الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                          المقنع لابن قدامة بَابُ الْمُوصَى إِلَيْهِ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ عَدْلٍ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ مُرَاهِقًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ ، وَلَا تَصِحُّ إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَعَنْهُ : تَصِحُّ إِلَى الْفَاسِقِ ، وَيَضُمُّ الْحَاكِمُ إِلَيْهِ أَمِينًا ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَاتِ ، ثُمَّ وُجِدَتْ عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَهَلْ تَصِحُّ ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ وَإِذَا أَوْصَى إِلَى وَاحِدٍ ، وَبَعْدَهُ إِلَى آخَرَ ، فَهُمَا وَصِيَّانِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ : قَدْ أَفْرَجْتُ الْأَوَّلَ ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا ، أَقَامَ الْحَاكِمُ مَكَانَهُ أَمِينًا ، وَكَذَلِكَ إِنْ فَسَقَ ، وَعَنْهُ : يُضَمُّ إِلَيْهِ أَمِينٌ وَيَصِحُّ قَبُولُهُ لِلْوَصِيَّةِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ ، وَعَنْهُ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلِلْمُوصَى عَزْلُهُ مَتَى شَاءَ ، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَعَنْهُ لَهُ ذَلِكَ وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إِلَّا فِي مَعْلُومٍ يَمْلِكُ الْمُوصِي فِعْلَهُ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ ، وَتَفْرِيقِ الْوَصِيَّةِ ، وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ وَإِذَا أَوْصَى إِلَيْهِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَصِرْ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ ، وَإِذَا أَوْصَى بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ ، فَأَبَى الْوَرَثَةُ إِخْرَاجَ ثُلُثِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، أَخْرَجَهُ كُلَّهُ مِمَّا فِي يَدِهِ ، وَعَنْهُ : يُخْرِجُ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ ، وَعَنْهُ : يُخْرِجُ وَيَحْبِسُ بَاقِيهِ حَتَّى يُخْرِجُوا وَإِنْ أَوْصَاهُ بِقَضَاءِ دَيْنٍ مُعَيَّنٍ فَأَبَى الْوَرَثَةُ ذَلِكَ ، قَضَاهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِمْ ، وَعَنْهُ : فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِمَيِّتٍ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَنَّهُ يَقْضِي دَيْنَ الْمَيِّتِ إِنْ لَمْ يَخَفْ تَبِعَةً . المبدع شرح المقنع بَابُ الْمُوصَى إِلَيْهِ لَا بَأْسَ بِالدُّخُولِ فِي الْوَصِيَّةِ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ لَمَّا عَبَرَ الْفُرَاتَ ، أَوْصَى إِلَى عُمَرَ ، وَأَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ سِتَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ : عُثْمَانُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَلِأَنَّهَا وَكَالَةٌ أَشْبَهَتِ الْوَدِيعَةَ ، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ فِيهَا أَوْلَى لِمَا فِيهَا مِنَ الْخَطَرِ ، وَهُوَ لَا يَعْدِلُ بِالسَّلَامِ شَيْئًا ، كَمَا كَانَ يَرَى عَدَمَ الِالْتِقَاطِ ، وَتَرْكَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ شَاهِدٌ بِذَلِكَ . ( تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ عَدْلٍ ) مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ إِجْمَاعًا ، وَلَوْ مَسْتُورًا أَوْ عَاجِزًا ، وَيُضَمُّ إِلَيْهِ أَمِينٌ ( وَإِنْ كَانَ عَبْدًا ) لِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِنَابَتُهُ فِي الْحَيَاةِ ، فَصَحَّ أَنْ يُوصَى إِلَيْهِ كَالْحُرِّ ، وَظَاهِرُهُ : لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلْمُوصِي أَوْ لِغَيْرِهِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ ، لَكِنْ إِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ ، اشْتُرِطَ إِذْنُ سَيِّدِهِ ، وَخَصَّهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ بِعَبْدِهِ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ : لَا تَصِحُّ إِلَى عَبْدٍ بِحَالٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلِيًّا عَلَى ابْنِهِ بِالْكَسْبِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ الْوَصِيَّةَ كَالْمَجْنُونِ . وَجَوَابُهُ : بِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْمَرْأَةِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ كَالْعَبْدِ ( أَوْ مُرَاهِقًا ) بِكَسْرِ الْهَاءِ ، وَهُوَ الْقَرِيبُ مِنَ الِاحْتِلَامِ ، فَظَاهِرُهُ : أَنَّ الْبُلُوغَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهَا ; لِأَنَّ الْمُرَاهِقَ كَالْبَالِغِ فِي إِمْكَانِ التَّصَرُّفِ ، فَصَحَّتْ إِلَيْهِ كَالْبَالِغِ ، وَهَذَا رِوَايَةٌ ، وَفِي أُخْرَى تَصِحُّ إِلَى مُمَيِّزٍ ، وَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ وَكَالَتِهِ ، فَيُعْتَبَرُ عَلَى هَذَا مُجَاوَزَةُ الْعَشْرِ ، وَفِي الْمُغْنِي : لَا أَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ ، وَالْمَذْهَبُ اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ ، جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ ، وَهُوَ مُوَلًّى عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ ، كَالطِّفْلِ ( أَوِ امْرَأَةً ) ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَمْ يُجِزْهُ عَطَاءٌ ; لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ قَاضِيَةً ، وَجَوَابُهُ : بِأَنَّ عُمَرَ أَوْصَى إِلَى حَفْصَةَ ، وَلِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَاتِ ، أَشْبَهَتِ الرَّجُلَ ، وَتَخَالَفَ الْقَضَاءُ ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ لَهُ الْكَمَالُ فِي الْخِلْقَةِ وَالِاجْتِهَادِ ( أَوْ أُمَّ وَلَدٍ ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا تَكُونُ حُرَّةً مِنْ أَصْلِ الْمَالِ عِنْدَ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ ، وَلَا تَصِحُّ إِلَى غَيْرِهِمْ كَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ ; لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمَا ، فَلَا يَلِيَانِ عَلَى غَيْرِهِمَا ، وَالْكَافِرِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَلَمْ تَصِحَّ إِلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَالْفَاسِقِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينٍ ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ كَالْمَجْنُونِ ، وَكَذَا لَا تَصِحُّ إِلَى مَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى التَّصَرُّفِ لِسَفَهٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ هَرَمٍ ، وَنَحْوِهِ ، ( وَعَنْهُ : تَصِحُّ إِلَى الْفَاسِقِ ، وَيَضُمُّ الْحَاكِمُ إِلَيْهِ أَمِينًا ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ جَمْعًا بَيْنَ نَظَرِ الْمُوصِي وَحِفْظِ الْمَالِ ، وَشَرَطَهُ إِنْ أَمْكَنَ الْحِفْظُ بِهِ ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ ، وَغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ تَصِحُّ إِلَيْهِ مُطْلَقًا ، أَيْ : لَا يَفْتَقِرُ إِلَى أَمِينٍ ، حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ ، وَأَخَذَهَا فِي الْمُغْنِي مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ إِذَا كَانَ مُتَّهَمًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَهْلُ الِائْتِمَانِ فِي الْجُمْلَةِ بِدَلِيلِ جَوَازِ إِيدَاعِهِ لَكِنَّ تَتِمَّةَ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، وَيُجْعَلُ مَعَهُ آخَرُ كَرِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى ، إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا ، ضُمَّ إِلَيْهِ أَمِينٌ يَعْلَمُ مَا جَرَى ، وَلَا تُنْزَعُ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ ، وَذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ فِي فِسْقٍ طَارِئٍ فَقَطْ ، وَقِيلَ : عَكْسُهُ ، وَتَرْجَمَةُ الْخَلَّالِ : هَلْ لِلْوَرَثَةِ ضَمُّ أَمِينٍ مَعَ الْوَصِيِّ الْمُتَّهَمِ ، ثُمَّ إِنْ ضَمَّهُ بِأُجْرَةٍ مِنَ الْوَصِيَّةِ ، تَوَجَّهَ جَوَازُهُ وَمِنَ الْوَصِيِّ ، فِيهِ نَظَرٌ بِخِلَافِ ضَمِّهِ مَعَ الْفِسْقِ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا نَظَرَ لِحَاكِمٍ مَعَ وَصِيٍّ خَاصٍّ كُفْءٍ . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ أُوصِيَ إِلَيْهِ بِإِخْرَاجِ حَجَّةٍ : وِلَايَةُ الدَّفْعِ ، وَالتَّعْيِينُ لِلنَّاظِرِ الْخَاصِّ ، وَإِنَّمَا لِلْوَلِيِّ الْعَامِّ الِاعْتِرَاضُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ فِعْلِهِ مُحَرَّمًا فَظَاهِرُهُ : أَنَّهُ لَا نَظَرَ ، وَلَا ضَمَّ مَعَ وَصِيٍّ غَيْرِ مُتَّهَمٍ ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ ( وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَاتِ ثُمَّ وُجِدَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَهَلْ تَصِحُّ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ ) أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْأَصَحُّ - أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي الْوَصِيِّ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ وَالْمَوْتِ ; لِأَنَّهَا شُرُوطُ الْعَقْدِ ، فَيُعْتَبَرُ حَالُ وُجُودِهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهَا تُعْتَبَرُ حَالَةُ الْمَوْتِ حَسْبُ ، كَالْوَصِيَّةِ لَهُ ، وَلِأَنَّ شُرُوطَ الشَّهَادَةِ تُعْتَبَرُ حَالَةَ التَّحَمُّلِ ، لَا الْأَدَاءِ ، وَرُدَّ : بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ لِوَارِثٍ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ عَدَمُ الْإِرْثِ وَخُرُوجُهَا مِنَ الثُّلُثِ لِلنُّفُوذِ وَاللُّزُومِ ، فَاعْتُبِرَ بِحَالَتِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنَّهَا شُرُوطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ ، فَاعْتُبِرَ بِحَالَةِ الْعَقْدِ ، وَلَا يَنْفَعُ وُجُودُهَا بَعْدَهُ ، وَقِيلَ : يُعْتَبَرُ مَا بَيْنَهُمَا .

                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                          الخدمات العلمية