الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي جعل ميزان الكرامة، التقوى والعمل الصالح،

فقال تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (الحجرات:13) ،

وبذلك اقتضى عدل الله المطلق، أن يكون ميدان المفاضلة كسبيا، من قبل الإنسان، وليس قسريا، مما لا يد للإنسان فيه، كالذكورة والأنوثة، واللون، والعرق، والقوم، والنسب، والعشيرة، والقبيلة، لأنها جميعا أمور قسـرية، لا يد للإنسان في إيجادها أو نفيها، لذلك فلا يمكن عقلا، ولا شرعا، أن تكون ميزانا للتفاضل، فكم من امرأة صالحة عالمة خيرة، تفضل وتتميز عن كثير من الرجال الجهلة والفاسقين الطالحين؛ كما جعل سبحانه وتعالى أهلية المرأة كاملة كأهلية الرجل سواء بسواء، واعتبرها محلا للخطاب، والتكليف، والاستجابة،

فقال تعالى: ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) (النحل:97) ،

كما اعتبرها أصلا للخلق كالرجل فقال تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) [ ص: 5 ] واعتبر إنسانيتها كاملة، وشرع لها من الحقوق الإنسانية العامة ما شرع للرجل، لكونها إنسانا كامل الإنسانية والأهلية غير المنقوصة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، لأنها قد تكون محلا للغمط والامتهان بل منحها قدرا من التكريم والإكرام والإحسان والاحترام ما يفوق شرعة الحقوق، التي سوتها بالرجال.

كما فضلها في بعض المواطن التي هـي أقرب لوظيفتها ودورها ورسالتها على الرجل، كما فضل الرجل في بعض المواطن التي هـي أقرب لدوره ووظيفته ورسالته، فلكل فضل وتفضيل في مجاله واختصاصه،

قال تعالى: ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله ) (النساء:32) ،

دون أن يخرم ذلك التفضـيل التخصصي بالحقوق الإنسانية العامة المتساوية، ذلك أنه من غير المتصور والمنطقي، أن لا تكون المساواة إلا في الحقوق الإنسانية العامة، أما في مجال الاختصاص فكل منهما تميزه باختصاصه، عن الآخر باختصاصه، إذ لا يمكن أن تتحول المساواة لتكون شكلية مع تنوع الأعمال والاختصاصات والجهود والفوارق [ ص: 6 ] الفردية، وهذا كائن بين الخلق بين الرجال والنساء، وبين النساء والنساء، وبين الرجال والرجال:

( ولكل درجات مما عملوا ) (الأنعام:132) .

والصلاة والسلام على الرسول القدوة، الذي جاءت سنته وسيرته تجسيدا وتنـزيلا لهذه المعاني والقيم القرآنية على واقع الناس، وتسديدا لممارستها، وتقديم النماذج المضيئة لمسيرة البشرية، والعمل على تحقيق تلك القيم من خلال عزمات البشر، ومجتمعات البشر، ونزوع البشر، ذكورا وإناثا؛ الذي أسس وأصل للعلاقة الأسرية بين الذكر والأنثى وأقامها على التكامل والمودة والرحمة،

قال تعالى: ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) (الروم:21) ،

فكيف لا تكون تلك الرحمة والمودة والمرأة جاء جعلها وخلقها من نفس الرجل، بعيدا عن التقابل والصراع، ذلك أن التكامل والمودة والرحمة هـو الذي يسمح بنمو الحياة وامتدادها في مناخ طبيعي رحيم، ويساهم بحماية مسيرتـها، أما الصراع والتقابل فهو الذي يؤدي إلى الخلخلة الاجتماعية، والتمزق الاجتماعي، والتكاثر البشري العشوائي، وتمزيق شبكة العلاقات الاجتماعية، والتفكك الأسري، والتمرد، والخروج؛ الذي [ ص: 7 ] جعل حسن التبعل في الزواج والقيام بالمهام التربوية وبناء القاعدة الاجتماعية السليمة تعادل الجهاد من حيث الثواب، بل اعتبره الرسول صلى الله عليه وسلم جهاد المرأة الحقيقي، وقرر أن : ( النساء شقائق الرجال ) ، فالمرأة هـي الشق الآخر المساوي المتحمل لمسئوليات الحياة، المشارك في معاناة الأمة وليس الأسرة فقط، فلقد هـاجرت المرأة، ومارست الشورى في مجتمع النبوة، وبايعت، وجاهدت، وتعلمت القرآن وعلمته، وروت الحديث، واستدركت على الرجال من الصحابة، وقالت الشعر، وكان بيتها محلا لإجارة الرجال في أيام الأزمات، وأقر الرسول صلى الله عليه وسلم لها من أجارته ( فقال في فتح مكة : قد أجرنا من أجرت يا أم هـانئ ) (أخرجه البخاري ) ، فجعل من التجأ ودخل بيتها آمنا كمن التجأ إلى المسجد الحرام.

وبعد:

فهذا كتاب الأمة السابع والتسعون «قضية المرأة.. رؤية تأصيلية»، للأخت الدكتورة سعاد عبد الله الناصر (أم سلمى) ، في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة قطر، في محاولة لإعادة تصويب الواقع، وتقويمه بقيم الكتاب والسنة، وتحديد مواطن الخلل [ ص: 8 ] الاجتماعي والثقافي، والاجتهاد في التعرف على أسبابها، وبذل الجهد، لمعالجة تلك الأسباب، وفق سنن الله الفاعلة في الأنفس والآفاق، وعدم الاقتصار على الشكوى والبكاء على حال الأمة، والتوهم بأنه قد تودع منها، إضافة إلى ترميم الآثار، وسد الثغرات، من خلال استقراء مرحلة القدوة، والتعرف على مسيرة السيرة النبوية، وتحديد واقع المجتمع من هـذه المسيرة الطويلة، التي غطت الحالات الإنسانية جميعا، في السقوط والنهوض، وتحديد موطن الاقتداء في كل مرحلة يعيشها المجتمع، مع الاحتفاظ بالرؤية الشمولية لمسيرة السيرة بكل أبعادها، وبذل الجهد لترسم خطاها والتطلع إلى بلوغها، والمقاربة مع الأنموذج، سواء في ذلك حالات الوهن والسقوط والانكسار، فلها أنموذج في السيرة للتعامل معها، أو حالات التمكين والقوة والنصر، حيث لها أيضا الأنموذج المطلوب، ذلك أن حالات التدين وأقداره لا تثبت على حال واحدة، وإنما تنمو وتتعالى، وتهبط وتتقهقر، ولكل حال أنموذجها.

