الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

بقلم: عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي أرشدنا إلى المنهج التربوي السليم، وجعل لنا من أنفسنا أزواجا لنسكن إليها، وجعل بيننا مودة ورحمة،

فقال تعالى: ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) (الروم: 21)

واعتبر ذلك سبيلا لنسل صالح، وتربية للأطفال في مناخ يسوده الدفء الاجتماعي، ومحضن أسري أمين بعيد عن الصراع بين المرأة والرجل، حماية للأطفال من التشرد والتبعثر والجنوح والضياع، ذلك أن التربية الأسرية هـي مرحلة وضع البذور، التي تحدد مستقبل الحياة السلوكية للأطفال.. وجعل دعاء المسلم المستمر حراسة لهذه المسيرة على الهدي الرشيد، وشحذ الهمة لمزيد من الرعاية والعطاء،

متمثلا في قوله تعالى: ( ربنا هـب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ) (الفرقان: 74.)

وطلب إلينا الاستمرار في الحس بنعمة الولد، والامتداد بالنظام الأسري المترابط الطاهر النظيف، بالشكر لله على دوام وتوفيق مسيرة الحياة بشكلها الصحيح،

يقول تعالى: ( رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ) (الأحقاف: 15) .

والصلاة والسلام على الرؤوف الرحيم، السراج المنير، الذي بعث معلما، وكانت سيرته وسنته في التربية للأطفال وفهم عالمهم، وكيفية التعامل معهم، أنموذجا يحتذى، والذي بين أن الولد الصالح امتداد للأب، ومعين لا ينضب لاستمرار ثواب الوالدين، حتى بعد الممات وتوقف الحياة، بقوله: ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) (رواه مسلم عن أبي هـريرة ) .. وجعل صلة الأرحام والتماسك الأسري الاجتماعي، سببا في البركة بالرزق، وبقاء الذكر بعد الموت، فقال: ( من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) (رواه البخاري ومسلم من حديث أنس ) .

وبعد، فهذا كتاب الأمة التاسع والخمسون: (نحو مجلة رائدة للأطفال) للدكتور مالك إبراهيم الأحمد ، في سلسلة " كتاب الأمة " ، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات، بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة قطر ، مساهمة في إخراج الأمة المسلمة، وإعادة البناء لمجتمع الغد المأمول، وتأسيس الرؤية الثقافية على معرفة الوحي المعصوم في الكتاب والسنة، وإحياء دور العقل في النظر، وبيان أهمية الاجتهاد الفقهي والفكري لقضايا الأمة ومشكلاتها المعاصرة، في ضوء هـدايات والوحي، ومكتسبات العقل وإبداعاته، لإعادة نسغ الحياة لواقع المسلمين المتخلف الراكد، والحيلولة دون تمدد (الآخر) ، في فراغنا الثقافي والتشريعي والتربوي والتعليمي والإعلامي، وإعادة التأكيد العملي على أن خلود هـذا الدين يعني القدرة على استيعاب قضايا العصر ومشكلاته، كما يعني القدرة على استيعاب قضايا العصر ومشكلاته، كما يعني القدرة على إنتاج النماذج المتميزة، المتمثلة بقيم هـذا الدين، المثيرة للاقتداء في كل زمان ومكان، وتحقيق المناعة الحضارية، أو (التقوى) بالمصطلح القرآني، من خلال إعادة الفاعلية.

أو بتعبير أدق: إعادة الانفعال والبصارة بالقيم المعيارية في الكتاب والسنة، لضبط مسيرة الحياة، والتحول من حالة الغزو الثقافي والاستلاب الحضاري، إلى مرحلة التبادل المعرفي في ضوء مقاييس صحيحة، تحمي ثقافة الأمة، وتمكن المسلم من معرفة ماذا يأخذ وماذا يدع، وبذلك يصبح قادرا على إدراك الحكمة، التي تشكل ضالته المنشودة أينما وجدت، بعيدا عن الخبط الأعشى.

ولعلي أشبه حاجة مسيرة الحياة إلى هـدايات معرفة الوحي في الكتاب والسنة ـ حتى لا يضل العقل ويشقى الإنسان ـ بحاجة الآلة إلى دليل التشغيل، ومعرفة كيفية معالجة الأعطال الطارئة أو المتوقعة، ذلك أن أية آلة منتجة، فاقدة لدليل التشغيل ومخطط التصميم، تصبح كما مهملا، وعبئا على الإنسان، ومشكلة له، بدل أن تكون حلا ومعوانا لجهده.. وقد لا يكون مستغربا على أي باحث في علم التاريخ والحضارة والتربية، بل في ما يسمى اليوم بعلوم استشراف المستقبل، مع الكثير من التجاوز في تسميتها " علوم " ـ والأطفال هـم مجتمع المستقبل ـ أن القيم المعيارية في الكتاب والسنة ركزت كثيرا على الماضي، واعتبرته محورا لا يمكن الاستغناء عنه لأي باحث ومفكر في إدراك الحاضر، بمكوناته ومقدماته واتجاهاته، وإبصار المستقبل بتوقعاته وتداعياته؛ لأن الماضي هـو محل اختبار صدقية السنن واستقرارها، ومنحها الأجل الكافي لحصول عواقبها، لذلك فإن من لا يعي الماضي لا يحسن الفهم والعامل لا مع الحاضر ولا مع المستقبل.

وقد يكون من أهم خصائص الأمة المسلمة، التي تحول دون ذوبانها وتمنحها الفاعلية، وتدفعها إلى النهوض والتجدد الذاتي، أن الله شرفها بحمل الرسالة الخاتمة، وأكرمها بمعرفة الوحي الذي ينير لها الطريق، ويمنحها الهداية والوقاية، وعصمها بمنهج النبوة، وصرف لها في القرآن ـ الذي نزل تبيانا لكل شيء ـ من كل مثل، ليكون في ذلك أنموذجا يقتدى في كل حالة تمر بها البشرية إلى يوم الدين.

