميم بعد تخصيص ( حتى يأتيه اليقين ) ; أي الموت سمي به ; لأنه لا شك في تحقيق وقوعه . وقال الغزالي : الموت يقين يشبه الشك ( ليس ) : أي كل واحد من الرجلين ، أو الثاني ، وهو أقرب ( من الناس ) : أي من أمورهم ( إلا في خير ) ; أي في أمر خير .

قال الطيبي ، قوله : هذه في الموضعين للتحقير نحو قوله تعالى : ( وما هذه الحياة الدنيا ) ومن ثم صغر غنيمة وصفا لقناعة هذا الرجل بأنه يسكن في أحقر مكان ، ويجتزئ بأدنى قوت ويعتزل الناس شره ، ويستكفي شرهم عن نفسه ، ويشتغل بعبادة ربه حتى يجيئه الموت ، وعبر عن الموت باليقين ليكون نصب عينه مزيدا للتسلي ، فإن في ذكرها ذم اللذات ما يعرضه عن أغراض الدنيا ويشغله من ملاذها بعبادة ربه ، ألا ترى كيف سلى حبيبه صلوات الله عليه وسلامه حين لقي ما لقي عن أذى الكفار بقوله : ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ) إلى قوله : ( حتى يأتيك اليقين ) قال النووي : في الحديث دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الخلطة ، وفي ذلك خلاف مشهور ، فمذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن ، ومذهب طوائف من الزهاد أن الاعتزال أفضل ، واستدلوا بالحديث ، وأجاب الجمهور بأنه محمول على زمان الفتن والحروب ، أو فيمن لا يسلم الناس منه ، ولا يصبر على أذاهم ، وقد كانت الأنبياء صلوات الله عليهم وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين ، ويحصلون منافع الاختلاط بشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المريض وحلق الذكر وغير ذلك .

قال الطيبي : وفي تخصيص ذكر المعاش تلميح ، فإن العيش المتعارف من أنباء الدهر هو استيفاء اللذات والانهماك في الشهوات ، كما سميت البيداء المهلكة بالمفازة والمنجاة واللديغ بالسليم ، وتلميح إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة " وفيه أن لا عيش ألذ وأمر ، أو أشهى وأهنأ مما يجد من طاعة ربه ، ويستروح إليها حتى يرفع تكاليفها ومشاقها عنه ، بل إذا فقد ما كان أصعب عليه مما إذا وتر أهله وماله ، وإليه ينظر قوله - صلى الله عليه وسلم - : " أرحنا يا بلال " وقوله : " وجعل قرة عيني في الصلاة " وتعريض بذم عيش الدنيا ، وجماع معنى الحديث الحث على مجاهدة أعداء الدين ، وعلى مخالفة النفس والشيطان والإعراض عن استيفاء اللذات العاجلة . ( رواه مسلم ) .




الخدمات العلمية