ذلك أن الاقتصار على الأنموذج الإيجابي وعدم إبصار غيره والانحياز إليه عاطفيا في التعامل، والناس معرضون للحالات جميعها، يوقع الناس في إشكالات سببها غياب منهجية الاقتداء، وليس الفقر في توفر الأنموذج المطلوب. [ ص: 9 ] من هـنا نقول: بأن القيم هـي المصدر والمرجعية وأن السيرة هـي المنجم، الذي يمد الحياة بالعطاء والتصويب والتعامل الصحيح مع القيم المنـزلة وواقع الحياة، بكل أطواره وتطوراته وتبقى العودة للتطبيق النبوي للقيم هـي الفيصل والمعيار لتنـزيل القيم على واقع الناس، وخاصة عندما تطيش السهام، ويتطاول الجهلة، وتختلط الأمور، وتكثر الآراء، وتتقدم التقاليد الاجتماعية، وتتراجع التعاليم والقيم الشرعية، وتتحكم بالرؤى والاجتهادات الظروف الخاصة والآنية والمعاناة الفردية، التي قد يعيشها بعض الأفراد من رجال ونساء، ويحاولون التفتيش لإيجاد المشروعية الشرعية لما يرون.

وقد يكون الوجه المقابل لما أشرنا إليه أن بعض النساء، أو الرجال، قد تعرضوا في حياتهم لظروف ومعاملات خاصة، ضمن أسرهم، مع آبائهم أو أزواجهم أو زوجاتهم أو إخوانهم، قد يكون ما تعرضوا له بعيدا كل البعد عن القيم الإسلامية الصحيحة، وإنما قد يمارس عليهم تحت شعار الإسلام أو بعض المفهومات المعوجة أو المغشوشة للتدين، ويحاول من يمارسونها أن يلبسوها ثوب الدين لفرض سلطانهم، وقد يكون الدين منها براء، ويعجز الذين يتعرضون لهذه المعاناة بسبب معاناتهم نفسها عن التفريق بين الصورة التي تمارس عليهم باسم الدين، وبين الحقيقة التي تقتضيها القيم الإسلامية، فتجيئ أحكامهم [ ص: 10 ] وآراؤهم فيها الكثير من عدم الروية والموضوعية، والكثير من التجني على الحقيقة.

وكثيرا ما يتابع الإنسان السيرة الشخصية لبعض من يخاصمون القيم الإسلامية، أو يعادون الإسلام، فلا يلبث أن يكتشف السبب الحقيقي لمثل هـذه المواقف الجائرة والأحكام الظالمة، ذلك أن اختزال القيم الإسلامية في موقف، أو شخص، أو مكان، أو زمان، واعتباره مقياسا وعدم القدرة على تجريد الحقيقة من ظرفها كائنا ما كان، واعتمادها معيارا يحدد الانحراف والخروج، يمكن أن يعتبر من أخطر الإشكاليات والمغالطات التي يعيشها خصوم الإسلام وهم من بعض أبنائه وبناته، الذين يسقطون ضحايا الصور المشوهة للتدين، التي يمارسها الآباء أو الأزواج أو الإخوة.

ولعل الدخول في الإيمان والارتقاء إلى درجة توحيد الألوهية والربوبية التي أوضحت مفهومها النبوة الخاتمة، وأصلتها في الرؤية الإسلامية، هـو الذي يشكل المصدر الأساس للحرية، سواء بالنسبة للذكر أو للأنثى، على حد سواء.

فحق التدين والاعتقاد يمثل قمة الحقوق الإنسانية وأساسها، فالمرأة لا تتعبد وتعبد الله من خلال زوجها أو أبيها أو أخيها، [ ص: 11 ] وبالتالي فهي ليست ناقصة الأهلية لتلقي الخطاب الديني، وإنما تقف على قدم المسـاواة مع الرجل أيا كان، وتتصل بالله بدون وساطة، ولا يمثل الألوهية في الأرض أب أو زوج أو أخ أو أي مخلوق آخر:

( وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) (مريـم:95) ،

( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) (المؤمنون:101) ،

وليس أحد أحق بالإيمان والعمل الصالح من أحد، وبلوغ الدرجات العليا والتنافس في الخير والارتقاء إلى الكمال، ليس وقفا على الرجل دون المرأة، ولا خضوع وعبودية إلا لله المتصف بصفات الكمال، المتعالى عن البشر.

وقد يكون من المناسب والمفيد هـنا، الإتيان بنماذج تجسدت فيها هـذه المعاني الكبيرة من عصر القدوة وجيل خير القرون، ليكون وسيلة إيضاح، ودليل عمل، تبصر معها المرأة المساحة الهائلة من الحرية، والتقدير، والشخصية الاستقلالية التي بناها لها الإسلام وتبصر الجرأة الأدبية، والحوار الراقي مع الخليفة الراشد، الذي تروي لنا الآثار عن خوف الشيطان منه دون سائر الخلق، على الرغم من سلطان الشيطان وقدراته الفائقة ومداخله اللعينة، وذلك عندما حاول معالجة إحدى المشكلات الاجتماعية في المسجد، كما تروي لنا [ ص: 12 ] كتب السيرة، وهي مشكلة غلاء المهور، الذي قد تكون سببا في عجز الشباب وعزوفهم عن الزواج، والتوجه صوب تحديده، فقامت امرأة من المصليات، الحاضرات لشهود الخير في المساجد، لترد عليه مستنكرة ذلك في أكرم بقاع الأرض وأقدسها، بما معناه: أيعطينا الله ويمنعنا عمر؟!

ودللت على رأيها بقوله تعالى: ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ) (النساء:20) ،

فالقنطار الوارد في الآية كناية عن الكثرة الكثيرة، فما كان منه إلا أن قال: كل أحد أفقه من عمر.

" «قال سعيد بن منصور، رحمه الله، حدثنا هـشيم قال حدثنا مجالد عن الشعبي قال: خطب عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا لا تغـالوا في صدق النسـاء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله -أو سيق إليه- إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل، فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين! كتاب الله، عز وجل، أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله، عزل وجـل، فما ذلك؟

يقول في كتابه: ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) [ ص: 13 ] فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر، مرتين أو ثلاثا، ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إني نهيتكم أن تغالوا في صدق النساء ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له» "



[1] (حسن لغيره) .