ولعل مما يفلت الانتباه في الرؤية القرآنية، أنها لم تقتصر في أمثلتها ونماذجها على عصر ومرحلة النبوة الخاتمة، وإنما استوعبت تاريخ البشرية، واستقرأت مسيرة النبوة ومجاهدة الأنبياء، منذ بدء الخلق، وكيفية ومؤهلات هـذا الخلق واستعداداته،

قال تعالى: ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) (العنكبوت: 20) ،

وقال سبحانه: ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) (النحل:78) ..

ولم تتوقف عند عالم الشهادة، بل امتدت بالرؤية إلى عالم الغيب،

قال تعالى: ( ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير ) (العنكبوت:20) ،

الذي يأتي حلقة متكاملة مع عالم الشهادة، وهدفا لمسيرة الحياة القاصدة.

وعلى الرغم من عطاء معرفة الوحي، التي تسدد مسيرة الرسالة الخاتمة في البيان والهدى والموعظة والوقاية، وإيراد النماذج والأمثلة التاريخية، إلا أن ذلك لم يغن عن الحض على السير في الأرض، والتوغل في التاريخ بشكل أعم، مما ورد ذكره في القرآن والسنة، والذي أفردت له مساحات تعبيرية واسعة، من حياة الأمم السابقة ومسيرة الأنبياء ـ كما أسلف ـ لتأكيد صدقية هـذه المعرفة من جانب، ودعوة العقل المسلم لاعتماد هـذه النماذج والأمثلة، والسنن التي تحكمها وتمكن وراءها، في استشراف الماضي، والتعرف إلى السنن والقوانين التي تنتظم الحياة والأحياء، فلا يضل سعي المسلم، ولا تزل قدمه، ولا تتعطل إرادته عن مغالبة قدر بقدر، ولا يتوقف كسبه وارتقاؤه، ولا يقف عاجزا أمام التعامل مع حاضره، والتبصر بمستقبله، على هـدي ذلك الماضي البعيد.

ولعل الدعوة الملحة لتدبر القرآن، والثواب الموعد على التلاوة، مهما كانت أقدراها: ( من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (ألم) حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ) (رواه الترمذي من حديث ابن مسعود ، وقال: حسن صحيح غريب) ، وفضل الاجتماع على تلاوة القرآن وتدارسه، وما يمنح ذلك أصحابه من السكينة، ويلحق بهم من الرحمة: ( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) (رواه مسلم عن أبي هـريرة ) ، والترقي المشهود والموعود في مدارج الكمال في الدنيا والآخرة: ( يقال لصحاب القرآن: اقرأ، وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ) (رواه أبو داود والترمذي ، عن عبد الله ابن عمرو ) ، هـي دليل واضح على أهمية حضور معرفة الوحي وهداياتها، لتنير عقل المسلم وتزكي نفسه، وتسمو بروحه، وتعصمه من السقوط، تمنحه بصائر الحاضر وبشائر المستقبل، وتحول بينه وبين المراء والجدال غير المجدي على الأصعدة المتعددة،

مصداقا لقوله تعالى: ( ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ) (الكهف: 54) .

وقد يكون من الأمثلة والنماذج المهمة التي صرفها القرآن لنا ـ وكل ما عرض له القرآن الكريم مهم ولازم في مسيرة الحياة ـ ما قصه على الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم والمسلمين من بعده إلى يوم الدين، منقصة لقمان الحكيم في إطار تربية الأبناء، لتشكل تلك القصة منطلقات خالدة موحى بها، لكل عمل ثقافي أو تربوي أو إعلامي في مجال الأطفال، في كل زمان ومكان.

ولم يقتصر القرآن على ذلك الأنموذج المثال، وإنما عرض من مسيرة النبوة لنماذج متعددة من تعامل الآباء مع الأبناء، والأبناء مع الآباء، والزوجات مع الأزواج، والأزواج مع الزوجات، ضمن التركيب الأسري، سواء في حالات التوافق في الدين أو الاختلاف فيه، وكيف يجب أن تكون العلاقة على مستوى حسن التعامل

فقد يكون الأب كافرا والابن مؤمنا، كإبراهيم عليه السلام مع أبيه: ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون ) (الزخرف: 26) .

وقد يكون الأب نبيا والابن كافرا، كنوح عليه السلام مع ابنه: ( ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ) (هـود:42) .

وقد يكون الزوج نبيا والزوجة كافرة ضالة، كنوح ولوط عليهما السلام مع امرأتيهما: ( ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين ) (التحريم: 10) .

وقد تكون الزوجة مؤمنة والزوج طاغية كافرا، كامرأة فرعون: ( وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون ) (التحريم:11) .

كما أن القرآن حذر من فتنة المال والولد، وما يترتب على ذلك من الضغوط العاطفية والصراع النفسي، في حالات بشرية محتملة،

فقال تعالى: ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) (التغابن: 15) ،

وقال في قصة موسى والخضر : ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ) (الكهف:80) ..

وهكذا نجد الكثير من النماذج للحالات البشرية المتعددة، في إطار الأسرة والتربية والاجتماع.

ولعل المساحة التعبيرية التي عرض القرآن فيها للنموذج التربوي والتعليمي في قصة لقمان الحكيم، لتكون أنموذجا خالدا، هـي الأشمل لمجموعة المنطلقات المطلوبة لأي عمل تربوي أو تعليمي أو إعلامي في إطار الطفولة، في أبعادها المتعددة والمتساندة.

وقد يكون من المفيد أن نثبت النص القرآني، الذي يعرض لقصة لقمان مع ابنه، ونتدبره ونتأمله، في محاولة للوصول إلى بعض الملامح الرئيسة، التي تساهم في بلورة بعض المنطلقات، التي تشكل معالم على طريق البناء السليم لعالم الطفولة، تعليما وتربية وإعلاما:

قال تعالى: ( ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) (لقمان: 12-19) .

فابتداء نقول: إن الذي يحاول أن يمارس أي عمل تعليمي أو تربوي أو تثقيفي أو إعلامي، لا بد له من التحقق بمجموعة صفات وخصائص ومؤهلات وقابليات ذاتية، إلى جانب التخصص المطلوب لكل عمل، حتى يتأدب بالمعرفة،

ويلتزم بخلقها المستوحى من قوله تعالى: ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) (الإسراء:36) ،

وقوله: ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) (يونس:39) ،

وقوله: ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) (الشورى: 14) ،

إلى آخر الآيات الكثيرة التي تبني العقل، وترشد المسلك، وتقوم الحياة والأحياء، هـذا إلى جانب بلوغ مرتبة الحكمة، التي تمكن من التمييز بين الحق والباطل،

قال تعالى: ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) (البقرة: 269) .

هذا الخير الكثير هـو الذي يشيع في كل تصرفاته، وهو الذي يؤهله للعطاء المقدور في مجال التربية والتعليم والإعلام والثقافة، ويجعله في موقع القدوة، ويمنحه القدرة على وضع الأمور بمواضعها، ووزنها بموازينها، دون إفراط أو تفريط، بحيث تكون الأمور متوازنة والنسب منضبطة، في أي عمل تربوي مطلوب.

ومعنى الحكمة في التصور الإسلامي، يختلف عن مدلولها في عالم الفلسفة، التي يقتصر معظمها على النظر والتأمل والرسم بالفراغ، فالحكمة هـي توفيق العمل بالعلم، فكل من أوتي العمل بالعلم، فقد أوتي الحكمة، كما ذهب إلى ذلك معظم المفسرين، لذلك فسر بعض العلماء الحكمة بالسنة،

في قوله تعالى: ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) (النساء:113) ..

فالسنة في اللغة: الطريقة المتبعة، والمنهج الذي يبصر بالطريق، وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام في معظمها تنصرف إلى أفعاله وتقريراته، التي تعتبر البيان والتنزيل العملي لما علم من الوحي، فالسنة رأس الحكمة،

قال تعالى: ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) (لقمان:12) ،

ولقمان الذي أورده القرآن كأنموذج في التربية والتعليم والإعلام، آتاه الله الحكمة.

فالخصائص والصفات التي لا بد من توفرها في من يقوم على أي عمل تربوي أو تعليمي أو إعلامي يتعلق بالأطفال، الذين يشكلون مجتمع المستقبل:

أن يكون المشرف على التربية والتشكيل الثقافي مؤهلا، متخصصا في المجال الذي يعمل فيه،

متحققا بمعرفة الوحي: ( آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ) (لقمان:12) ؛

لأن الخطأ في المجال التربوي والتعليمي والإعلامي، هـو بمثابة لغم اجتماعي لايقدر حق قدره في حينه، وهو معرض للانفجار في كل لحظة، لذلك فعملية التأهيل واكتساب الحكمة للآباء والمربين والمعلمين والإعلاميين، تعتبر أساس البناء.

أن يكون المشرف على التربية والتشكيل الثقافي أنموذجا يثير الاقتداء، ذلك أن الحكمة ـ كما أسلفنا ـ هـي توفيق العمل بالعلم، فمن أوتي العمل بالعمل فقد أوتي الحكمة.. والتربية بالقدوة تعتبر أعلى أنواع التربية وأكثرها تأثيرا، أضافة إلى أنه لا فائدة من علم لا يورث عملا، وتربية لا تنتج سلوكا، وإعلام لا يشكل ثقافة ترتقي بالأمة إلى مدارج الكمال.

أن ينطلق المشرف على التربية والتعليم والإعلام من أولوية بناء القضية المحورية، التي تتمركز حولها وتنبثق منها جميع الجهود التربوية والتعليمية والإعلامية والثقافية، وهي قضية التوحيد، والمساهمة بانعتاق ضمير الطفل ونفسه من كل المواريث الضالة، والتحرر من الشرك بكل أعباده السلوكية، في المجالات المتعددة، ونسخ الألوهيات التي تشبع الظلم العظيم، وتلغي المساواة بين الخلق.. وهذا التوحيد يمتد كما هـو معلوم، لك شعبة من شعب المعرفة.

أن ينطلق أي عمل تربوي وتعليمي وإعلامي من الاعتراف بأن الأسرة هـي المحضن الأساس ومركز التدريب التربوي والتعليمي الأول، وأن أية إصابة في مرحلة الطفولة، وإن لم تظهر سريعا، إلا أنها سوف تصاحب الإنسان مدى الحياة، وأن البذور الأولى لمستقبل الحياة السلوكية، يبدأ زرعها في الأسرة، وأن الأسرة هـي المؤهلة تربويا للرعاية والعناية؛ لأن الطفل جزء عضوي ونفسي من الأبوين، وأن مناخ الأسرة في التصور الإسلامي وعلاقاتها قائمة على المودة والرحمة، وليس على الصارع والمواجهة، كما هـو الحال في الثقافات الأخرى التي انتهت إلى حال لا تحسد عليه.

أن يتنبه المشرف على التربية والتعليم والإعلام، إلى أهمية الاعتراف بالنعم، والإحساس بها، والإدراك لفضل المنعم، وأهمية ذلك في التوارث الاجتماعي، وتوثيق الارتباط بالله سبحانه وتعالى ، ومن ثم بالأبوين المشرفين مباشرة على التعامل مع الطفل، لتستقيم عملية التربية وتسير نحو هـدفها.

أن يتنبه المشرف على التربية والتعليم والإعلام، على أهمية بناء الشخصية الاستقلالية للأطفال، ومنحهم القدرة على المحاكمة والموازنة والتفكير المستقل بالأمور، والوصول إلى الحق والصواب، والاستمساك به، واكتشاف الخطأ والشجاعة في الاعتراف به والتراجع عنه، وعدم طبع الطفل بالتقليد في السلوك، والتلقي والتقلين في التعليم، والطاعة العمياء، بعيدا عن التفكير والاستقلالية...وأن المخالفة في الاعتقاد والرأي، لا تدعو إلى المواجهة في الأسرة، والتنكر للفضل، وعدم الوفاء، وسوء الصحبة، وأن حسن الصحبة للأبوين لا يتعارض مع كمال الإيمان،

بل هـو من كمال الإيمان: ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ) (لقمان: 15) . ـ أن يتنبه القائمون على أمر التربية والثقافة والإعلام، إلى أهمية إشعار الطفل بالمسئولية والثواب على عمل الخير، وأهمية الإنابة والاعتراف بالخطأ إلى سبيل للثواب وطريق للاستقامة:

( واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) (لقمان: 15) .

أن يتنبه القائمون على أمر التربية والتعليم والإعلام، إلى أهمية تربية الوازع الداخلي، والإحساس بالرقابة الذاتية، وأن العمل مهما كان بسيطا فهو محل تأثير وحساب ومسئولية، وأن تغييب السلوك والعمل المغلوط عن الأعين، لا يغيبه عن الله المطلع على كل شيء، حتى مثقال الحبة من الخردل: (يابني إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو فى السماوات أو فى الأرض يأت بها الله) ، وبذلك نحول دون الازدواجية في الشخصية والانشطار في السلوك.

أن يدرك القائمون على أمر التربية والتعليم والإعلام أهمية الممارسة العبادية، وأثرها في بناء الشخصية وتزويدها بالطاقات الخيرة، وحماية السلوك المستقيم، وإشاعة الروح الجماعية، والاندماج الاجتماعي، وربط المتعلم أو الطفل بالله، عالم كل شيء، القادر على كل شيء، واهب النعم، المسئول عن قضاء الحوائج: (يابني أقم الصلاة) .

أن يدرك القائمون والمشرفون على أمر التربية والتعليم والإعلام والثقافة، أهمية أن يكون المتعلم صاحب رسالة وقضية يسعى لتحقيقها، فيكتشف ذاته، ويشعر بقيمته، ويفكر بأساليب وسائل بلوغ الهدف، ويمارس التجربة، ويتعلم من خلال الخطأ والصواب، ويكتسب ملكة التمييز بين المعروف والمنكر:

( وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ) (لقمان: 17) .

أن يبصر القائمون على أمر التنشئة والتربية والثقافة، أهمية تعويد الطفل على الصبر والتحمل، وشيء من المعاناة اللازمة لصلابة الشخصية، وامتلاك القدرة على تحمل مصائب الدنيا، وعدم تحقيق جميع الرغائب له، وبذلك يتخلص الطفل من حياة الدعة والرخاوة، ويصبح مستعدا للتعامل مع الحياة بكل ما تقتضيه:

( واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) (لقمان: 17) .

أن يتنبه القائمون على أمر التربية إلى أهمية التدريب على بعض الخصائص والصفات النفسية، لتصبح سجية للطفل مثل: احترام الناس، وعدم احتقارهم، وعدم الكبر والخيلاء ورفع الصوت أكثر مما يحتاج السامع، ولين الجانب، واحترام الكبير، والالتزام بالآداب العامة في الطريق والحديقة، وسائر المرافق العامة:

( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض ) (لقمان: 18) ،

( واقصد في مشيك واغضض من صوتك ) (لقمان: 19) . هذه بعض المنطلقات باختصار، حاولنا استيحاءها مما طرحه القرآن من أنموذج للاقتداء في علاقة لقمان بابنه، ولا أعتقد أنها غائبة عن كثير ممن يعملون في الميدان التربوي والتعليمي والثقافي.

وأحببت أن أسميها " منطلقات " ؛ لأنها تشكل الإطار المرجعي للبرامج، والمناهج، والخطط، والأنشطة، والتدريبات، وكل ما له علاقة بعملية الطفولة، في مراحلها المختلفة.

ويبقى المطلوب باستمرار، التفكير بالآيات والوسائل والأساليب التي تحقق هـذه المنطلقات.. فعندما نقول: يجب أن يكون كذا، يعتبر هـذا بمثابة السهم الذي يحدد الاتجاه.. ويبقى الأمر المهم جدا، وهو التفكير بكيف نحقق هـذا " اليجب " ، ونضع الوسائل، ونقدر المراحل والمناهج والبرامج والخطط، ونقوم ذلك، ونفيد من الخطأ؟

وأعتقد أنه هـنا تكمن المعادلة الصعبة، التي ما نزال نعاني منها، فنكاد نكون جميعا متفقون على هـذا " اليجب " ، ونتسابق إلى إعلانه، لكن عندما تبدأ مرحلة التفكير بالكيفية المطلوبة للوصول إلى تحقيق هـذا " اليجب " ، نشعر بالنكوص والتخاذل، وعدم توفر التخصص المطلوب، والتعاون المطلوب، والجهود المطلوبة، وقبل ذلك كله الإدراك المطلوب، لدرجة يمكن أن نقول معها: إن هـذا " اليجب " أصبح يشكل مهربا ومتنفسا، ويخشى أن ينقلب إلى حالة مرضية تتوارثها الأجيال.

ولا نرى أنفسنا بحاجة إلى القول: إن كلا من التربية والتعليم والإعلام أصبح علما، له مركزاته وتخصصاته، ونظامه المعرفي، وتشعباته ومنهاجه، وأن العملية الإعلامية بفروعها المتعددة، المقروءة والمسموعة والمرئية، لم تعد محل ادعاء وتطاول ورغبة ووهم بالفهم، وإنما أصبحت عملا جماعيا، أو عمل فريق تشارك فيه مجموعة من التخصصات في العلوم الاجتماعية والإنسانية، في علم الإنسان، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم التربية، وعلم التاريخ، وعلم العقائد والأديان.

لقد أصبح الإعلام مجموعة خبرات وتخصصات في فهم الإنسان: عقيدته، دوافعه، ورغابئه، ومؤثراته، ومداخل شخصيته، وعمره الثقافي.. إضافة إلى مجموعة خبرات تقنية في أدوات التوصيل، من أشكال وألوان وأصوات وألبسة وإيحاءات وإيقاعات، وتخطيط.. ومن ثم تقويم للأداء واكتشاف مواطن الخطأ، ووضع التصور لاستدراكها في التخطيط المستقبلي، إلى حد القول: بأن علوم الاتصالات والمعلومات والاكتشافات العلمية والتكنولوجية، تحولت جميعها لتصب في خدمة الإعلام، الذي أصبح محيطا بالإنسان كائنا ما كان، ومهما كانت اهتماماته.. ولم يعد الإعلام يقتصر على إشباع الاهتمامات وغرس المعلومات، وإنما تحول إلى صناعة الاهتمامات وإعادة التشكيل الثقافي للإنسان، من خلال الأوعية الإعلامية المختلفة، والتقنيات المتطورة، بشكل تصعب ملاحقته.

ولا نرى أنفسنا بحاجة إلى تأكيد القول: إن الإعلام امتد بحواس الإنسان، حتى كادت العين أن ترى أي حدث في العالم، والأذن أن تسمع أي صوت في العالم، وهكذا عاد الناس إلى مقاعد التلقي الإعلامي.. ومهما حاول الإنسان اليوم، فقد لا يحيط بما هـو مهتم به من الضخ الإعلامي، الذي تجاوز الحدود والسدود، واقتحم البيوت، حتى وصل إلى غرف النوم، وتحكم باللاشعور، وزراعة الأحلام، وصناعة الاستجابات وردود الأفعال، وكأن الإنسان تحول إلى آلة تحرك " بالريموت " الإعلامي، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى ، ووقاه بقوة معتقده وسلامة رؤيته.

إن هـذا التطور الهائل في وسائل الإعلام والمعلومات والاتصالات، قد تجاوز قدرات وأوقات الإنسان على متابعته والإحاطة به، حتى فيما يقع ضمن اختصاصه واهتمامه، كما أسلفنا، وأصبح الإنسان أسيرا لهذا الإغراق الإعلامي، يصعب عليه التخلص أو الخروج منه، لحضوره في كل المواقع، في السفر والحضر، والسيارة والطائرة، ومجالات النوم، وأماكن العمل؛ ولأنه احتل الفضاء وموجات " الأثير " التي لايمكن منعها أو القبض عليها.

وهذا الإغراق أو الإسقاط الإعلامي، الذي تصعب ملاحقته أو استيعابه، لا يقف عند حد، بل كلما كاد الإنسان أن يستوعب وسيلة من وسائله ويحتويها، ويفكر بكيفية التعامل معها، أو تقديم بعض ما يمكن من الإنتاج الإعلامي، الذي يحقق بعض الخصوصيات الثقافية والحماية الحضارية، يفاجأ بالجديد المتطور والمتسارع، الذي تصعب السيطرة عليه أو اللحاق به، وعلى الأخص في مجال (التلفزيون والكمبيوتر) ، فلكل يوم جديد، إلى درجة يمكن أن نقوله معها: إن اليوم الإعلامي أو الاتصالي والمعلوماتي يطوي عشرات السنين أو مئات السنين، مما كان معهودا ومألوفا، وقد يحمل " الكمبيوتر والإنترنت " ، من المعارف الفلسفية والدينية والفنية المتطورة والمتجددة، والصور القابلة للتكيف، ما يجعل من الذين يقبعون وراءه قادرين على طي الكرة الأرضية، واحتلالها إعلاميا، والوصول إلى ما يريدون من غرس وتشكيل.

ويبقى السؤال المطروح: كيف نفكر ونتعامل مع هـذا التطور الرهيب، لتحقيق الحماية لأنفسنا وعقيدتنا؟ وكيف يمكن أن تتحول هـذه الثورة الإعلامية والمعلوماتية من نقمة إلى نعمة، وفرصة لإظهار الإسلام على الثقافات والديانات والفلسفات والأفكار، وخدمة تقدم لنا، بدل أن تكون نقمة تدمرنا وتمزق نسيجنا الثقافي والاجتماعي؟

ولعل الأمر المذهل أنه ما يزال يوجد في عالم المسلمين من لا يعترف بهذا التخصص وأهميته وضرورته، ويعيش أحلام اليقظة، ويكتفي بالتطاول لتقديم صور أو نماذج إعلامية بئيسة ومحزنة ومتخلفة، ومع ذلك يصر على تسميتها " إعلاما إسلاميا " ، ليصير الحال كما يقول المثل السائر: " ضغثا على إبالة " ، أو " حشفا وسوء كيلة " .. وقد لا يكون في الفقر التخصصي الواقع، عيب من بعض الوجوه، إذا استشعرنا أهمية ووضعنا الخطط لاستدراكه، لكن المشكلة، في تكريس هـذا البؤس، والتمكين لحالة العجز بعدم الاعتراف بها، والاكتفاء بالتحول ـ كحالة كل عاجز ـ إلى عمليات الرفض والإدانة، دون القدرة على التعامل أو التحصين وهو أضعف الإيمان، ودون التفكير بإيجاد مساحة ولو بسيطة من البديل.

وفي تقديري، لو أن الجهود والأوقات والأموال، التي استنزفتها عمليات الشجب والإدانة والرفض، تحولت لإنضاج بعض البحوث في التحصين وإيجاد البدائل الإعلامية، لكان الحال غير الحال.. كما أن الإعلان عن عناوين عريضة لا مضامين لها، وإمكانات غير متوفرة، ومحاولة معالجة موضوعات وقضايا التخصص الدقيق والمؤثر والخطير بعقلية غوغائية وثقافة هـشة، سوف يؤدي إلى الإحباط، ويساهم سلبيا بإيجاد الفراغ واستدعاء " الآخر " .

فإذا تذكرنا بأن الدعوة والإعلام بالرسالة الإسلامية لها من العمر أربعة عشر قرنا أو يزيد، تقلب من خلالها بين العديد من الظروف والمشكلات والقضايا، والحوارات والمواجهات، والمناقشات والمناظرات.. إلخ، مما يمكن أن يشكل رصيدا ميدانيا هـائلا، إضافة إلى أن المنبر من جانب والمحراب من جانب آخر، يعتبران من أعظم الوسائل الإعلامية والدعوية، بل نستطيع أن نقول: بأن الاستماع إلى المنبر أسبوعيا اعتبره الإسلام دينا، وجزءا من العبادة، وأن الاستماع والتلقي للخطبة عبادة ومصدر ثواب، وأن العبث بالأيدي أو لمس الحصى أثناء خطبة الجمعة، مدعاة لانقطاع الثواب، ولغو منهي عنه، ومجرد أن يقول المصلي لصاحبه: " أنصت " فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له،

وإذا تذكرنا أن مئات الآلاف من المنابر، بل يمكن أن نقول: الملايين من المنابر الموجودة في العالم الإسلامي وعند الأقليات المسلمة في العالم، التي تسعى إليها من جموع المسلمين، مهيأة للضخ الإعلامي والدعوي أسبوعيا... إذا استحضرنا هـذا الرصيد من المتلقين، وهذا التهيؤ والجدوى والأثر التغييري الذي صار يتركه المنبر في نفوس كثير منا، لأصابنا الغم والهم والإحباط، ولأدركنا حالة العجز التي نعيشها، والتي تجعلنا غير قادرين على توظيف الإمكانات الإعلامية والدعوية المتوفرة لدينا، الأمر الذي يدفعنا في كثير من الأحيان إلى تغطية عجزنا، بمهاجمة إعلام " الآخر " ، وغزوه لنا، وندب حظنا العاثر في عدم امتلاكنا للإعلام الذي يعتبر أمضى سلاح، في الوقت الذي نكسر أسلحتنا بأيدينا، فندع إحسان وإتقان ما نملك، ونتطلع إلى ما لا نملك، لنبرر عجزنا وتخاذلنا.

ونحن هـنا لا ندعو لعدم التحذير من مخاطر الغزو الإعلامي، وبيان المفاسد الكثيرة التي ترافقه، ودعوة الأمة إلى الحذر، فهذا أمر لا بد منه، لكن المشكلة في أن يستغرق جهدنا كله، ويحول دون التفكير بإيجاد البدائل.

وقد لا يكون المجال متسعا، ولا الظرف ملائما للحديث عن السلبيات الكثيرة التي يمارسها بعض خطبائنا، والواقع الذي صارت إليه بعض المنابر، بدل أن تكون وسيلة للارتقاء والتحصين، والتغيير إلى الأفضل.. لكن إذا تذكرنا: بأننا الأمة الوحيدة في التاريخ الحضاري التي تشكلت من خلال كتاب، أي من خلال إعلام، وأنها أقامت حضارة إنسانية ما يزال يصعب تجاوزها، وأن المحاريب تضخ ثلاث مرات يوميا من القرآن المجهور به، على أسماع وقلوب من أتوا للمسجد طائعين مختارين، مبتغين لثواب الله، إن لم نقل خمس مرات، أدركنا أهمية الإعلام في تاريخ الحضارة الإسلامية والرسالة الإسلامية، وأدركنا العطب الذي لحق وسائلنا، وأسباب الخيبات والهزائم الثقافية والإعلامية التي تتوالى علينا.

لذلك أقول وبكل وضوح: بأن الفضل كل الفضل في بقائنا واستمرارنا، إنما هـو لمعرفة الوحي من الكتاب والسنة والسيرة العملية، وما تمنحنا من الحصانة والأقدار الثقافية والفكرية والرؤية الحضارية المستمدة من عطاء القرآن الميسر للذكر، والسنة المبينة له، التي حالت دون ذوباننا وسقوطنا الإعلامي والحضاري، وحفظت قابلياتنا المعدة للانطلاق والإقلاع، فيكل مرحلة نكون مهيئين للعودة إليها وحسن التعامل معها.

وهنا أعود لتأكيد القول: بأن معرفة الوحي تشكل المنطلق والمرجعية، التي تحمي المسيرة، وتدعو في الوقت نفسه إلى الامتداد بالرؤية، كما تدعو إلى التخصص واكتساب العلم والمعرفة المنضبطة بالمرجعية الشرعية، التي تحقق لنا ارتياد آفاق أوسع، وامتلاك الوسائل الإعلامية المؤثرة في تغيير ما في أنفسنا وإلحاق الرحمة بالعالمين.. ذلك أن المهمة الأساس للرسول القدوة عليه الصلاة والسلام والسائرين على دربه، هـي البلاغ المبين.. فإذا عرفنا أن البلاغة هـي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، كما يعرفها العلماء، وأن الإبانة هـي الفصاحة وامتلاك القدرة على الإظهار، أدركنا كم نحن متخلفين في دراساتنا للواقع وما يقتضيه من مواصفات الخطاب الإعلامي، من الفصاحة وإظهار الدين والقدرة على التأثير، وأدركنا أهمية التفكير بكيفية مخاطبة الناس على قدر عقولهم، حتى لا يكذب الله ورسوله.. التفكير الذي يجيب عن مجموعة أسئلة: لماذا نقول؟ وماذا نقول؟ ذلك أن الحال يتغير، والدنيا تتغير، ووسائلنا في الدعوة والعمل الإسلامي لا تتغير، ونراوح في مواقعنا، وتتجاوزنا الأيام، ونعجز حتى عن اللحاق " بالآخر " بدل أن نكون في موقع الريادة.

وكنت أشرت فيما كتبت سابقا، إلى أنه بالإمكان القول: إن بعض خطب الجمعة وبعض الكتابات والمؤلفات، قد يصعب علينا نسبتها إلى زمن أو مجتمع أو حالة ثقافية أو حتى جغرافيا معينة.. وإن الكتب ومواصفات الخطاب الموجه لبعض بلدان العالم الإسلامي بكل معاناتها، هـي نفس الكتب ومواصفتها الخطاب الذي يوجه إلى الأقليات المسلمة في الغرب، على الرغم من الاختلافات المجتمعية والسياسية والنفسية والثقافية والاقتصادية الكبيرة، وكأننا لم نفقه الخطاب القرآني، وتعدد مواصفاته بحسب الأحوال التي مر بها المجتمع الأنموذج، بين مكة والمدينة ، والنصر والهزيمة، والحوار والمناقشة، وخطاب الحرب وخطاب السلم، وخطاب الدعوة وخطاب الدولة، وخطاب التشريع وخطاب التبليغ، وخطاب العقل وخطاب الوجدان والعاطفة، وخطاب الواقع وخطاب المصير، وخطاب البرهان وخطاب العرفان.. إلخ، ذلك أن فقه الحكم، وفقه القيم، وفقه التاريخ، وفقه المستقبل، لا يغني عن فهم الواقع ومتطلباته.

وأعود إلى التشبيه الذي كنت أشرت إليه مسبقا، وهو أن الأحكام الشرعية الإسلامية هـي بمثابة خزانة للأدوية، وتستعمل للعلاج والوقاية معا.. كلها أدوية، لكن ليس كل دواء يصلح لكل مرض، فإذا أخطأنا في تشخيص حالة المريض التي تستدعي الخطأ في وصف الدواء، قتلنا المريض من حيث نريد علاجه، مع أن الذي أعطيناه هـو دواء، ولكنه ليس بالدواء المناسب لهذا الداء.. والذي يمكن من التمييز، هـو اللجوء إلى التخصص، والخلوص من الرؤى العامة العامية، التي قد تقود إلى عمى الألوان والخبط الأعشى.

وقد يكون أحد وجوه الإشكالية في مجال الإعلام بشكل عام، هـو عدم استيعاب الواقع الذي نريد أن نتعامل معه حتى نتمكن من معالجته، أو نرشده أو نعيد تشكيله.. عدم استيعاب حاجاته، ومشكلاته، ومتطلباته، ومرحلته الحضارية، وحالته الثقافية، ومن ثم التفكير بالكيفية والأسلوب ومواصفات الخطاب، إضافة إلى التقنيات الإعلامية التي تمكن للخطاب، وتضمن تأثيره، وتعمق أثره في النفس.

وإذا كان هـذا واردا ومطلوبا في مجال الإعلام بشكل عام، فهو مطلوب في مجال إعلام الأطفال، أو أدب الأطفال بشكل أخص؛ لأن خطاب الكبار والأقران يمكن أن يتحقق له قدر من الفهم.. فالكاتب والإعلامي جزء من بيئته، ومشارك في قضايا أمته بشكل أو بآخر، وقادر على الإحساس والإدراك للقضايا المحتاجة للمعالجة، وقد يهتدي إلى وسائل المعالجة بطريق الاستبطان، الذي يشكل نافذة صحيحة نوعا ما، لإدراك واستيعاب " الآخر " المخاطب.. أما الطفولة فهي عالم خاص مستقل، ليس من السهولة فهمه واستيعابه، واكتشاف الكيفيات المناسبة للتعامل معه، لذلك نرى أن مساحة العلوم النفسية والتربوية التي نشأت في مجال الطفل كبيرة وكبيرة جدا، وكل يوم تكتشف جديدا في هـذا العالم المغلق نسبيا.

لذلك نقول: بأن من أولويات العمل التربوي والتعليمي والإعلامي في مجال الأطفال، فهم هـذا العالم، فهم المخاطب..وليس هـذا فقط، وإنما فهم المرحلة العمرية، واستيعاب تطلعاتها ومشكلاتها، ومقتضيات الطفولة فيها؛ لأن تجاهل تطلعات الطفل ومستلزمات طفولته، أو بعبارة أدق: حرمانه من طفولته، وتركيب عقل الكبير على رأسه، ومحاسبته، ومخاطبته، ونقده، وتقويمه من خلال ذلك، يحمل من المخاطر المستقبلية ما لا يعلم مداه إلا الله، حتى ولو لم يستطع الطفل الجهر برأيه ومواجهة الضغوط التي تمارس عليه، لتحرمه من تصرفاته الطبيعية.. هـذه الممارسة المغلوطة سوف تكمن في نفسه وتنفجر تمردا، وتحديا، وكسرا للموازين، وتجاوزا للضبط الاجتماعي.. لذلك لا بد لنا من أن نطرح ـ قبل البدء في التربية والتثقيف والإعلام للطفل ـ مجموعة أسئلة: من هـو الطفل الذي نكتب له؟ وما هـي مرحلته العمرية؟ وماذا نريد منه في هذه المرحلة؟ وماذا نريد له أن يكون؟ وكيف نكتب له ونتعامل معه من خلال الأوعية الإعلامية المتاحة؟

ولعلي أقول هـنا: إن سبب فشل الكثير من الآباء والمربين والمدرسين والمدارس ـ وحتى قد تكون منها بعض المدارس الشرعية ـ الذين لا يريدون إلا الخير لأبنائهم وطلابهم، يعود إلى عدم فهم واستيعاب مرحلة الطفولة ومشكلاتها، وأساليب التعامل معها، ووسائل تربيتها وما تتطلبه في كل مرحلة، وما يقدم وما يؤجل من المقاصد المطلوبة..

ولا نذيع سرا إذا قلنا: بأن هـناك في بعض البيوت الموسومة بالصلاح، فواجع تربوية، سببها سوء الفهم للمرحلة الطفلية، في الوقت الذي لا يشك معه بحسن القصد والغيرة الصادقة.

ولا يتطرق لنفسي الشك، أن ما نملكه ونتميز به من معرفة الوحي في الكتاب والسنة، وما نمتلكه من مخزون تراثي عريق، لا يعدله شيء وهو الذي يحول دون ذوباننا وذهاب ريحنا، على الرغم من تخلفنا وتخاذلنا.. ولو أحسنا التعامل معه، وتوليد رؤى تربوية متخصصة، ومحكومة بمرجعية الوحي في بناء الطفولة (مجتمع المستقبل) ، لتغير الحال؛ لأن عالم الطفولة هـو ميدان التغيير الحقيقي، وهو محل استشراف المستقبل وتشكيله. لكن عجزنا عن تصنيع وصياغة هـذه الكنوز، بما يلائم عالم الأطفال ومراحله العمرية، هـو الإشكالية الحقيقية التي نعاني منها.

وأذكر قدرا محدودا من المشاركة في مراجعة بعض الكتب المدرسية، المؤلفة للطلاب في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، وعلى الأخص فيما يتصل بالكتابة عن الصحابة والإعلام، الذين يشكلون نماذج الاقتداء أو التربية بالقدوة، كيف أن الكثير من الإخوة المؤلفين كانوا يرجعون إلى المراجع الكبيرة في السيرة والتراجم، ينقلون منها السير والتراجم كما وردت تماما، دون النظر فيما يلائم عقل الطفل أو لا يلائمه، أو ما يساهم في بنائه التربوي من خلال حاجة عمره واهتماماته، وما نريده له من أهمية إبراز بعض الخصائص والصفات، التي يجب أن يتحلى بها ويتشربها أولا بأول.

ولقد عانينا الكثير حتى نصل إلى مرحلة تحديد الجوانب التي يجب إبرازها أو حتى الاكتفاء بها، من سير الأعلام في هـذه المرحلة تلك، لتتوافق مع عمر الطفولة وحاجاتها، والأهداف التربوية التي نريدها لكل مرحلة، فليس كل مقال يصلح لكل مقام.. هـذا من جانب، ومن جانب آخر كيف نقدم هـذه الجوانب المحددة من سير الأعلام بالأسلوب المناسب والخطاب المستوعب والمشوق للطفل، ونعمقه باللون والصورة والرسم، وكيف نترقى من الخطاب باللفظ، إلى جعل اللفظ نافذة على التفكير والتجريد.

إن مشكلة أسلوب الكتابة للأطفال، هـي الإشكالية الحقيقة التي تعاني منها المكتبة الإسلامية المعاصرة، فليس كل إنسان، أو كل ناشر، أو كل عالم، أو كل فقيه، قادرا على الكتابة ومخاطبة الأطفال، وكتابة القصص لهم وإصدار المجلات.. وما أعتقد أن المتخصص بالفقه والأصول، المتعامل مع عباراته، يمكن أن يكون قادرا على الكتابة للأطفال، ولو حرص على ذلك. فالكتابة للأطفال ـ بل كل لون من ألوان الكتابة ـ أصبحت فنا وتخصصا قائما بذاته.

إن هـذا الكم الهائل والاهتمام الكبير، من قبل " الآخر " ، بخطاب الأطفال، من خلال الألعاب والقصص والمجلات والأشرطة والمسلسلات، الذي يغمرنا ويضخ علينا، هـو تحكم في المستقبل، يحمل مخاطر لايبصرها الكثير منها، لأنها تترسب شيئا فشيئا، وعندما تظهر يصعب علاجها، مثلها كمثل إيكال تربية الطفل إلى الخادمات اللواتي يعبثن به، ولا ندرك المخاطر إلا بعد صعوبة العلاج وخراب البصرة كما يقولون.

وقد يكون من المفيد أن أذكر بعض المحاولات التي لم تؤت ثمارها في هـذا المجال: فلقد كنا حاولنا في وقت سابق تصنيف المكتبة الإسلامية بما يخص الطفل، ووضع دليل للمؤلفات الإسلامية في هـذا المجال، بحيث تفرز الكتب الموجودة وتوزع بحسب المراحل العمرية، بشكل يضمن التكامل واتباع منهج اللبنة، في محاولة لتنهيج العمل، لكن بدا لنا أن أكثرنا يريد السباحة في بحر لا شواطئ له، والرسم في فراغ لا جهات له، والسير في صحراء لا طرق فيها، فلم تنجح المحاولة.

وبعد:

فالكتاب الذي نقدمه اليوم في السلسلة، محاولة جادة لإنضاج عمل إعلامي متميز، جاء ثمرة لتجربة ميدانية في إعلام الطفل المقروء، بدأت بعملية استيعاب وتقويم ومراجعة لواقع إعلام الطفل المقروء، بدأت بعملية استيعاب وتقويم ومراجعة لواقع إعلام الطفل المكتوب، وانتهت بوضع مواصفات واقتراحات لإيجاد عمل ريادي، محدد المنطلقات، واضح الأهداف، مؤطر بالمرجعية الشرعية، ملتزم بالرؤية الإسلامية التي تضبط مسيرته، وتسهم بتشكيل الطفل ومخاطبته، من خلال استيعاب مراحله العمرية، واهتماماته، وقابلياته، ورعاية وتنمية هـذه الاهتمامات والقابليات، على الرغم من أن الأخ الباحث يغلب على أسلوبه طابع التخصص الأكاديمي الذي يمارسه.. وإذا كان المطلوب للعمل الإعلامي فهم الواقع المخاطب، ودراسة الحال التي عليها الناس، ليجئ الخطاب ملائما لعالم الكبار، فهو أكثر خصوصية وأهمية بالنسبة لعالم الأطفال، حيث إن لكل مرحلة ظروفها ومشكلاتها ومعاناتها وحاجاتها وتطلعاتها.

ويبقى استشعار التحول إلى هـذا العالم، الذي ما يزال منسيا في الواقع الإسلامي، إلى حد بعيد، هـو الذي يمثل التوجه الصحيح صوب بناء مجتمع المستقبل، ليصبح غدنا أفضل من يومنا.

والله المستعان والهادي إلى سواء السبيل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث