الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الفصل الثالث

4662 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس ، فقال : الحمد لله ، فحمد الله بإذنه ، فقال له ربه : يرحمك الله يا آدم ! اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس ، فقل : السلام عليكم ، فقال : السلام عليكم . قالوا : عليك السلام ورحمة الله . ثم رجع إلى ربه ، فقال : إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم . فقال له الله ويداه مقبوضتان : اختر أيتهما شئت . فقال : اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ، ثم بسطها ، فإذا فيها آدم وذريته ، فقال : أي رب ! ما هؤلاء ؟ قال : هؤلاء ذريتك ، فإذا كل إنسان مكتوب عمره بين عينيه ، فإذا فيهم رجل أضوأهم - أو من أضوئهم - قال : يا رب ! من هذا ؟ قال : هذا ابنك داود وقد كتبت له عمره أربعين سنة . قال : يا رب زد في عمره . قال : ذلك الذي كتبت له . قال : أي رب ! فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة . قال : أنت وذاك . [ قال : ثم سكن الجنة ما شاء الله ، ثم أهبط منها ] ، وكان آدم يعد لنفسه ، فأتاه ملك الموت ، فقال له آدم : قد عجلت ، قد كتب لي ألف سنة . قال : بلى ، ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة ، فجحد فجحدت ذريته ، ونسي فنسيت ذريته " قال : " فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود " . رواه الترمذي .

التالي السابق


الفصل الثالث

4662 - ( عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس ) : بفتح الطاء ويكسر ( فقال : الحمد لله ) أي : فأراد أن يقول : الحمد لله ( فحمد الله بإذنه ) ، أي : بتيسيره وتوفيقه أو بأمره وحكمه أو بقضائه وقدره . قال الطيبي : وتخصيص الحمد بالذكر إشارة إلى بيان قدرته الباهرة ونعمته المتظاهرة ; لأن الحمد هو الثناء على الجميل من الفضل والإفضال ، وذلك أنه تعالى أبدعه إبداعا جميلا وأنشأه خلقا سويا صحيحا فعطس ، فإنه مشعر بصحة المزاج ، فوجب الحمد على ذلك ، ولا ارتياب أن وقوفه على قدرة الله تعالى ، وإفضاله عليه لم يكن إلا بتوفيقه وتيسيره . قلت : ومن جملة التوفيق والتيسير حكمه وأمره والكل بقضائه وتقديره . قال : وفي فاء التعقيب إشارة إلى ذلك . قلت : ولا مانع أن يكون إشارة إلى كل مما ذكر هنالك .

( فقال له ربه : يرحمك الله يا آدم ! ) يحتمل أن تكون متممة ومقدمة ، لكن الثاني أظهر ، ثم الظاهر أن هذا الخطاب المستطاب بعد سجود الملائكة له كما يستفاد من قوله تعالى : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين والمعنى : يا آدم . ( اذهب إلى أولئك الملائكة ) : الظاهر أن المراد بهم جمع من المقربين ، أو الموكلين على الحسنات من أرباب اليمين ، وقوله : ( إلى ملأ منهم ) : يحتمل أن يكون بدلا فيكون من كلام الله تعالى ، ويحتمل أن يكون حالا ، فيكون من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيانا لكلام الله تعالى ، وهو إلى الحال أقرب منه إلى البدل ، يعني : قال الله تعالى أولئك مشيرا به إلى ملأ منهم ( جلوس ) : بالجر صفة ملأ ، أي : جالسين أو ذوي جلوس ( فقل : السلام عليكم ) .

قال الطيبي : لما وفقه تعالى لقيام الشكر على نعمه السابغة ، وأوقفه على قدرته الكاملة علمه كيفية المعاشرة مع الخلق حتى يفوز بحسن الخلق مع الخلق بعد تعظيم الحق ، وأما تخصيص السلام بالذكر ، فإنه فتح باب المودات ، وتأليف قلوب الإخوان المؤدي إلى استكمال الإيمان . ( فقال ) أي : فذهب آدم إليهم فقال : ( السلام عليكم ) . وفي بعض النسخ هذه الجملة محذوفة للعلم بها ( فقالوا : عليك السلام ورحمة الله ، ثم رجع إلى ربه ) ، أي : إلى مكان كلمه ربه فيه تبركا به وتيمنا بمقامه ، ولما في العادة أن يرجع المأمور إلى حيث أمره الآمر وينتظر بيان حكمة الآمر ( فقال ) : أي : الرب سبحانه ( هذه ) أي : الكلمات المذكورة ( تحيتك وتحية بنيك ) : فيه تغليب أي

[ ص: 2954 ] ذريتك ( بينهم ) ، أي : فيما بينهم عند ملاقاتهم ، فهذه سنة قديمة ومنة جسيمة ( فقال له الله ويداه مقبوضتان ) : الجملة حال والضمير لله ، وحقيقة معناه يعجز عنه ما سواه ، ومذهب السلف من نفي التشبيه وإثبات التنزيه مع التفويض أسلم ، وسيأتي كلام بعض أهل الخلف مع خلف فيما بينهم مع دعواهم أن هذا المذهب أعلم ، وكان بعض مشايخنا يقول : إن لله تجليات صورية مع تنزه ذاته عن أمور عارضية ، فيزول بها كثير من الإشكالات المتعلقة بالصفات المفهومة من الأحاديث والآيات ، وأقرب ما قيل في هذا المقام من التأويل : أنه أراد باليدين صفتي الجمال والجلال ، وأن الجمال هو اليمين المطلق ، وإن كان اليمين في الجلال أيضا قد تحقق ، وبهذا يتضح معنى قوله تعالى لآدم : ( اختر أيتهما ) ، أي من اليدين ( شئت ) أي : أردت ( فقال : اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين ) : من كلام آدم أو من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقوله : ( مباركة ) ، صفة كاشفة ( ثم بسطها ) ، أي : فتح الرب تعالى يمينه ( فإذا فيها ) أي : موجود ( آدم وذريته ) أي : مثاله وأمثلة أولاده . قال الطيبي : يقول النبي - صلى الله عليه وسلم : يعني رأى آدم مثاله ومثال بنيه في عالم الغيب ( فقال : أي رب ! ما هؤلاء ؟ ) ظاهره مشعر بأن هذه القضية قبل الميثاق ( قال : هؤلاء ذريتك ) ، الظاهر من كونهم في اليمين اختصاصهم بالصالحين من أصحاب اليمين والمقربين ، ويدل عليه أيضا قوله : ( فإذا كل إنسان ) أي : منهم ( مكتوب عمره بين عينيه ، فإذا فيهم رجل أضوأهم ) فيه دلالة على أن لكلهم ضياء ، لكنه يختلف فيهم بحسب نور إيمانهم ، هذا وقد قال الطيبي : قوله : وكلتا يدي ربي يمين كالتتميم صونا لما يتوهم من إنبات الجارحة من الكلام السابق . قلت : هذا غير ظاهر ، بل إنه تذييل وتكميل احتراسا لما يتوهم من قول آدم اخترت يمين ربي أن له سبحانه يسارا وشمالا ، فتكون أحدهما أقوى من الأخرى أو أبرك وأيمن وأحرى ، ثم قال : وللشيخ أبي بكر بن محمد بن الحسن بن فورك كلام متين فيه قال : واليدان إن حملتا على معنى القدرة والملك صح ، وإن حملتا على معنى النعمة والأثر الحسن صح ; لأن ذلك مما حدث في ملكه بتقديره وعن ظهور نعمته على بعضهم . قلت : لا ارتياب في صحة هذا الكلام في نفسه ، وأما إرادة هذا المعنى من هذا المبنى في هذا المقام ، فيحتاج إلى بسط في الكلام ليظهر المقصود ويتضح المرام .

ثم قال ابن فورك : قد ذكر بعض مشايخنا أن الله عز وجل هو الموصوف بيد الصفة لا بيد الجارحة ، وإنما تكون يد الجارحة يمينا ويسارا ; لأنهما يكونان لمتبعض ومتجزئ ذي أعضاء ، ولما لم يكن ما وصف الرب به يد جارحة بين بما قال أن ليست هي يد جارحة ، قيل : المراد أن الله عز وجل لما وصف باليدين ، ويدا الجارحة تكون إحداهما يمينا والأخرى يسارا ، واليسرى ناقصة في القوة والبطش . عرفنا - صلى الله عليه وسلم - كمال صفة الله عز وجل ، وأنه لا نقص فيها ، ويحتمل أن آدم عليه السلام لما قيل له اختر أيتهما شئت فقال : اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين أراد به لسان الشكر والنعمة ، لا لسان الحكم والاعتراف بالملك فذكر الفضل والنعمة ; لأن جميع ما يبديه عز وجل من مننه فضل وطول من مبتدأ ؛ فمن منفوع ينفعه ، ومن مدفوع عنه يحرسه ، فقصد قصد الشكر والتعظيم للمنة . وقيل : أراد به وصف الله تعالى بغاية الجود والكرم والإحسان والتفضل ، وذلك أن العرب تقول لمن هو كذلك كلتا يديه يمين ، وإذا نقص حظ الرجل وبخس نصيبه قيل جعل سهمه في الشمال ، وإذا لم يكن عنده اجتلاب منفعة ولا دفع مضرة قيل : ليس فلان باليمين ولا بالشمال .

وقال ابن فورك أيضا في حديث آخر نحوه : إن ذلك كان من ملك أمره الله عز وجل بجمع أجزاء الطين من جملة الأرض أمره بخلطها بيديه ، فخرج كل طيب بيمينه ، وكل خبيث بشماله ، فتكون اليمين والشمال للملك ، فأضاف إلى الله تعالى من حيث كان عن أمره ، وجعل كون بعضهم في يمين الملك علامة لأهل الخير منهم ، وكون بعضهم في شماله علامة لأهل الشر منهم ، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال .

قال الطيبي : وأقول - وبالله التوفيق - وتقريره على طريقة أصحاب البيان ، هو أن إطلاق اليد على القدرة تارة ، وعلى النعمة أخرى من إطلاق السبب على المسبب ; لأن القدرة والنعمة صادرتان عنها ، وهي منشؤهما ، وكذا القدرة منشأ الفعل والفعل إما خير أو شر وهداية وإضلال ، واليدان في الحديث إذا حملتا ، على القدرة حملتا

[ ص: 2955 ] على خلق الخير والشر والهداية والإضلال ، فاليمين عبارة عن خلق الهدى والإيمان ، وإليه الإشارة بقوله : فإذا فيهم رجل أضوأهم على أفعل التفضيل الذي يقتضي الشركة ، والشمال على عكسها ، ومعنى كلتا يديه يمين أن كلا من خلق الخير والشر والإيمان والكفر من الله تعالى عدل وحكمة ; لأنه عزيز يتصرف في ملكه كيف يشاء لا مانع له فيه ولا منازع ، حكيم يعلم بلطف حكمته ما يخفى على الخلق ، يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ، فمعنى اليمين كما في قول الشاعر :

إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين



أي : بتدبيره الأحسن وتحريه الأصوب ، وإذا حملتا على النعمة كان اليمين المبسوطة عبارة عن منح الألطاف وتيسير اليسرى على أهل السعادة من أصحاب اليمين ، والشمال المقبوضة على عكسها . ومعنى كلتا يديه يمين على ما سبق قال تعالى : الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم ، فالفاصلتان في الآيتين أعني : " العزيز الحكيم " و " بكل شيء عليم " ، ملوحتان إلى معنى ما في الحديث من قوله : كلتا يديه يمين ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، والله أعلم . اهـ . كلامه .

وحاصل مرامه ، أن اليدين كنايتان عن آثار صفتي الجمال والجلال من الضياء والظلمة ، والطاعة والمعصية ، وما يترتب عليهما من النار والجنة ، فأصل إيجاد الخلق بعد عدمهم وقع على وجه الجلال إظهارا للكبرياء والجبروت الناشئ عن صفة العدل ، ثم أظهر لمن شاء منهم كمال الجمال الناشئ عن صفة الفضل ، ويشير إليه ما ورد عنه أن الله خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه فقد ضل وغوى ، ولا شك أن نور المؤمنين والأنبياء والمرسلين في مراتب مختلفة ، فقوله : فيهم رجل أضوأهم ، أي : أضوأ من بعضهم ، وهو أهل زمانه كما يدل عليه قوله : ( - أو من أضوئهم - ) : وهو يحتمل أنه من باب الاستدراك أي : بل من أضوئهم ، ويحتمل أن يكون شكا من الراوي ، ووجه تخصيصه من باب تفويض علمه إلى عالمه ، ولعله كونه من أقل الأنبياء عمرا ، أو لأنه أكثر الأنبياء في البكاء كآدم على ما ظهر منهما من الخطأ .

قال الطيبي : هو من شك الراوي ، فعلى هذا من أضوئهم صفة رجل وفيهم خبره ، وعلى إسقاط من هو مستأنف أي : هو أضوأهم ، وليس المعنى بقوله : أضوأهم أن سائر الأنبياء في الضوء والإشراق دونه ، بل لبيان فضله وجمعه بين النبوة والملك ، وإفاضة نور العدل من الله تعالى عليه ، وأنه خليفة الله في أرضه . قال تعالى : إنا جعلناك خليفة في الأرض ، قلت : لو كان هذا المعنى مرادا لكان سليمان أولى بذلك ، مع أن الملك لذاته ليس له نور هنالك ، بل له حجاب ظلماني يمنع صاحبه غالبا عن كمال نوراني ، ولذا يدخل سليمان الجنة بعد الأنبياء بخمسمائة سنة ، وكذا يدخل عبد الرحمن بن عوف بسبب ماله الكثير المشبه بالملك الكبير بعد فقراء المهاجرين بخمسمائة عام . ( قال : يا رب ! من هذا ؟ ) : قال الطيبي : ذكر أولا ما هؤلاء ; لأنه ما عرف ما رآه ، ثم لما قيل له هم ذريتك فعرفهم ، فقال : من هذا ؟ ( قال : هذا ابنك داود وقد كتبت له عمره أربعين سنة ) . وفي نسخة : عمره بالإضافة إلى ضميره . قال الطيبي قوله : عمر أربعين مفعول كتبت ، ومؤدى المكتوب ; لأن المكتوب عمره أربعون سنة ، ونصب أربعين على المصدر على تأويل كتبت له أن يعمر أربعين سنة . ( قال : يا رب زد في عمره ) . أي : من عندك وفضلك ( قال : ذلك الذي كتبت له ) . أي : قدرت وقضيت لأجله ، ولا مرد لقضائي ، ولا تبديل لقدري . قال الطيبي : ذلك الذي مبتدأ وخبر معرفتان فيفيد الحصر أي : لا مزيد على ذلك ولا نقصان ، وكان كذلك حيث وهب ، ثم رجع . قلت : لكن روي أنه أعطى ما وهب له وكمل لآدم عمره من فضله ، وهذا أظهر ، وفيه استجابة لدعوة آدم عليه السلام أيضا ، وقد يكون العمر المعلق يزيد ، كما أشار إليه سبحانه وتعالى : وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير ، وكذا ما في بعض الأحاديث من أن الصدقة تزيد في العمر .

[ ص: 2956 ] ( قال ) : يعني آدم ( أي رب ) أي : يا رب ( فإني ) أي : إذا أبيت الزيادة من عندك ، فإني ( قد جعلت له من عمري ) أي : من جملة مدة عمري وسنه ( ستين سنة ) . أي : تكملة للمائة ، والظاهر أن المراد بهذا الخبر الدعاء والاستدعاء من ربه أن يجعله سبحانه كذلك ، فإن أحدا لم يقدر على هذا الجعل ، وفي الحديث إشكال ؛ إذ تقدم في صدر الكتاب في الفصل الثالث من باب الإيمان بالقدر ما يخالف هذا ، ويمكن الجمع والله أعلم بأنه جعل له من عمره أولا أربعين ، ثم زاد عشرين فصار ستين . ونظيره قوله تعالى : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ، وقوله تعالى : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ، ولا يبعد أن يتكرر مأتى عزرائيل عليه السلام للامتحان بأن جاء وبقي من عمره ستون ، فلما جحده رجع إليه بعد بقاء أربعين على رجاء أنه تذكر بعد ما تفكر فجحد ثانيا ، وهذا أبلغ في باب النسيان والله المستعان ، والأظهر أنه وقع شك للراوي ، وتردد في كون العدد أربعين أو ستين ، فعبر عنه تارة بالأربعين وأخرى بالستين ، ومثل هذا وقع من المحدثين وأجاب عنه بما ذكرنا بعض المحققين ، ومهما أمكن الجمع فلا يجوز القول بالوهم والغلط في رواية الحفاظ المتقنين ، وأما ما قيل من أن ساعات أيام عمر آدم كانت أطول من زمان داود ، فموقوف على صحة النقل ، وإلا فبظاهره يأباه العقل كما حقق في دوران الفلك عند أهل الفضل .

( قال : أنت وذاك ) . يحتمل البراءة ، ويحتمل الإجابة . قال الطيبي : هو نحو قولهم كل رجل وضيعته أي : أنت مع مطلوبك مقرونان ( وكان ) أي : ( آدم ) : كما في نسخة صحيحة ( يعد لنفسه ) ، أي : يقدر له ويراعي أوقات أجله سنة فسنة ( فأتاه ) أي : امتحانا ( ملك الموت ) ، أي : بعد تمام تسعمائة وأربعين سنة ( فقال له آدم : قد عجلت ) ، بكسر الجيم أي : استعجلت وجئت قبل أوانه . ( قد كتب لي ألف سنة . قال : بلى ، ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة ، فجحد ) أي : أنكر آدم ( فجحدت ذريته ) : بناء على أن الولد من سر أبيه ( ونسي فنسيت ذريته ) : لأن الولد من طينة أبيه ، والظاهر أن معناه : أن آدم نسي هذه القضية فجحد فيكون اعتذارا له ، إذ يبعد منه - صلى الله عليه وسلم - أن ينكر مع التذكر ، فقول الطيبي يشير به إلى قوله تعالى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ، ليس في محله إذ الآية في قضية أكل الشجرة . ( قال ) أي : النبي عليه السلام ( فمن يومئذ أمر ) : بصيغة المجهول أي : أمر الناس أو الغائب ، وقوله ( بالكتاب ) أي : بكتابة الحجة ( والشهود ) . في القضية وجمع بينهما احتياطا ( رواه الترمذي ) أي : في جامعه في آخر كتاب التفسير ، وقال : حسن غريب من هذا الوجه ، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - اهـ . وأما الحديث السابق في صدر الكتاب ، فقد أخرجه الترمذي في أثناء سورة الأعراف وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - اهـ . فالحديث السابق أرجح ، وكذا أوفق لسائر الأحاديث الواردة ، كما في الدر المنثور ، والجامع الكبير للسيوطي - رحمه الله تعالى - والله سبحانه أعلم .




الخدمات العلمية