وكم نحن اليوم بحاجة إلى استرداد هـذه النماذج، وهذه الوقائع، وهذه الدلالات، وتلك النساء، وهؤلاء المسئولين.

ولو أننا تمثلنا هـذا الشعار في حياتنا: «أيعطينا الله الخالق ويمنعنا الناس من المخلوقين؟» مع استكمال الوجه المقابل له: «أيبيح لنا الناس المخلوقون، أيا كانوا، ما يمـنعنا الله منه؟»، لاستقام أمرنا، وازداد وعينا بما قال الله وقال الرسول وعرفنا ما لنا وما علينا، ولم يستطع أحد أن يتطاول أو يعلو علينا باسم التدين أو يزاود عليها باسم حقوق المرأة، فيكون ذلك سببا في هـروبنا من الدين.. أيعطينا الله ويمنعنا الناس (!)

ولعلي أقول هـنا: إن الإشكالية التي نعاني منها اليوم، وغدا وبعد غد، تكمن في أننا لم نعط المرأة ما أعطاها الله، وأوهمناها وأنفسنا أن ما يمارس عليها هـو شرع الله، لذلك كان من الطبيعي التمرد والخروج وتكسير الموازين، والجنوح والرفض لكل صور التدين، [ ص: 14 ] الصحيح منها والمغشوش.. إن حالات الانسداد والاحتقان ومحاولات حرمان المرأة من إنسانيتها، وعدم توفير الأوعية الشرعية لحركتها، وإقامة الحدود والسدود التي لم يأمر بها شرع الله، واستخدام بعض الأحكام الشرعية وتنـزيلها على غير محالها، دفع بالمرأة في كثير من الأحيان إلى كسر الجدار في محاولة للخروج من حالات الضيق، حتى ولو سقط عليها الجدار.

والمشكلة الكبيرة في واقعنا الاجتماعي اليوم، أن الذين منعوا المرأة مما أعطاها الله وجدوا لمسالكهم مسوغات من التقاليد الاجتماعية المتوارثة، وحاولوا كسوتها بقيم الدين، وإذا أعجزهم ذلك تترسوا واحتموا بمبدأ سد الذرائع، فحرموا الكثير مما أحل الله باسم سد الذريعة والحيلولة دون وقوع الفتنة، والفساد، الأمر الذي يتطلب تحريم الدواعي والأسباب... إلى آخر هـذه القائمة من المعاذير والمسوغات، التي كادت تفقد المرأة إنسانيتها، وتغمط حقوقها، وتنتقص كرامتها، وتخرم أهليتها..

ولا يخفى على أحد من أهل العلم أن مبدأ سد الذرائع يعتبر حالة خاصة واستثنائية جدا يقلب النظر فيه، بعد توفر جميع الشروط والأدلة القاطعة على أن الأمر مفض إلى الحرام. ذلك أن التوسع في هـذا الأمر إلى درجة إيقاف الأحكام الشرعية الخالدة، الصالحة لكل [ ص: 15 ] زمان ومكان، أو إبدالها، أو إلغائها، يجعل الأمر خطيرا وأكثر من خطير، لأنه في كثير من الأحيان ينتهي إلى لون من التسلط والظلم والتجني واتباع الأمزجة المنحرفة باسم الدين، الذي جاء في الأصل لتخليص الإنسان، ذكرا أو أنثى، من تسلط الإنسان على الإنسان أيا كان.

إن التوسع في مبدأ سد الذرائع وفتح الباب على مصراعيه خطير، وخطير جدا، لأنه سوف ينتهي إلى إلغاء شرع الله، ومحاصرة خلوده، وإقصاء أحكامه عن واقع الناس، ويخشى أن يبلغ الأمر حدود الخروج من الإيمان، والعياذ بالله، ذلك أن الله الذي أنزل الشريعة الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان، أعلم من سـائر خلقه بتقلبات الزمان، وما قد يحمل من فساد.. ولو كان هـذا الفساد ذريعة لإيقاف الأحكام، وأن بعض الناس أكثر غيرة على عباد الله من الله، لاقتضى ذلك أن تكون الشريعة مؤقتة وغير صالحة للامتداد والاستمرار.

وقد لا نستغرب - وهذه الاجتهادات لا تخص زمانا دون آخر، لأنها حالة مرضية يمكن أن تحدث في كل زمان- أن يقف أحد المسلمين في العصر الأول عندما يذكر أمامه حديث: ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ) ، وكأن الرسـول صلى الله عليه وسلم في هـذا، يبصر الغيب، وما يحمل معه من فهوم، فيقف هـذا الرجل ليقول: والله لنمنعهن [ ص: 16 ] (بذريعة درء الفتنة) ، فيشتد عليه ويعنفه ابن عمر رضي الله عنه ؟ فيقول: أقول لك: يقول الرسول، وتقول: والله لنمنعهن!

«حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ( قال كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد فقيل لها لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني، قال: يمنعه قول رسول الله: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ) (أخرجه البخاري) .

( وعن سالم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا تمنعوا إماء الله أن يصلين في المسجد، فقال ابن له: إنا لنمنعهن، فغضب غضبا شديدا، وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول إنا لنمنعهن! ) (أخرجه ابن ماجه) .

ولا نستغرب أيضا بعض الفهوم، أو بعض صور التدين المغشوش، تحت شعار سد الذرائع، أن تمتنع بعض النساء عن الزواج باسم التدين، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من النساء مزيدا من التقوى للوقاية من النار بسبب كفران العشير، فرأت أن الأفضل أن لا تتزوج حتى لا تقع في كفران العشير، وبذلك تتقرب إلى الله بعدم الزواج... وهكذا تعوج [ ص: 17 ] الفهوم، وتشوه قيم الدين بصور التدين، وقد يصل الأمر في التفكير عند بعضهم بجواز أو وجوب الإخصاء، سدا لذريعة الزنى.

والأمر الذي لا بد من التوقف عنده قليلا وإيضاحه، إن فترات التراجع، والتقهقر، والتخلف، والوهن، لا يمكن أن تعتبر مقياسا لواقع المرأة، ولا لواقع الرجل أيضا، وإنما المعيار القيمي هـو الكتاب والسنة، والمعيار التجسيدي أو التجريبي هـو مرحلة السيرة والخلافة الراشدة وخير القرون، وفترات التألق والإنجاز، التي تأخذ فيها هـذه القيم التنـزيل الصحيح، وليس فترات التراجع والتقهقر والانحطاط، التي يسودها التشويه والغثاء، وتطفوها العادات والتقاليد غير الشرعية، وتغيب معها القيم والتعاليم الشرعية، فيصبح ما كان يسمى (بالحرملك) هـو معيار تنـزيل القيم على واقع الناس.

وقد تكون المشـكلة، بالنسـبة للمرأة والرجل والأسرة ودور كل منهم، كامنة في الثقافة المنحدرة بالتوارث الاجتماعي، حيث قد لا يفترق في التعامل المتدين وغير المتدين، في الموقف من القضايا الأسرية والتعامل معها، فكثير من غير المتدينين الذين يدعون التحضر والتقدم والحداثة، يمارسون في أسرهم وعلى زوجاتهم وبناتهم أشد أنواع التوحش والظلم والتجني والبخس والوأد الخفي، ويرتكسون في [ ص: 18 ] تعاملهم إلى ما هـو أشد من الجاهلية الأولى، هـذا عدا عما يمكن أن يكون من غمط الحقوق، والجنايات الزوجية، والعلاقات غير الشرعية، والانشغال بكل شيء حتى ولو كان تافها عن أداء حقوق الزوجية.

أما بالنسبة لبعض المتدينين، فقد لا يختلف الأمر كثيرا من بعض الوجوه مع شديد الأسف، حيث ثقافة التعامل واحدة، وقد لا تختلف الكثير من الأسر عن بعضها إلا بالعناوين والشعارات، أما المضامين فهي تكاد تكون واحدة.. ويخشى أن يكون المتدين هـو الأقدر على التعسف في استعمال الحق، واستخدام وإشهار سلاح التدين، لطمس شخصية الآخر باسم القوامة والرجولة والفحولة، علما بأن القوامة هـي درجة إشراف وإدارة وليس منـزلة تشريف حيث الأفضل هـو الأتقى إسلاميا.. وقد يكتفي بعضنا بالأشكال والمظاهر الإسلامية، مهما كانت حقيقة المضامين، وهذا بلاء من البلاء الذي يبعث على الخوف والتنفير من التدين ولا يثير الاقتداء.

وقد تكون الخطورة، كل الخطورة، في الوقوف عند حدود الشكل فقط بالنسبة للمرأة والرجل واعتباره مقياس الفهم الدقيق والتدين السليم، على أهمية ذلك وضرورته وما يحقق من تميز واستجابة لأمر الله، دون التجاوز إلى اعتبار المضمون، وأن الشكل لا يخرج عن [ ص: 19 ] أن يكون رسما وسمة ووسيلة لحماية المضمون وتنميته وإشاعة الراحة والاطمئنان النفسي وتوفير المناخ المناسب لنمو وامتداد المضمون.

إن الارتكاز إلى الشكل واعتباره مقياسا نهائيا، يؤدي إلى ضروب من التحايل، والنفاق الاجتماعي والاندساس، والاختراق الأمني، والتجسس على المسلمين أو العاملين للإسلام اليوم.. وكثيرا ما كان الشكل سبيلا لأعداء الإسلام للإيقاع بالمسلمين ولعل اعتماد الشكل مقياسا لم يقتصر على المرأة، وإنما كان إصابة عامة شملت المرأة والرجل على سواء.

وقد يكون من المفـيد بل من الضـروري الاعتراف بأن المرأة لم تأخذ دورها المأمول في حركة الوعي الإسلامي المعاصر، أو ما يطلق عليه بالصحوة الإسلامية، وإن كانت تقدمت بعض الأشواط، واحتلت بعض المساحات، وأصبح الالتزام والحشمة والانضباط ظاهرة ملـفتة في المدارس والمعاهد والجامعات والأعمال.... إلخ، إلا أن ذلك لم يواكب حركة الرجل ولم يوازها، وقد يكون السبب ثقافة التخلف الشائعة، وتحكم التقاليد، والتوارث الاجتماعي بكل أثقاله وأحماله، وقد يكون السبب أن حركة الوعي الإسلامي المعاصرة انشغلت بالدفاع عن دور المرأة المسلمة، وبيان حقوقها، [ ص: 20 ] ومكانتها في الإسلام، والقيام بالمقارنات بين المرأة في الإسلام والمرأة في الحضـارات والأديان الأخرى، أو المقاربات القانونية أحيانا بين ما أعطته الشريعة من حقوق للمرأة وبين حقوقها في الحضارات والثقافات الأخرى.

ويمكن القول: إن معظم الإنتاج الثقافي في إطار المرأة، يمكن أن يصنف في إطار الفكر الدفاعي المتمحور حول الحماية ورد الهجوم، باعتبار أن المرأة كانت الثغر المفتوح والمدخل الأسهل.. المهم أن معظم الإنتاج كان بإقامة دفاعات على الحدود، بل لعل ذلك وصل إلى القدر الذي استنفد الطاقة وأخل بضبط النسب، وجاء على حساب تنمية المرأة، وتصويب وضعها، وإعادة الاعتبار لها، وإعطائها ما أعطاها الإسلام. لذلك عدنا للمرأة التي استنـزفنا طاقاتنا في الدفاع عنها فلم نجدها بالأقدار المطلوبة، ولو أدركنا أهمية تنمية المرأة وإعطاءها ما أعطاها الله، لكانت ترسانة فكرية ودينية قائمة بذاتـها لا تحتاج إلى المدافعة عنها بل هـي تنخرط في الدفاع عن قيم الإسلام.

وخلاصة القول: إننا انشغلنا بالجدل على دور المرأة وحقوقها عن تحقيق هـذا الدور فعلا في الحياة الإسلامية المعاصرة، وقد نكون حققنا بعض النجاح في توفير الأشكال المطلوبة، لكننا أخفقنا كثيرا [ ص: 21 ] في بناء المضامين المقصودة، وكان الأمر ولا يزال يتطلب مواقف جريئة مع النفس، والعكوف على الذات، وإعادة تقويمها بقيم الكتاب والسنة وفعل السيرة في تنـزيل هـذه القيم على واقع الناس، وتجسيدها في المجتمع من خلال عزمات البشر، وتصحيح واقع المرأة والرجل والأسرة والمجتمع، والكف عن البكاء والصراخ والعويل والمزيد من توفير الشخصيات المنبرية، الحماسية، التي قد لا يحسن الكثير منها إلا نعي الأمة والصراخ، ظنا منها بأن سماكة الحناجر تحل المشاكل وتعالج الأزمات.

ونخشى أن نقول: إن ذلك بدأ يورث أمرا يكاد يكون سلبيا؛ لأنه قد يشكل متنفسا يحول دون الانفجار والحراك الثقافي السليم حتى لو صاحب ذلك الإخلاص، الذي لا يعلمه إلا الله، لكن يغيب عنه الصواب والدراسة المتأنية للواقع والتبصر بوسائل النهوص به، الأمر الذي يدفع دائما إلى الهروب من الواقع إلى الماضي، للاحتماء به، ومعالجة مركب النقص عن عدم الإنجاز والقدرة على الامتداد بذلك الماضي، والمراوحة في المكان نفسه مع الظن بأننا نقطع المسافات الطويلة.

ولو أحسنا استشراف الماضي فعلا لفقهنا الحاضر وكيفية التعامل معه، وأبصرنا المسـتقبل وكيفـية الإعداد لـه، لكن المشـكلة، [ ص: 22 ] أو الإشكالية، هـي مناخ التخلف المضروب على عقولنا وأذهاننا، حتى أصبح ينعكس على فهم قيمنا وقراءة تاريخنا والتعامل مع حاضرنا ويسهم بغيبوبة مستقبلنا، وبتنا عاجزين عن الإبداع والتنمية والارتقاء وتجريد قيم الكتاب والسنة من قيد الزمان والمكان، وتوليدها وتنـزيلها على قضايا الناس في كل زمان ومكان، الأمر الذي أسقطنا في التقليد، سواء في ذلك من يحاول تقليد ماضينا ويعاني من غربة الزمان، أو من يقلد حاضر (الآخر) فيعاني من غربة المكان والتراث والتاريخ والثقافة على الأقل، فالكل مقلد وعاجز عن النهوض والتوليد من خلال قيمه، ولو ادعى الحداثة والتجدد.

ومهما قيل عن مناخ التخلف وذهنية التخلف، والإقرار بأنها وباء عام يصيب جميع جوانب الحياة وينعكس على سائر الأنشطة والناس، إلا أن انعكاسه على المرأة يشكل الوجه الأظهر، ولا ندري هـنا: هـل لأن المرأة أسرع استجابة وأوفر قابلية للتقليد، أو للظن بأنها الحلقة الأضـعف في البناء الاجـتماعي، وأن عصر التـخلف عادة ما يعتمد معايير الأشكال والأحجام والفحولات والعضلات، وتغيب معه المعاني الحقيقية، التي يمكن أن تعتبر معيارا للفضل والتفاضل وسبيلا للإنجاز والارتقاء؟ [ ص: 23 ]

وتبقى المرأة وصون حقوقها، وحماية كرامتها، والاضطلاع برسالتها في الحياة.. ولأسباب كثيرة، يصعب حصرها في هـذا المجال، هـي مقياس التحضير، أو هـي معيار الحضارة وما بلغته من تحقيق إنسانية الإنسان وتوفير مناخ الحماية والأمن، أو إقامة حضارة الأمن، وأن الارتكاس والتوحش والجاهلية القديمة والحديثة ضحيتها المرأة بالدرجة الأولى، وفي ضوء ذلك ندرك الهدف الرئيس لمسيرة الحضارة الإسلامية من ( قول الرسول صلى الله عليه وسلم : « إني لا أخشى عليكم الفاقة لينصرنكم الله تعالى وليعطينكم أو ليفتحن لكم حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب أو أكثر ما تخاف السرق على ظعينتها ) (أخرجه أحمد ) .

إن حضارة الأمن السياسي والاجتماعي والغذائي والإنساني معيارها المرأة وتوفر كرامتها.

ولعل اللفتة الواضحة أيضا التي أشار إليها النص القرآني، أثناء الحديث عن قضـية الإرث، التي كانت المرأة محرومـة منه تماما، ولا يزال ذلك قائما عند بعض الناس، على الرغم من ادعائهم الإسـلام، تلك الإشـارة التي جعـلت نصيب المرأة وحـقها في الميراث [ ص: 24 ] هو الأسـاس لحساب نصيب الرجل،

يقـول تعالى: ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) (النساء:11)

وكأنما نصيب الأنثى يقرر ويحدد أولا، ومن ثـم نصيب الرجل.

من هـنا أقول: لا أعتقد أن هـناك مشكلة إذا قلنا: بأن واقع المرأة، أو بعض واقعها في مجتمعاتنا، أو في بعضها، وفي بعض الرءوس الجاهلة بالإسلام، انتقل من الوأد المادي إلى الوأد النفسي، وإننا نمارس الوأد الخفي دون استشعار المسئولية الدينية، حتى لا يتوهم الكثير منا ومن (الآخر) أن الصورة التي عليها المرأة هـي واقع المرأة في الإسلام.

بل لعلي أقول : بأن التستر على ذلك، وعدم نقده وتقويمه والقيام بالمناصحة وإعادة بناء الذات، والاستمرار في ممارسة عملية الدفاع حتى ولو كانت عن واقع لا يرضى به الإسلام، هـو المشكلة؛ لأنه سوف يعني ذلك عند المرأة نفسها وعند من يحاولون ابتزازها، والذين يعجزون عن تجاوز الصورة إلى الحقيقة، ويخلطون بين الحق كما شرعة الله والتعسف في استعماله، كما يمارسه بعض البشر أن القيم الدينية الإسلامية هـي السبب في الوضع البئيس الذي تعيشه المرأة، وليس الانسلاخ عن القيم، تربويا وفقهيا واجتماعيا، هـو الذي أودى بها إلى الهاوية. [ ص: 25 ]

وتبقى الإشكالية المطروحة: كيف يمكن أن تسترد المرأة دورها ومكانتها في البيوت الإسلامية والمجتمعات الإسلامية، وفي رءوس الكثير من العاملين للإسلام، الذين لا تزال فيهم آثار الجاهلية، رغم إسلامهم، كما عبر عن ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في تصويبه لممارسة بعض أصحابه وهم من جيل خير القرون: ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) (أخرجه البخاري ) .

كيف يمكن أن تسترد المرأة دورها وريادتها ومكانتها لتكون أنموذجا على فعل القيم الدينية، في السلوك والفكر والفعل والحق والواجب، يثير الاقتداء، وتبدأ عملية التحول من الحديث عن مكانة المرأة في الإسلام، وحق المرأة في الإسلام، ووظيفة المرأة في الإسلام، وتكريم الإسلام للمرأة، الأم والأخت والزوجة والشقيقة، وأصل الحياة وينبوعها، ومصدر الحياة، وسبيل النمو والتنمية، إلى الحديث عن كيفية تصويب واقع المرأة، ومعالجة صور التدين المغشوش، في كثير من الأحيان التي تملأ واقع المسلمين؟

ذلك أن الكلام عن مكانة المرأة، وعظمة الإسلام في تكريمها، والقيام بالمقارنات والمقاربات، بعيدا عن التحول في الاقتصار في الحديث عن عظمة القيم إلى التفكير بكيفية تطبيقها وتنـزيلها، يجعل [ ص: 26 ] المجتمع المسلم يعيش في بحر من الأوهام، ولا يلبث أن يكتشف الحقيقة المرة لكن بعد فوات الأوان: أن المرأة في الواقع الإسلامي اليوم هـي الثغر المفتوح، الذي ينفذ منه الكثير من البلاء، ومن خلاله تنتقص القيم الإسلامية، ويدخل عليها (الآخر) بكل مثالبه.. ولو كنا نتمتع بالحصانة الثقافية والوقاية الحضارية والواقع المقنع، وكنا في مستوى إسلامنا، لما امتد (الآخر) في فراغنا واستطاع أن يستغل معاناة المرأة فيسرق نساءنا وبناتنا ونحن ما نزال معلقين على المنابر بعيدا عن أرض المجتمع.

إن الكلام عن عظمة القيم الإسلامية بالنسبة للمرأة لم يعد يقنع إلا أقل القليل، لأن واقع المرأة في مجتمعات المسلمين، أو في بعضها على الأقل، يدعو للحزن والأسى.. ولتعلم النساء أن ذلك من فعل الناس وشهواتهم ورغائبهم، باسم الدين وليس من عطاء القيم.. ويحضـرني هـنا تلك المرأة التي زوجها والدها لابن أخيه دون أن يأخذ رأيها بالزواج الذي هـو من أحق حقوقها، فشكت الأمر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فرد الزواج وألغاه، فقالت: أنا راضية بابن عمي ولكنني أردت أن يعلم الآباء أنه لا يحق لهم شرعا إكراه بناتهم على الزواج ممن لا يرضونه.. [ ص: 27 ]

أخرج ابن ماجه ( عن ابن بريدة، عن أبيه؛ قال: «جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء». ) وهنا نعاود الاستذكار أيضا لقول المرأة التي قامت في المسجد لتقول للخليفة الراشد عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، ما معناه: أيعطينا الله ويمنعنا عمر؟ فأين المرأة المسلمة اليوم، وأين واقعنا، من الإسلام الصحيح؟ وكيف السبيل لأن تأخذ المرأة المسلمة طريقها إلينا؟

إن الكثير من الدعوات والشعارات والإعلانات والضخ الإعلامي يحاول اليوم أن يسرق المرأة المسلمة ويدعوها إلى التحلل والانفلات إلى حمأة الغريزة والتعري باسم الحرية والتحرر.

ومن المفارقات العجيبة أن المرأة اليوم مهما كانت مثقفة وواعية ومتعلمة وتؤدي دورها في أرقى وظائف المجتمع، إذا لم تتحلل من لباسها وقيمها وتتحول إلى امرأة تافهة في اهتماماتها، تبقى متخلفة ورجعية وغير متفتحة ومؤهلة للمجتمعات الراقية (!) لقد أصبحت المرأة الغربية هـي المعيار بكل ممارساتها، رغم معاناتها، لأن الشعوب المتخلفة لا تبصر غير الشكل الظاهر. [ ص: 28 ]

وكم جهدنا واجتهدنا ودافعنا عن ضرورة تفرغ المرأة لوظيفتها الأولى في المجتمع الإسـلامي، الأمومة والتربية، وهي مهمة لا شك أنها من أشق المهام وأكثرها تعقيدا وحاجة إلى العلم والبصيرة، وكان فهمنا لأبعاد هـذه المهمة أن الأمر يتأتى بمجرد الانحباس في البيت، الذي لا يخرج عن كونه وسيلة لذلك، حتى ولو كانت جاهلة أمية، غير عارفة بأمور الحياة ومشكلات المجتمع التي لا بد أن تعد أبناءها للتعامل معه... فكيف لأم جاهلة أمية أن تكون مربية ناجحة في وظيفتها، سواء جلست في البيت أو خرجت منه؟ وبذلك نكون قد تمسكنا بالوسيلة وأهملنا البحث في تحقيق الغاية، علما بأن الكثير من النساء الجاهلات كان جلوسهن في البيوت مصيبة على الأولاد، وعلى أنفسهن في آن واحد، لأن الجلوس دون القيام بوظيفة التربية والأمومة على أسس سليمة يدمر تربية الأبناء، ويجعل الكثير من الطاقات عند المرأة فائضا عن الاستخدام، فيؤدي ذلك إلى الاكتئاب والقلق والأمراض النفسية، إضافة إلى أن أولاد الكثير من الموظفات والعاملات من اللواتي لا يعطيهن أولادهن إلا بعض أوقاتهن يمكن أن يكونوا أفضل تربية وعطاء.

وليس هـذا فقط، فالمفارقة العجيبة في حضارة اليوم، أنها تقرر نظريا أن التربية هـي أساس النمو والنهوض، والتعليم سبيل الحضارة، [ ص: 29 ] وتقيم لذلك الكليات والمعاهد ومراكز البحوث، وفي الوقت نفسه لا تعتبر عمل المرأة في البيت والتربية والأمومة عملا، وبذلك تفسد الحضارة الحديثة برؤيتها وفلسفتها في إخراج المرأة عن وظيفتها ورسالتها حتى ولو أحسنت، البيت والعمل معا.

إن مجرد الحبس في البيت، هـو في نظر الإسلام عقوبة تمارس على المنحرفات، هـو عزل لهن عن إلحاق الأذى بالمجتمع وإشاعة الفاحشة،

يقول تعالى: ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) (النساء:15) .

نعود إلى القول: أين المرأة المسلمة في مجتمعات المسلمين، وفي بيوت الكثير من الدعاة، وفي أنشطة الحياة المتعددة، وفي الفعل التربوي؟ وهل ما تخرج البيوت المسلمة اليوم مدعاة للفخر والاعتزاز وإثارة الاقتداء؟ وكيف السبيل إلى العود الأحمد؟

إن استرداد دور المرأة المسلمة في الحياة المعاصرة، ومن خلال المعترك الحضاري والحوار الثقافي والإغراق الإعلامي والتسويق الإعلاني، أو في إطار تداعيات ومعطيات حقبة العولمة، أصبح ضرورة تربوية واجتماعية وحضارية وإنسانية؛ أصبح ضرورة لاستعادة إنسانية الإنسان وتصويب المسيرة البشرية، الذي تبدأ من عند المرأة، [ ص: 30 ] وليس مستغربا القول الشائع: إن المرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بشمالها. ولعلنا نقول: إن هـزة السرير هـي التي تحرك العالم وتتحكم بمستقبله وتبقى اليد الأخرى جاهزة لعمل آخر.

إن إعادة الولاية للمرأة المسلمة، وإعادة بنائها وفق القيم الإسلامية، لتمارس وظيفتها وتضطلع بدورها، مهتدية بقيم الوحي في الكتاب والسنة، ومقتدية بالنماذج المضئية في مرحلة القدوة والتأسي، وممارستها تلك المولاة في البيت والمجتمع، أصبح اليوم يشكل مشروع الإنقاذ وسفينة النجاة للبشرية جميعا،

استجابة لقولـه تعالى: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) (التوبة:71) .

أين هـذه الموالاة في مجتمعات المسلمين، بين الرجال والنساء، والاضطلاع بالدور الإنساني المنوط بالمرأة المسلمة والرجل المسلم، وما الحجة الشرعية للذين أقصوها عن هـذه الموالاة فكان الإقصاء سببا في أزمة الإنسانية؟

ولنتأمل قولـه تعالى بكل أبعاده ومعطياته في الواقع:

( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) (الأنفال:73) ..

إن الفتن والفساد العالمي الجديد، الكبير، [ ص: 31 ] الذي بدأ يعم الأرض، نتيجة موالاة الكافرين بعضهم لبعض محتاج لأن يكون المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض لخير البشرية وإلحاق الرحمة بها، وهذا مستفاد من قوله تعالى، بعد أن ذكر موالاة الكافرين:

قال: ( إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير )

فمتى نفعل هـذه الموالاة؟ وكيف نعيد صياغتها، وتعود المرأة إلى دورها لتتكامل الموالاة، وتوقف الفتنة؟ أين هـذا من المرأة المسلمة التي تعيش وطأة التخلف اليوم وتعـجز عن أن تدفع الفتنة عن نفسـها، لا أن تحول دون وقوعها لغيرها؟

إن التخلف والتراجع والغياب الكامل، بمعاذير محزنة وصور من التدين المغشوش، الذي يسوغ هـذا التخلف، أدى إلى نوع من الضياع، والبحث عن المرأة المسلمة في المرأة الغربية، والبحث عن المرأة في الرجل وعن الرجل في المرأة فتولد عن ذلك الجنس الثالث، فلا هـو بالمرأة ولا هـو بالرجل.

أين المرأة المسلمة من الأنموذج، من نساء عصر القدوة، اللواتي بايعن بيعة العقبة ، التي ترتب عليها إقامة المجتمع والدولة المسلمة، وهاجرن، على ما في الهجرة من مخاطر ومعاناة، وجاهدن فأحسن المجاهدة والجهاد؟ [ ص: 32 ]

أين المرأة المسلمة من السيدة خديجة رضي الله عنها ، التي استوعبت ظاهرة الوحي، وأدركت كل أبعادها وتداعياتها، وأحسنت التعامل معها، وهدأت من روع النبي صلى الله عليه وسلم وقرأت المستقبل وأحسنت الإعداد له؟

أين المرأة المسلمة من السيدة أم سلمة رضي الله عنها عندما عالجت واحدة من أكبر المشكلات في تاريخ الدعوة، في صلح الحديبية ، وكيف استطاعت إدارة الأزمة، التي عجز عن التعامل معها رءوس الصحابة؟

أين المرأة المسلمة من السيدة عائشة رضي الله عنها ، التي استدركت على الصحابة في أخص خصائص وسمات العلوم الإسلامية، في الحديث والإسناد والفقه؟ ولا يزال كتاب «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة» يتداول وينمي معارف المسلمين وتراثهم.

إن السيدة عائشة، رضي الله عنها ، تتلمذ عليها مشيخة المهاجرين والأنصار من كل حبر وعالم وفقيه وقارئ وراوية وعنها وحدها نقل ربع الشريعة كما قال الحاكم في المستدرك. [ ص: 33 ]

هذا عدا عن الشاعرات، والأديبات، والطبيبات، والعالمات، والمجاهدات في كل العصور، والأمهات والقيم الإسلامية الخالدة قادرة على العطاء في كل زمان ومكان.

ولا ندري ماذا دهانا اليوم حتى بتنا نفتن بواقع المرأة في الحضارة الغربية، ونبحث عن المرأة في الرجل وعن الرجل في المرأة، ونلهث وراء السراب، وتخطف أبصارنا ما تظهر به المرأة في الحضارة الغربية من الحرية في التعامل مع جسدها، تلك الحضارة التي اختزلت عمر المرأة في أقل من عشر سنوات، هـي سنوات الشباب والنضارة، لأنها تتعامل مع المرأة كجسد ومتعة وسلعة، في كل المجالات ثم بعد فورة الشباب تنتهي المرأة إلى كهوف ومغارات الظلام من الأمراض النفسية، من القلق والإحباط والاكتئاب، بعد أن كانت في شبابها تعيش كل الأضواء والشهرة والمساحيق والمكياج والأزياء؟

وقد لا نكون بحاجة إلى التأمل في واقع المرأة في الحضارة الغربية، وما انتهى إليه أمر مجتمع الإباحية باسم الحرية، من تجارة الجنس، وسياحة الجنس، ومافيا الجنس، وعمليات الاغتصاب والتحرش الجنسي، والتأسيس والتقنين للشذوذ الجنسي، والزواج المثلي، والعلاقات غير الشرعية، والخيانات الزوجية التي تدمر الأسرة، حتى [ ص: 34 ] وصلت إلى الزنى بالمحارم، والإباحية الجنسية التي انتهت إليها الكثير من المجتمعات الغربية.

إن الحالة التي انتهت إليها المرأة في الحضارة الغربية جاءت ثمرة لفلسفة الجنس عند فرويد وغيره من فلاسفة مجتمعات الإباحة، الذي أرجع في تحليله النفسي جميع الأنشطة والسلوك البشري إلى دوافع غريزية، متمـثلة في غريزة الجنس، حتى رضاعة الطفل من أمه هـو عنده نوع من التلذذ الجنسي، وحب البنت لأبيها، وحب الابن لأمه، أو ما يطلق عليه بعقدة أوديب، هـو سلوك بدوافع جنسية، وفاته أن يفسر هـذا السلوك ويحلله نفسيا تفسيرا صحيحا نظيفا، وكيف أن الله سبحانه وتعالى جعل ارتباط الابن بأمه أشد حتى يتم تدريبه عندما يصير زوجا على حسن التعامل مع المرأة الزوجة المشوب بالرحمة التي أسسها مع أمه، وكذلك حال البنت مع أبيها لتصبح زوجة تحسن التعامل الراقي والمحترم مع زوجها.

إن فلاسفة الإباحية اختزلوا الحياة كلها في الغريزة الجنسية، فتحولت الحياة والمجـتمعات إلى حدائق حيوان، ينـزو بعضهم فيها على بعض، بعد أن عـم البلاء وأصـبح ظاهرة يشكو منها أهلها تتطلب حلولا. [ ص: 35 ]

وليس ذلك فقط، فلقد بدأت المؤتمرات تقدم المسوغات التي تدعو إلى اعتبار الأسرة نمطا اجتماعيا تقليديا لا بد من تجاوزه؛ وكيف تطور وضع المرأة في فلسفتهم من شيطان يغري سيدنا آدم بالاقتراب من الشجرة وأنها سبيل الخطيئة والغواية إلى قاصر عديم الأهلية، إلى متعة، واليوم بدأت مرحلة المرأة السلعة، تباع الثياب على جسدها، وتباع الأطعمة على جسدها، وتباع السيارات والمكانس على جسدها، ولا يلبث هـذا الجسد أن يلفظ بعد بضع سنوات، لأنه أصبح مستهلكا وعديم الصلاحية.. فأين تذهب المرأة بعد ذلك؟ إلى المصحات النفسية، إلى دور الرعاية الاجتماعية.. انتهت إمكانية تقديم عروض الأزياء وعروض الجمال، وأنواع التصميم لبيع السلع جميعا؛ ولكل سلعة مصمم للباس المرأة وشكل المرأة التي تعرضها، وتفتن الكثير من فتياتنا وفتياننا، لأنهم لا يبصرون إلا الصورة، وتغيب عنهم الحقيقة بكل تداعياتها وأقول: نحن الذين مارسنا عليهم الحرمان من حقوقهم وإنسانيتهم، دفعناهم إلى الفتنة والافتنان؛ ولعل عقاب ذلك وبلاءاته بدأت تحل بمجتمعاتنا، وتعتبر معيارا لتقدمها ورقيها، دون أن يطرح السؤال: فأين تذهبون؟

إن فلسفة الجنس أدت إلى اعتماد المرأة والجنس مدخلا للابتزاز في جميع الممارسات السياسية والاقتصادية والأمنية. [ ص: 36 ]

إن عمر الزواج بدأ يعد بالأشهر لا بالسنين، فهو اليوم شبيه بزواج الفنانين والفنانات الذين عجزوا عن إقامة أسرة متماسكة، ومع ذلك نقدمهم قدوة لشبابنا، دون أن ندري وأن العزوف عن الزواج وشـيوع العنوسة في النساء بدأ يعـم، بكل ما يحمل معه من آثار نفسـيه واجتماعـية، ونتوهم أن السبب هـو غلاء المهور، أو التقاليد الاجتماعية، أو... ولا نجرؤ على بيان السبب الحقيقي لأكثر من اعتبار، ذلك أن جميع الحلول التي اقترحت لم تعالج المشكلة، وهذا يعني أننا مانزال نحاول وضع المفتاح في الجدار بدل أن نضعه في مكانه من قفل الباب، فيستمر الخلل الاجتماعي؛ وباسم الحرية والحقوق الشخصية يغيب عن المرأة والرجل الزوجين الاحتساب والرحمة والتعاون والعفو والإيثار وحسن التبعل؛ وباسم العلم يصنع البغي الجنوح والتمرد وتكسير الموازين؛ وبوجود الموارد المالية يتم الاستغناء عن الرجل والتمرد على قوامته، وهكذا تدور الدوائر بسبب البغي الثقافي والحضاري، وحتى التديني.. فهل من سبيل إلى رشد وصواب؟

والكتاب الذي نقدمه يشكل مساهمة، وإحدى البشائر والمؤشرات على اضطلاع المرأة المسلمة المعاصرة، بدورها في الحياة ودخولها المعترك الثقافي والفكري متجاوزة الصورة النمطية التي [ ص: 37 ] وضعت لها في عصور التخلف، واستغلها أعداء الإسلام، كما يشكل خطوة على طريق استعادة الوعي، واسترداد الدور الغائب للمرأة، والتنبه إلى أهمية التحول من الحديث عن عظمة الإسلام ومكانة المرأة المسلمة والاقتصار في الوقوف على الحدود لمنافحة (الآخر) والجدل الحضاري، حول تميز المرأة المسلمة، إلى محاولة إعادة تنميتها، وإثارة فاعليتها، وتدريبها على ممارسة دورها والاضطلاع برسالتها، وتقديم الأنموذج، الذي يثير الاقتداء، وتصويب مسيرة الأسرة والأمة، والتمييز بين قيم الدين، وتجسيدها في عصر النبوة والخلافة الراشدة، مرحلة التأسي، لاستلهام كيفية استئناف الدور من جديد، وبين صور التدين المعوج والمغشوش، التي تمارس على المرأة، ذلك أن إعادة تشكيل دور المرأة وفق قيم الكتاب والسنة، وفعل السيرة، واسترداد موالاتـها وولايتها، هـو مسـاهمة حضارية وإنسـانية، وعلاج لأزمة الحضارة الإنسانية،

استجابة لقولـه تعالى: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )

وقوله تعالى: ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) .

ولله الأمر من قبل ومن بعد. [ ص: 38 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث