الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم بقلم: عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي أنزل القرآن بلسان عربي مبين،

قال تعالى: ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) . (شعراء:192-195) ، وجعله قرآنا عربيا غير ذي عوج،

فقال تعالى: ( ولقد ضربنا للناس في هـذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون ) (الزمر:27-28) ، كانت سلامة النص من العوج في الدلالة والالتواء في المعنى من خصائص حفظ البيان، ومن لوازم حفظ نص القرآن الكريم. وكون القرآن إنما أنزل بلسان عربي مبين يعني، فيما يعني، أنه يفهم من خلال معهود العرب في الخطاب وإبانتهم، وتحدد معانيه من خلال دلالات الألفاظ التي تعاهد عليها العرب في استعمالاتهم، أو من خلال مفهوم العرب لدلالات الألفاظ، لذلك قال ابن تيمية رحمه الله، وقد عاش أعتى فترات الاجتياح العسكري والثقافي واللغوي للعالم الإسلامي: (... اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة [ ص: 11 ] العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ومصطلح: المبين مشتمل على الإبانة والبيان، والبيان يعني -فيما يعني- الظهور والوضوح وعدم اللبس والخفاء والغموض... كما تعني الإبانة أيضا ما تمتلكه العربية -لغة القرآن- من الغنى والخصوبة، إلى جانب الوضوح في الدلالة، التي تمنحها القدرة على التعبير والإفصاح عن كل ما يخامر العقل، وتزخر به النفس البشرية من المعاني والأحاسيس، حتى المتقاربة والمتجاورة والمتشابهة منها؛ ذلك أن كثرة المفردات وخصوبة المترادفات دليل على قدرة اللغة على التعبير عن كل ما يعتلج في النفس من المعاني، وعدم المعاناة من الاحتباس والعجز عن البيان عن أية حالة نفسية أو شعورية.

ولعلنا نقول هـنا : إن قوله تعالى: ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) (الأنعام:124)

يتضمن فيما يتضمن بعدا لغويا، إضافة إلى الأبعاد والمعاني الكثيرة والكبيرة التي يتضمنها؛ ذلك أن اختيار العربية لتكون لغة التنزيل أو لسان التنزيل، ووسيلة المواصلات، وأداة الاتصال لمعاني الوحي الخالد، المجرد عن حدود الزمان والمكان، المؤهل لخطاب الإنسان في كل زمان ومكان، والتعامل معه، واستيعاب مشكلاته مهما تعقد منها واستجد دليل على الإمكان الهائل الذي تتمتع به العربية، والذي أثبتته التجربة الحضارية التاريخية للرسالة [ ص: 12 ] الإسلامية؛ سواء في مجال الإبانة عما تمور به الساحة الفكرية مهما أبدعت في شعب المعرفة والعلوم، أو في مجال البيان والوضوح للمعاني والدلالات من خلال معهود العرب في الخطاب.

وهذا البعد النظري والشرعي، إلى جانب التجربة الميدانية في التعبير والإبانة عن كل أحوال الأمة وحالاتها دليل على عبقرية اللغة العربية، التي أهلتها لتكون لغة التنزيل الخالد، والتي وسعت النبوات التاريخية وتأهلت للخاتمية.

وليس هـذا من حيث المفردات والدلالات فقط، وإنما ذلك أيضا في أن اللغة العربية تعاملت مع السلم الصوتي بكل مفاصله، ومخارج حروفه وأصواته، فأكسبت الناطق بها مرونة تمكنه من النطق بكل الحروف في اللغات جميعا دون استعصاء أو احتباس، وهذا يشكل إمكانية لأقصى درجات البيان وأدقها، إضافة إلى ما تمتلكه من ارتباط للأصوات بالمعاني من الناحية الحسية أيضا، بما يدرس ويعرف في مجاله من بحوث فقه اللغة.

لذلك كان مصطلح الأعجمية -أو العجمة - يطلق على غير العربية؛ لعجزها وعدم قدرتها عن الإفصاح والإبانة عن جميع الأحاسيس البشرية بنفس هـذه الرشاقة والاختزال في الألفاظ، حتى لنرى أن بيان مدلول لفظه بالعربية قد يحتاج إلى جملة في غيرها لبيان [ ص: 13 ] المراد. كما أطلق مصطلح العجماوات على المخلوقات التي لا تستطيع النطق والإبانة والإفصاح.

والصلاة والسلام على إمام البيان، الذي أوتي جوامع الكلم، وكان في الذروة من قومه؛ فصاحة وبلاغة وبيانا... وبعد:

فهذا كتاب الأمة الثامن والسبعون: (المصطلح... خيار لغوي وسمة حضارية) للأستاذ سعيد شبار ، في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والدراسات بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة قطر؛ مساهمة بإحياء عملية الاجتهاد والتجديد، وإعادة إخراج الأمة المسلمة، وبناء مشروع النهوض، ومحاولة تقديم رؤية مستقبلية تأخذ في اعتبارها الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة؛ لتستأنف الأمة دورها في الشهود الحضاري وإلحاق الرحمة بالعالمين، والتأسيس والتأصيل لعمليات المراجعة والتقويم والتشاور والتفاكر والتثاقف، وفك قيود التقليد، والانطلاق بالحوار والاجتهاد الفكري إلى الآفاق كلها، وإزالة الالتباس أوالتلبس بين نصوص الدين المعصومة والمطلقة المجردة عن حدود الزمان والمكان وبين نـماذج وأشـكال التـدين والتعامل مع هـذه النصوص، وما يجري فيها وعليها من السقوط والنهوض، والزيادة والنقصان، والخطأ والصواب، والنسبية، وما يعتريها من ظروف الزمان والمكان. [ ص: 14 ]

ذلك أن التلبس بين نصوص الدين وأشكال التدين -بين القيمة والذات- حال دون الكثير من عمليات النقد والتقويم والمراجعة والاجتهاد، وأشاع جوا من الإرهاب والمطاردة لكل محاولة للإصلاح وتحديد موطن الخلل، وأقام ألوانا من الكهانات الدينية التي حاولت أن تكتسب عصمتها من عصمة النصوص الدينية، وتدعي أن أي نقد أو تقويم أو مراجعة لتلك الصور من التدين وتقويمها بقيم الكتاب والسنة المعصومة تعني الانتقاص من الدين نفسه، الأمر الذي وطن الأمراض والعلل، وأدى إلى الاستنقاع وعدم التجديد والاجتهاد، كما أدى إلى المجازفة في أحيان كثيرة، وإلى نقد القيم المعصومة والـخروج عليها، ظنا بأن صورة التدين -والتي قد تكون مغشوشة أحيانا- هـي حقيقة الدين المعصوم.

ولقد نتج عن التباس القيمة (بالذات) الاستمرار -في أدبيات وطروحات العاملين للإسلام- في الكلام عن عظمة الإسلام، وصوابية الإسلام، وخلود الإسلام، وتميز الإسلام عن سائر النظم والقوانين الوضعية، وثبوت النصوص الدينية وعصمتها، ومناهج نقلها ووثائقيتها، وتمحور الدراسات في الجامعات والمعاهد والمؤسسات حول إثبات النص وتحقيقه، حتى لم يعد ذلك مقتصرا على نصوص الكتاب والسنة وإنما تجاوزها إلى الاجتهادات البشرية، دون التوقف والالتفات [ ص: 15 ] بالأقدار المطلوبة إلى كيفيات إعـمال النـص، ووسائل تنزيله على الـواقع البشري، في ضوء الاستطاعات المتوفرة، وما تقتضيه من الأحـكام، ودون الـكلام عن واقع أمة الإسلام أو المسلمين وما يعانون من مشكلات، ودراسة أسباب تخلفهم وعجزهم وعدم تفاعلهم مع قيم الإسلام.

لقد استغرقنا الكلام عن عظمة الإسلام، التي باتت من البدهيات التي لا زيادة فيها لمستزيد، كما استغرقنا الكلام عن صحة النص وثبوته وخلوده ودقة وموضوعية مناهج نقله عن موقع الفعل الحقيقي: لماذا لم ينجح هـذا الإسلام العظيم الخالد في جعل المسلمين في مستوى إسلامهم وعصرهم؟ ولماذا لم نفكر بالأقدار المطلوبة بكيفية إعمال هـذه النصوص الموثوقة المتواترة الصحيحة؟ وما قيمة الصحة والوثائقية والخلود العملية إذا لم تحدث أثرا تغييريا في حياة الناس؟ ولماذا التبست (الذات) بالقيم، وحاولت (الذات) أن تحرس نفسها وأخطاءها بعصمة القيم، وأصبح الكلام عن (الذات) ونقدها وكأنه كلام عن القيم ونقدها؟

صور من التخلف الديني، وحالات مرضية، ونوع من التدين المغشوش، وبروز للكهانات الدينية، التي تحاول توظيف الإسلام وقيمه للتستر على أخطائها ومطاردة خصومها. [ ص: 16 ]

وهنا لا بد من الاستدراك مباشرة بالقول: صحيح بأن الجهود العلمية والفكرية تركزت أكثر ما تركزت حول التدليل على صحة النص وإثباته ووثائقيته ومناهج نقله، وأن الغاية النهائية المقصودة لهذا العمل هـي إعمال النص في حياة الناس؛ لأن تلك الجهود إنما تقع في إطار الوسائل، وسوف تتراجع قيمتها العملية إن بقيت دون إعمالها في واقع الناس; لكن صحيح أيضا أن الاستمرار في حراسة النص الديني وضمان سلامته واستمراره يضمن استمرار الإمكان الحضاري للأمة، ويبقي على مقومات النهوض، وأن هـذه الأمة مهما أصابها من العلل في التدين تبقى -بهذا النص- قدرتها على النهوض والتجاوز متوفرة في كل حين.

كما أن هـذا النص يشكل من بعض الوجوه الحصن الثقافي، والترسانة الفكرية المانعة التي تحول دون ذوبان الأمة في حالات الضعف والهزيمة، ويشكل القوة الدافعة وأدوات المجاهدة في فترات النهوض والإنجاز والتألق الحضاري.

وتبقى الإشكالية الأساس أن وجود الإمكان الحضاري ومحاولات الاحتفاظ به لا يعني وجود حضارة، بل لا بد أن يتجلى هـذا الإمكان في إنتاج متعدد المناحي والجوانب، بحيث تنتهي حالة التخاذل والعجز عن التعامل مع هـذا الإمكان.

ولعل هـذه الحقيقة -حماية النص وضمان صحته واستمرارها- [ ص: 17 ] لم تغب منذ الخطوات الأولى للنبوة عن ذهن رسولها الخاتم صلى الله عليه وسلم ، حيث اتخذ من اليوم الأول كتابا للوحي، وحفاظا له، ونهى عن كتابة أي شيء غير القرآن، وقال: ( لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. ) (أخرجه مسلم) ؛ حتى لا يختلط النص القرآني بكلام البشر، وحتى كلام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي نيط به البيان، ناله النهي النبوي رغم ما اختص به من العصمة، وبذلك نقل القرآن كتابة ومشافهة، وكانت الصلوات والمحاريب مجالات لتلاوته وحفظه وتصويب أدائه، وكان التنزيل على الواقع وتجسده في حياة الناس مجالا آخر لحفظه من خلال حركة المجتمع، وكان الوحي يعيد المراجعة والـمدارسة لما نزل سنويا في شهر رمضان.

وقد لا يتـسع المـجال هـنا للحديث عن الجهود التي بذلها الصحابة رضوان الله عليهم في كتابة الوحي وحفظه وجمعه في عهد سيدنا أبي بكر رضي الله عنه ، عندما استحر القتل بقراء القرآن في موقعة اليمامة ، وفزع سـيدنا عمر رضي الله عنه أن يـضـيع الـقـرآن وتنـتقـص آياتـه، وما كان من اعتماد المصحف الإمام؛ مصحف سيدنا عثمان رضي الله عنه ونسخه إلى الأمصار، والجهود الشفوية والتدوينية التي بذلت في الجمع والنسخ، ومن ثم كيف استمر النص القرآني محورا لكل الدراسات اللغوية، والشرعية، والإنسانية، [ ص: 18 ] والمعرفية، واللسانية الصوتية، وحتى الإبداعات الفنية، حيث كان النص القرآني ملهم الفنانين والخطاطين لأنواع من الخطوط والنماذج، واستخراج واستيفاء جميع الطاقات الغنية بمرونتها وخفتها وتوازنها وجماليتها ورحابتها، فكان النص القرآني محل انطلاقة فنية يغترف منها الفنان المسلم وما يزال.

والحقيقة التي لا مجال لإنكارها أو التنكر لـها أن النص القرآني استمر، وامتد بأعلى وأوثق مناهج النقل وهو منهج التواتر الذي يفيد علم اليقين . امتد واستمر رسما وصوتا وشكلا ومضمونا، حيث لا يزال الرسم العثماني هـو المعتمد، على الرغم من الكثير من المحاولات لإخضاع النص القرآني لقواعد الطباعة والإملاء الحديث.

كما أن الصوت القرآني أو طريقة التلاوة والأداء، ما يزال هـو هـو كما أنزل، محروسا ومنقولا من جيل إلى جيل، ومتوارثا اجتماعيا في الأسرة والمسجد والمدرسة والإذاعة والتلفزة ومراكز تحفيظ القرآن والزوايا والتكايا والكتاتيب... وما يزال علم التلاوة والتجويد يهتم بمخارج الحروف، ويعدلها ويصوب النطق؛ حماية للصوت القرآني واستمرارا له، إضافة إلى علم القراءات الذي يبحث في كل الاحتمالات الصوتية ويبين الشاذ من المعتمد منها، والمتواتر من غيره.

يضاف إلى ذلك ما نشأ حول النص القرآني من دراسات في [ ص: 19 ] الإعجاز والبلاغة والحقيقة والمجاز، وعلم النحو والصرف والمعاجم التي تبين دلالات الألفاظ في معهود العرب من الخطاب، إلى درجة يمكن أن نؤكد القول فيها بأن: النص القرآني (الديني) امتد واستمر بمناهج نقل علمية شكلا ومضمونا، وما يزال،

وكان ذلك تحقيقا عمليا لقوله تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر:9) .

ولا غرو في ذلك، فمن الناحية العقلية والشرعية تعتبر سلامة النص وسلامة أداة توصيله وفهمه من لوازم الخاتمية؛ حيث لا يتصور عقلا ولا شرعا أن يخاطب الناس ويكلفوا بنصوص منحولة وغير سليمة وغير مبينة، ومن ثم يحاسبون على مدى استجابتهم لها.

ولعلنا نقول: إن مشكلة النص الديني تاريخيا كانت في العدوان عليه، ومحاولة تحريفه وتأويله وانتحاله، الأمر الذي انتهى إلى خيانة المواثيق والعهود، والتحلل من الالتزامات، والتفلت من الواجبات، وتحويل النص ليلحق بالإنسان ويسير وراءه، بحيث تصبح مهمته تبرير السلوك، بدل أن يكون النص هـاديا ورائدا في المقدمة، موضحا معالم الطريق، ومقوما لسلوك الإنسان.

ومن هـنا ندرك بعض أبعاد قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هـواه تبعا لما جئت به. ) ، ذلك أن الإشكالية اليوم، في [ ص: 20 ] المحاولات المستمرة لأن يكون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم -أو النص الديني- تبعا لأهواء الناس.

والآيات القرآنية التي تحذر من مثل هـذه العلل التي وقع فيها أصحاب الأديان السابقة كثيرة، والشواهد والأمثلة على العبث بالنص الديني، وإقامة الكهانات الدينية، والتباس النصوص الدينية بأقوال الناس كثيرة جدا أيضا، لدرجة أصبح معها من الصعوبة بمكان تمييز النص الديني من كلام الناس، أو بتعبير آخر التمييز بين نص الشارع وقول الشارح.

وإضافة إلى هـذا التحذير مما وقعت به الأمم السابقة من علل التدين والعبث بنصوص الدين، واحتمال وقوع ذلك كحالة بشرية ممكنة عند هـبوط أقدار التدين وغلبة الهوى والضعف البشري استنفر نبي الرسالة الخاتمة العلماء العدول في كل جيل؛ لحماية مدلولات النص القرآني من العبث، فقال صلى الله عليه وسلم : ( يحمل هـذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. ) (أخرجه البيهقي، وصححه الإمام أحمد، والعلائي) .

كما دعا إلى التجديد وإعادة التقويم والمعايرة، واعتبر ذلك تكليفا ممتدا بالأمة فقال: ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل [ ص: 21 ] مائة سنة من يجدد لها دينها. ) (أخرجه أبو داود في الملاحم) .

فالتجديد هـو في أبسط مدلولاته: عودة إلى الينابيع الأولى في الكتاب والسنة، وإزالة ما علق بها من نوابت السوء؛ بسبب الهوى والضعف البشري والفهوم المعوجة والتدين المغشوش، وعودة إلى مدلولات هـذه النصوص من خلال فهم خير القرون المشهود لها من الوحي نفسه.

ولئن قلنا: بأن محاولات التحريف بالتلاعب بالألفاظ؛ زيادة ونقصانا، قد ولى زمانها لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها، فإن التحريف عن طريق التأويل، وهو الخروج بالمعنى عما وضع له اللفظ؛ لتطويع النص لرغبات وأهواء الإنسان، حالة مستمرة ودائمة وملازمة لحالات البشر. لذلك كانت الحراسة المطلوبة للنص شكلا ومعنى، وكان لا بد من مرجعية لغوية، تعاير بها المعاني، وتشكل أدوات توصيل لها.

فقضية اللغة ودلالاتها، والعبث بأدوات التوصيل، تعتبر من أخطر الأشياء التي تهدد دلالات النص الديني.

وبالإمكان القول: بأنه عند العجز عن العبث المباشر بالنص الديني، وتحقيق الإصابة له، لما يمكن أن يحيط بذلك من الاستفزاز [ ص: 22 ] والتحدي والمواجهة، يكون التحول من العبث بالنص إلى العبث بأداة توصيله.

ومن هـنا توجهت كل السهام إلى وسيلة الاتصال والمواصلة؛ اللغة العربية ومعهود العرب في الخطاب، بمختلف الأسلحة المسمومة، وأخذت عملية الإلحاد بآيات الله صورا متعددة ومستمرة،

قال تعالى: ( إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا ) (فصلت:40) ، ولعل من أخطرها الدعوة إلى العامية، بكل لهجاتها وغرائبها بشكل عام، وعلى مستوى البلد الواحد، بادعاء أنها لغة محكية ومستخدمة، ولغة تعبير، وقبل ذلك كله لغة تفكير، بينما الفصحى لاتخرج عن كونها لغة كتابة، ولا يمكن أن يستمر هـذا الازدواج اللغوي.

وجرت محاولات عديدة لوضع العامية موضع التطبيق في إشاعة الاستعمال والتأليف من مثل كتاب: (قواعد اللهجة اللبنانية السورية) لرفائيل نخلة ، وهو كتاب موضوع بالفرنسية، والنصوص العربية منسوخة بالحرف اللاتيني. وكتاب: (التحفة العامية في قصة فينانوس) لشكري الخوري ، بلغة لبنانية عامية. وكتاب: (معجم الألفاظ العامية) لأنيس فريحة . وكتاب سعيد عقل (يارة) ، الذي طبع بأحرف الأبجدية اللاتينية، مضافا إليها رموز وإشارات جديدة، حتى تؤدي أصواتا ليست في اللغة اللاتينية، وكتب على غلافه: (أول [ ص: 23 ] كتاب لبناني بالحرف اللاتيني) ، وانتقص فيه من قواعد النحو والصرف، التي تحمي النص ودلالات الألفاظ بقوله، في مجلة الأبحاث، تحت عنوان: (هذا الصرف وهذا النحو ) : (أما لهذا الليل من آخر) ، ووصل به الأمر إلى تمني أن يرى عاملا عسكريا سياسيا يفرض اللغة العامية على العرب.

ولقد تضاءل وانحسر أمر سعيد عقل ، الذي دعا في كتاباته الأخيرة إلى الاعتماد على لغة بعض الأرياف اللبنانية (في بلدته زحلة ، التي حاول اعتماد لهجتها في الكتابة) ، حيث نجد فيها لهجات عدة وليس لهجة واحدة، وأصدر مجموعته الشعرية بمقدمة مهد لها في جريدته (لبنان) ، التي كانت تصدر كل أربعاء، وقال: إن العربية بالنسبة للبنان لغة غريبة، لأنها قادمة إليه من الخارج، وأنها لم تعد محكية، وتضر بالعقل.

ولم تقتصر عملية الالتفاف على النص القرآني، وإقامة الحواجز بين أجيال الأمة وكل الإنتاج الفكري والعلمي الذي كان محوره النص القرآني، بالدعوة إلى تسييد العامية كلغة محكية، والبدء بكتابتها وإصدار الكتب والصحف بها، وإقامة الحواجز بينها وبين اللغة العربية كلغة مكتوبة؛ لغة القرآن والتراث، بل التجاوز أيضا إلى تسييد اللهجات ضمن العامية الواحدة، والعاميات ضمن الأمة الواحدة، [ ص: 24 ] لبعثرة المجتمع، وتقطيع أوصال الأمة الواحدة، كنوع من صور الإلحاد بالنص القرآني ومنتجاته.

لقد تجاوز الأمر العدوان على الفصحى والإلحاد بها؛ علما وأدبا وثقافة وفنا، إلى العدوان على الحرف العربي، والكلام عن صعوبته وعقمه وعجزه، بل لقد ذهب بعضهم إلى اعتباره سبب تخلف الأمة؛ بمعنى أنه خلع عليه تخلفه وعجزه، خاصة وأن التقنيات الحديثة جميعها ارتكزت على الحرف اللاتيني، وأن هـذا الحرف أصبح حرف العلم المتطور، وأن سبيل العلم ومراجعة منتجاته هـو الحرف اللاتيني، وبذلك قامت محاولات ولا تزال لاستبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي في معظم مناطق الشعوب الإسلامية، من تركيا إلى جنوب شرق آسيا، إلى آسيا الوسطى، إلى القارة الهندية.

وبذلك استطاعت المحاولات إلى حد بعيد قطع الأجيال الجديدة عن تاريخها السياسي وتراثها الثقافي وعطائها العلمي وثرواتها التشريعية، وأقامت الحواجز بينها وبين النص القرآني ومنتجاته العلمية والفكرية. ولولا بعض الحصون الفكرية والثقافية، بعد حفظ الله سبحانه وتعالى ، التي احتضنت النص القرآني من مثل المراكز والمعاهد والمساجد والمدارس الأهلية والخاصة، لأصبح أثرا بعد عين.

وهكذا استمرت المحاولات المتنوعة لقطع طرق المواصلات بين [ ص: 25 ] الأمة وعقلها وذاكرتها وعقيدتها، وإحداث فراغ لاستدعاء (الآخر) والاستلحاق به. فالقضية لم تقتصر على الإلحاد بالنص الديني وآيات الله، وإنما امتد الإلحاد كذلك إلى التراث العلمي والثقافي والحضاري لهذه الأمة، الذي أنتج بفعل وفاعلية النص الديني.

وبالإمكان القول هـنا: إن هـذه المحاولات، وهذه الإصابات، إنما حققت بعض أهدافها بسبب ذاتي؛ وهو العجز والتخلف والتخاذل الذي لحق بالأمة المسلمة، والاكتفاء بالاشتغال بعلوم اللغة والكلام على عبقريتها عن تطوير آلية تعلمها وتسهيل توصيلها، والإفادة من التقنيات الحديثة لتوصيلها إلى الأجيال، وتعليمها لغير الناطقين بها، أو على الأقل الاحتفاظ بها بشكل مكين عند الناطقين بها، ذلك أن محاولات استبدال الحرف اللاتيني بالعربي، وإشاعة اللهجات المحكية، ومحاولات إحياء موات اللغات الإقليمية المنقرضة قد حققت بعض النجاح الموقوت، إلا أنها في نهاية المطاف شكلت محاولات مستفزة ومتحدية ومكشوفة الأهداف، ساهمت -عن غير قصد منها- في تنبيه بعض الغافلين، ولم تبق لها إلا القيمة التاريخية، إن صح أن لها قيمة تاريخية.

ولعل الوعي المتزايد في الإقبال على القرآن -حفظا وتلاوة - ومائدته الفكرية والثقافية يتسع يوميا بشكل أفقي وعامودي وعلى [ ص: 26 ] مستوى كل الأعمار. ومن البصائر التي أصبحت واضحة هـذا الجيل من الشباب، وما يرفده ويردفه من جيل الأطفال، المقبل على القرآن... ومن البشائر المطمئنة أيضا حصول القناعة الكاملة أن الفصحى هـي سبيل وحدة الأمة وبناء شعورها وثقافتها، وأن اللهجات العامية واللغات المحلية واللغة المحكية سبيل إلى تمزيق أوصالها وبعثرة رقعة تفكيرها.

واللافت حقا أن العامية تنحسر يوميا بأقدار متفاوتة بانحسار الأمية في العالم العربي والإسلامي، حتى أصبحت العامية ترادف الأمية، وتحمل الكثير من مركب النقص والإحساس بالعجز لصاحبها. ولا غرو في ذلك؛ فالله سبحانه وتعالى الذي تعهد بحفظ القرآن لا شك أن من ثمرات ذلك حفظ البيان، وأن لغة النص الخالد ووضوح مدلولاتها لا بد أن تكون خالدة.

ولا يقل عن ذلك خطورة -وميادين المعركة متعددة، وإن كانت الإصابة هـذه المرة الأخطر لأنها ذاتية داخلية- بروز اتجاه في الغرب وأمريكا من أبناء العرب والمسلمين، الذين ولدوا هـناك، يحاولون طرح بعض القضايا التي لا أعتقد أنهم قادرون على الإحاطة بها أو بعلمها في هـذه المرحلة من حياتهم؛ وهي الادعاء بأنه لا علاقة بين التعبير وبين التفكير، أو بين التعبير وبناء أنماط التفكير؛ ذلك أن المهم في نظرهم أن يكون التفكير إسلاميا، وليكن التعبير كيفما كان، وبأية لغة كانت. [ ص: 27 ]

لذلك فكثير منهم يكتفون من العربية بحفظ بعض الآيات والسور الصغيرة؛ لتلاوتها في الصلاة خروجا من عهدة التكليف، أما باقي حياتهم وأنشطتها فلسانها غير العربية، ويحصلون على بعض المعاني والفهوم الإسلامية من الترجمات، وهذا إن صح في البدايات لا يصح في النهايات، علما بأنه من دراساتهم هـناك أنه لا يمكن فهم النص بشكل صحيح وسليم إلا بلغته الأصلية، فكيف إذا كان النص دينيا؟

فعلاقة اللغة -بمدلولاتها ومصطلحاتها- بالسلوك، ومدى تأثيرها في الاستجابة والحركة، وعلاقة اللغة والتعبير بالتفكير وصياغة أنماطه، حيث إن التفكير إنما يكون بأدواته من اللغة، وعلاقة اللغة بالثقافة والتشكيل الثقافي والتواصل وعدم القطيعة، وعلاقة اللفظ بالمعنى أمور أصبحت من المسلمات، وهذا لا يعني بحال من الأحوال الانغلاق والانطواء، وإنما يعني إغناء التبادل المعرفي.

أما مصادرة اللغة وهي الوطن الحقيقي للإنسان، فهي هـجرة واغتراب واستلحاق (بالآخر) وفقدان (للذات) ، ذلك أن التعبير بلسان (الآخر) هـو تفكير بعقل (الآخر) ، مهما ادعي غير ذلك، والشواهد والاجتهادات الشرعية أكثر من أن تحصى.

ولا شك عندنا أن محاولات إقصاء النص القرآني ومحاصرته، والالتفاف عليه، وإحداث القطيعة معه، وممارسة التحريف له سوف [ ص: 28 ] تستـمر؛ لأنها من سـنن المدافـعة والقدر الإلهي، قال تعالى: ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ) (الفرقان:31) ، وقال تعالى: ( كذلك يضرب الله الحق والباطل ) (الرعد:17) .

فهذا الضرب مستمر، وميادينه متعددة، ومعاركه متنوعة.

ولعل المعركة الأخطر اليوم التي قد يصعب تجنيد الأمة بجميع شرائحها لمواجهتها هـي معركة المصطلحات، التي تشكل أدق مواقع الغزو الثقافي، ولا يمكن أن ينهض بها إلا العلماء العدول، فقضية المصطلح تكاد تكون من أدق القضايا في عصرنا.

فالمصطلح -كما هـو معروف- هـو مفتاح العلم والثقافة، وبدون القدرة على استيعاب المصطلحات وتوليدها وفهمها لا يـمكن استقرار علم ولا فهم، والحاجة ماسة اليوم لأن يساير إبداع المصطلح عملية النمو والازدهار لكل الأمة، وإلا كان الاستدعاء لمصطلحات (الآخر) ، والاستلحاق به، وغياب الخصوصية اللغوية والثقافية.

وهنا تبدأ المخاطر التي لا يعلمها إلا الله، وقد تكون الإصابات البالغة في الجسم والعقل المسلم؛ لأن المسلمين فقط هـم الذين أورثوا الكتاب الخاتم والنص الخاتم الخالد دون سائر الأمم، لذلك نقول: لئن كانت إصابات الأمم من الغزو المصطلحي خطيرة على خصوصيتها وعقلها وثقافتها، فإنها مهما بلغت فسوف لا تقارن بما يمكن أن يلحق الأمة المسلمة [ ص: 29 ] من محاولة تحريف كتابها وكلامها عن مواضعه.

وقد لا تكون الإشكالية الكبيرة اليوم في المصطلحات العلمية التي تشيع وتحاول أن تكتسب صفة العالمية، على الرغم من أنها مصطلحات مشبعة بثقافة مبدعيها ومفهوماتهم، وإنما الإشكالية الحقيقية في المصطلحات الفكرية والثقافية أو المفهوماتية بشكل عام، لأن المصطلحات الفكرية تعبر عن قسمات وسمات وملامح شخصية الأمة وميراثها الثقافي وركائزها الثقافية، وهي وليدة (الذات) وخصيصة اللغة، لذلك فإن محاولة الدخول من خلال المصطلح تتجلى خطورتها في ما يمكن أن تحدث من بلبلة فكرية، وخلط في المفاهيم، واهتزاز في الشخصية، واضطراب في الثقافة، وتبديل في مفاهيم القيم الضابطة لمسيرة الأمة.

ومن الأمور اللافتة اليوم أن أدوات هـذه المعارك الجديدة تتمثل في استخدام مصطلحات الأمة نفسها، والتسلل والعبور من خلالها، ومحاولة إعطائها مدلولات جديدة، وتفريغها من مضمونها وتاريخها الثقافي ورصيدها في شعور الناس، وربطها بحوادث وأحداث جديدة، على طريقة المنعكس الشرطي؛ لتحويلها إلى مدلولات جديدة منفرة، تعدو على المدى البعيد على قيمها الدينية والثقافية، وتحاصرها بضروب من الكراهية، وبذلك تخرج الأمة من ذاتها. [ ص: 30 ]

وعولمة المصطلحات اليوم، والضخ الإعلامي المستمر من (الأقوى) حول تشكيلها وتحديد مدلولاتها وطرق استخدامها، تعتبر محاولة لجعل الأمم جميعا محل رجع الصدى ونسخة مكررة ممثلة لإرادة (الأقوى) ، مشكلة بمفهومه للكون والإنسان والحياة، ومتقمصة فلسفته ورؤيته وأسلوب حياته ومناهج فهمه.

لذلك نقول: بأن محاولات الإلحاد بآيات الله مستمرة، وسوف تستمر، وأن رموز الإلحاد بالقرآن الكريم اليوم إنما ينطلقون من مواقع غير عربية وغير إسلامية، أو- إن صح القول- من مواقع تغلب عليها عجمة العقل والقلب،

يقول الله تعالى: ( لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ) (النحل:103) .

فإلحادهم جاء من موقع لسان أعجمي؛ فمن الحديث عن انتحال الشعر الجاهلي، الذي يمثل شواهد وأدلة مفهوم العرب بالخطاب، ويساعد على بيان مفهوم الألفاظ ودلالاتها، إلى إحياء اللغات الإقليمية، إلى تشعب اللهجات المحلية، إلى التفريق بين اللغة المحكية واللغة المكتوبة ، إلى تسييد اللغة العامية، إلى اعتبار ألفـاظ القرآن نصا تعبيريا لغويا بشريا، بعيدة عن أية قدسية، خاضعة للنقد والدراسة، إلى العبث بالمصطلحات الفكرية، وغير ذلك مما كان وسيكون من المعارك والمحاولات التي تجهد لإخراج الأمة من دينها. [ ص: 31 ]

لذلك كان الجهاد بالقرآن وسيبقى من أعلى أنواع الجهاد وأدقها وأخطرها،

قال تعالى: ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ) (الفرقان:51-52) .

وبعد، فالكتاب الذي نقدمه يمكن أن يمثل بعض الإشارات الضوئية، وينبه إلى بعض المخاطر في معركة المصطلحات، وما يمكن أن يلحق بالأمة من إصابات ثقافية وفكرية وعقيدية، تمزق رقعة تفكيرها، وتعبث بمدلولات النص القرآني، تحريفا وانتحالا، إضافة إلى ما يمكن أن ينتج عن معركة المصطلح من التسلط المعرفي الذي تمارسه ثقافة (الآخر) ، من استبداد وهيمنة ونقل خصائص حضارته وأنماط تفكيره وطراز حياته.

وفي تقديرنا، أنه لا بد أن نوفر لكل معركة أسلحتها النوعية، ولكل بحث أدواته، ولكل معرفة تخصصها، حيث لم تعد عمليات الرفض والإدانة والاتهام مقنعة لأحد، فلا بد من التزود بزاد المعركة قبل خوضها، فكثيرا ما ندخل بعض المعارك عزلا من الأسلحة الملائمة، فتكون النتيجة لصالح الخصم، ويقتصر دورنا في التوقيع على هـزيمتنا.

والله المستعان من قبل ومن بعد. [ ص: 32 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث