الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، وأمكنه بهذا التأهيل والتعليم من الإفصاح عما في نفسه، والتفاهم مع من حوله، كما أمكنه من فهم (الآخر) ورؤيته، وأبصره بكيفية التعامل معه، وأقدره بهذا التعليم أيضا امتلاك الإمكانية على الحوار والتواصل مع محيطه، حيث اللغة مفتاح البيان، وأداة تحقيق هـذا التواصل، وتجسيد هـذا البيان، ووسيلة الاتصال الرئيسة، لذلك فمهما تنوعت وتعددت أدوات ووسائل الاتصال فهي لا تخرج عن ارتكازها على اللغة (واللغة شيء وعلوم اللغة أمر آخر) .

واللغة بما تمتلك من مخزون معنوي ووظيفة اجتماعية وتربوية وتأثير نفسي، بمقدرتها الاستبطانية، هـي الركيزة الأساس في الحوار والتفاهم والتعارف والتعاون والتواصل الإنساني بكل أجناسها وأساليبها، من دعوة ومناظرة ومناقشة ومثاقفة ومفاكرة ومراجعة ومجادلة... إلخ.

وإذا كانت العلة والهدف من تنوع الخلق هـو التعارف والتعايش والتفاهم تحقيقا لسنة الله في التدافع والتكاثر والتنامي، الذي لا يمكن أن يكون إلا بالتنوع، فإن الحوار بأشكاله ومسمياته ومصطلحاته المتعددة يصبح من لوازم الحياة وضمان استمرارها وإقامة العمران والاضطلاع بأعباء الاستخلاف البشري، الذي يقتضي الاضطلاع به التعارف والتعاون والتعايش والتدافع. والصلاة والسلام على الرسول القدوة، إمام الفصاحة والبيان، الذي أوتـي جوامـع الكلم،

قال تعالى: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) (النحل:44)

الذي جاءت رسالته الخاتمة متضمنة مسيرة النبوة بكل ما حفلت به من ألوان الحوار وأساليبه وأنواعه ومشاهده، منذ بدء الخليقة، حيث حوار الله سبحانه وتعالى مع الملائكة حول خلق آدم عليه السلام ، وحواره جل وعلا مع آدم وزوجه، وحواره تعالى مع الشيطان، وحوار الأنبياء مع رب العالمين، وحوارهم مع أقوامهم في بيئات مختلفة وأزمان مختلفة وأساليب متنوعة، الأمر الذي يشكل لأصحاب الرسالة الخاتمة مشهدا حواريا متكاملا لكل أساليب الحوار وموضوعاته، على مستوى الذات و (الآخر) ، والذي يمكن أن يعتبر إغناء وإثراء، وميادين تدريب وأدلة عمل ومشروعات حوار نضيجة تاريخيا للسائرين على درب النبوة.. وبعد:

فهذا كتاب الأمة التاسع والتسعون: «الحوار.. الذات، والآخر» للدكتور عبد الستار إبراهيم الهيتي ، في سلسلة «كتاب الأمة» التي يصدرها مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة قطر ، في محاولة لإعادة بناء وتصويب رؤية النخبة، والمساهمة في إخراج الطائفة القائمة على الحق، التي تحقق خلود القيم الإسلامية وقدرتها على الإنتاج في كل الظروف والأحوال، التي تتمثل الإسلام في حياتها وعلاقاتها، وتشكل الخميرة للتجدد والنهوض الحضـاري، ذلك أن النهوض الحضاري لا يتحقق - فيما نرى- إلا بتفكير نخبة وإنجاز أمة، حيث نتصور أن الأزمة في حياتنا الحضارية هـي أزمة نخبة وليست أزمة أمة، ذلك أن الأمة برهنت في كل الظروف انتصارها للإسلام وانحيازها لقيمه، على الرغم من خيبة أملها وإحباطاتها المستمرة في من يطلق عليهم مصطلح: «النخبة» الذين يرفعون شعارات الإسلام، ويعجزون عن تقديم الرؤية المستقبلية الواضحة والأوعية الشرعية لحركة الأمة في محاولتها للعودة للإسلام والاستجابة لشعاراته والانضباط بقيمه، بل لعلنا نقول أكثر من ذلك من: إن الأمة المسلمة اليوم تمر بمرحلة التشرذم والتقطع في الأرض:

( وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ) (الأعراف:168) ،

والتبعثر والانفجارات الاجتماعية بسبب من الحيرة والارتباك وغبش الرؤية والتباس الأمور وكثرة الرايات العمـية، وتحول الكثير من مؤسسات العمل الإسلامي، التي يفترض فيها الريادة للأمة، إلى أجسام غريبة منفصلة عن جسم الأمة أو إلى طوائف قد تصير إلى الانغلاق بسبب افتتانها بنفسها وفكرها وظنها أنها دون غيرها تمتلك حق اليقين.

وأعتقد أن الكثير من عمليات الاستفتاء واستطلاعات الرأي في العالم الإسلامي، على المستوى الثقافي والسياسي، على حد سواء، لا تعتبر مؤشرا دقيقا على قيمة الأشخاص، ولا دليلا على قدراتهم، ونضوج برامجهم، بقدر ما هـي انحياز لقيم الإسلام وشعاراته التي يرفعونها بالدرجة الأولى، ورفضا للمبادئ والقيم الخارجة عن الإسلام وحملتها، كائنين من كانوا. وما لم نبصر أنفسنا بدقة، ونعترف بأمراضنا بصراحة، وننتقد أداءنا بصدق، ونتفاكر ونتشاور، ونقوم بعملية تحاور (مراجعة شاملة) من خلال عيون خبيرة فاحصة وعقول متخصصة ونوايا مخلصة، وننتهي بهذه المراجعة إلى إنضاج الرؤية التي تتوفر على الأهداف الواضحة والاستطاعات الممكنة، والظروف المحيطة، ومن ثم ممارسة عملية الحوار مع الذات في ضوئها، حتى تصبح ثقافة شائعة في الأمة، قبل الحوار مع (الآخر) لتوسيع دائرة الرؤية والتفاهم حتى تشمل الأمة وتزيل الحواجز من بينها وتحقق القاعدة الثقافية المشتركة لاستيعاب الواقع وإبصار المستقبل واستشعار المسئولية، كل في الثغر الذي يقف أمامه، فسوف تستمر رحلة التيه والضياع والعجز عن الحوار مع (الآخر) ، ويمكن أن أقول: رحلة الضلال، بالمعنى اللغوي، الذي يعني الضياع عن بلوغ الهدف.

إن حالة التأزم، وفكر التأزم والتعصب والتمذهب والتقليد والانغلاق والحجر على العقل وازدياد الطائفيات، يستدعي المراجعة وإعادة النظر ووضع الخطط والبرامج لكيفية عودة الأمة إلى ذاتها، وحوارها مع ذاتها، وإعادة مد الجسور بين أوصالها ورؤاها المبعثرة.

والحقيقة التي تؤكدها النبوة على تاريخها الطويل، ويدلل عليها الواقع، ويثبتها التاريخ البشري، أن الحوار بألوانه المتعددة: البرهان والعرفان والبيان والمناقشة والتشاور والتفاكر والمثاقفة والمجادلة بالتي هـي أحسن، هـي طريق الوصول إلى الإنسان، وهي وسيلة النبوة، كل النبوة، من لدن آدم عليه السلام . ذلك أن النبوة قرآن وبرهان وبيان قبل أن تكون سلطانا، وأمة وفكرة قبل وبعد أن تكون دولة وسلطة.

بل لعلنا نقول: إن المواجهة والعنف والصراع لم تشرع إلا لحماية الحوار وتأمين أجوائه وفتح قنواته، ذلك أن الإنسان لا يقاد إلا من خلال قناعاته، حيث التدين أرقى أنواع الحرية والاختيار وتحقيق كرامة الإنسان.. ويمكن القول بأن: النبوات جميعا اقتصرت على الحوار والدعوة، وتحملت في سبيل ذلك كل أنواع الأذى والإساءة والدفع بالتي هـي أحسن، وفي تاريخ النبوة لا نجد سوى نبوة داود وسليمان عليهما السلام والنبوة الخاتمة جمعت بين النبوة والحكم، بين السلطان والقرآن، بين الدولة والأمة، وشرعت الجهاد والمواجهة بضوابطها الشرعية وفي أضيق الحدود لحماية الدعوة وإزالة المعوقات وفتح الانسداد في أقنية الحوار، ولهذا مغزاه الكبير، ذلك أن المواجهة العمـية والظن بأنـها تعبد الإنسان هـي عودة إلى حياة الغاب، وارتكاس بصفات وخصائص الإنسان، وردة نحو البهيمية.. حتى في عالم الغرائز (الحيوان) اليوم أصبح من الممكن ممارسة عمليات الاستئناس والتأليف حتى للحيوانات المفترسة وذلك بعد ترويضها من قبل الإنسان.

إضافة إلى أنه حتى النبوات التي حلت معادلة تلازم الألوهية والحكم ونزعت صفة الألوهية عن الحكام، وسوت الناس أمام الخالق، إنما كان انتشارها بالحوار لا المواجهة، ولو كانت المواجهة هـي السبيل لانتصر السيف وهزم أصحاب القيم.. والتاريخ ينبئنا بغير ذلك.. وهذه المعادلة أصحاب الحضارية يمكن أن تعتبر سنة ماضية إلى يوم القيامة.. والعبرة بالعواقب البعيدة وليس بالنتائج القريبة التي قد توهم بغير ذلك، علما بأن النتائج القريبة التي قد لا تتجاوز متوسط عمر الإنسان قد تؤكد هـذه السنة أيضا.

ولا أدل على ذلك من التاريخ القريب والبعيد، من أنه بمجرد أن تتاح فرصة ولو محدودة، أو هـامش ولو بسيط، للحرية في بعض بلاد العالم الإسلامي، تأتي كل المؤشرات والنتائج والمبشرات في صالح الإسلام والمسلمين، ابتداء من الانتخابات النقابية وانتهاء باستفتاءات الدولة والحكومة.

لقد أدرك خصوم الإسلام ذلك تماما، ولعل إدراكهم لهذا تجاوز إدراك بعض البسطاء من المسلمين، حيث تيقنوا أن الإسلام هـو خيار الأمة، بضرب النظر عمن يمثله، وأن الحرية والحوار هـو المناخ السليم لامتداد الإسلام وانتشاره واختياره، لذلك حولوا الكثير من دول العالم الإسلامي إلى مخافر، وعسكروا معظم الأنظمة، بعد نجاحهم في إسقاط الخلافة، وأجهدوا أنفسهم بوضع فلسفات ومسوغات للتدليل على أن الأمة متخلفة، وغير مؤهلة للحوار والديمقراطية، وغير قادرة على التعامل مع أجواء الحرية، وهي بحاجة إلى الوعي الديمقراطي الحواري، وانتهوا إلى أكذوبة كبرى هـي أنه لا بد من حماية الديمقراطية من الديمقراطية، وحماية الحوار من الحوار (!) فكانت أنظمة الاستبداد السياسي.

والشيء المحزن حقا وقوع بعض جماعات وتنظيمات العمل الإسلامي في الشرك، والتوهم بأن المواجهة هـي السبيل، الذي يختصر المسافة، ويرغم العدو، ويحقق النصرة، ويستدلون على ذلك بمواجهة خصومنا وأعدائنا وانتصارهم علينا، دون أن يدركوا أننا الرابحون في أجواء الحرية والديمقراطية والحوار، بما نمتلك من قيم إنسانية، وأننا الخاسرون في المواجهة والصراع.. إضافة إلى أن المواجهة لم تأت بخير تاريخيا، وأن خصومنا وأعداءنا في غالب الأحوال هـم الرابحون في المواجهة، الخاسرون في الحوار والحرية والديمقراطية ، لذلك ما عليهم إلا استفزازنا وإغضابنا وجرنا للمواجهة، لتكريس غلبتهم والقضاء علينا.

وهذا الأمر الذي نطرحه، بين الحـوار والمـواجهة، ليس جـديدا، أو بسبب الظروف المحيطة أو الشعارات والأفكار المطروحة على المنطقة الإسلامية للمناقشة، سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي أو التعليمي، كما أن هـذا الطرح لأهمية الحوار والحرية والشورى ليس رد فعل على الإخفاقات الكبيرة للمواجهة في الواقع الإسلامي، وإن كان تحليلا واستقراء لها، كما أنه ليس تراجعا إلى مواقع الفكر الدفاعي، الذي اجتاح المنطقة الإسلامية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث أصبحت كل الكتابات والندوات والمحاضرات والأنشطة الثقافية والإعلامية تتمحور حول الدفاع عن الإسلام من الشبهات التي يقذفنا بها خصومنا وبذلك يتحكمون من خلالها بمجالنا الفكري وأنشطتنا الثقافية، ويبقى إنتاجنا استهلاكيا بدل أن يكون تنمويا إنتاجيا نبصر من خلاله مشكلاتنا الحقيقية، ونجدول أولوياتنا، ونبادر بطرح قيمنا بتخير الجو الملائم والحال المناسب، فالبلاغ والبلاغة في أبسط تعريفاتها هـي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فإذا غلب علينا سوء التقدير أصبحنا نخبط خبط عشواء.

وهذا لا يعني أن نتجاهل الواقع ونحاول القفز من فوقه وعدم التعامل معه، وإنما يعني التنبه إلى أهمية ضبط النسب، والمدافعة بالأقدار المطلوبة، شريطة أن لا تأتي استجابة لتحكم خصومنا بمجالات تفكيرنا وساحات أنشطتنا الفكرية.

ولا شك أن مجالات الحوار وآفاقها تتسع لكل استطاعة، وتتوفر في كل حين، وتستوعب كل موضوع، وتتطلب أكثر من أسلوب، لتحقيق التطلعات والأهداف، ابتداء من الحوار مع النفس، ومراجعة الفعل والسلوك، واختبار القناعات، والتأمل في الأفكار الذاتية، وما ينتج عن ذلك من التوبة الفكرية والسلوكية:

( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ) (القيامة:14-15) ،

والانطـلاق في هـذه الرحلة الداخلية من منطلق الإدانة: ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ) (يوسف:53) ،

ذلك أن مطالب النفس دائما بحاجة للمراجعة، فـ ( الكيس من دان نفسه ) ( أخرجه الترمذي ، وقال: هـذا حديث حسن) ؛ مرورا بالامتداد بالحوار إلى الأسرة المحضن الأساس، بكل مكوناتها: الزوج والزوجة والأولاد والأرحام، والجوار، والجماعة، والنادي، والمدرسة، والجامعة، والمجتمع، والتعليم بشكل أخص، وانتهاء بالحوار مع (الآخر) ، ذلك أن التعايش، والتعارف، والتكامل، والتفاهم، وإزالة الحواجز النفسية، وبناء الشخصية، واكتشاف الميول، ومعرفة المؤهلات، والتعرف على المداخل الحقيقية للوصول إلى (الآخر) والتفاهم معه... هـذا التفاهم هـو الذي ينتج القوانين والأعراف ووسائل الضبط الاجتماعي، ويحرر الحقيقة العلمية، ويؤدي إلى التراكم المعرفي وتبادل الخبرات وترسيخ الأعراف وبلورة القيم الخلقية واكتشاف وسائل التنمية المستدامة.

ولعل من أهم أدوات الحوار اللغة:

( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم... ) (إبراهيم:4)

فاللغة بكل صيغها وأساليبها ومبانيها ومعانيها تشكل وعاء الحوار، ووسيلته لتوصيل الرسالة المطلوب توصيلها.

لذلك يعتبر من الشروط الأساس للحوار التمكن من اللغة الأم في الحوار مع الذات، وإدراك وظائفها الاجتماعية وأبعادها النفسية والتربوية، والتنبه إلى تأثير الكلمة وسحرها ومفعولها، واختبار الاستجابة، وتنويع الأسلوب، واختيار المفردات والمصطلحات، والتحقق بالإبانة، والتمكن من لغة (الآخر) في الحوار معه، والإحاطة بمعرفته، وذلك بالإدراك الكامل لخلفيته الفكرية وقيمه وتاريخه وحاضره.

إن الإحاطة (بالآخر) هـي التي تؤهلنا للحوار معه، ذلك أن خلفيته الفكرية هـي التي تشكل ذاكرته وتصوغ شاكلته الثقافية، وتاريخه يبين لنا مدى تمكن هـذ الخلفية من سلوكه واستجاباته، وواقعه الذي يمثل مستقبل تاريخه هـو الذي يبصرنا بمشكلاته وكيفية التعامل معه. وهنا قضية نعتقد أنها على غاية من الأهمية، وهي أن ننطلق في الحوار من معرفتنا (بالآخر) بكل مكوناته – كما أسلفنا- والتعامل معه من خلال ذلك وليس من خلال ما نريد ونتمنى، ولا يمكن أن يكون الحوار مع عدم الاعتراف (بالآخر) ؛ وذلك أن الاعتراف به وبخياره ووجوده كواقع شيء، وإقراره على ما هـو عليه شيء آخر.

ولقد اعترف الرسول القدوة " بالآخر) ؛ لأنه محل الدعوة، وخاطبه، وكاتبه، وراسله، وطلب من الأصحاب تعلم لغته، وكان ينتقي السفارات المؤهلة للقيام بتلك المهمة الدقيقة، بل لقد توصل بنتيجة التفاوض والحوار إلى معاهدات ووثائق وبناء نقاط مشتركة، وما وثيقة المدينة مع يهود بطوائفهم جميعا، وما صلح الحديبية مع المشركين، وما المعاهدات الأخرى، إلا اعتراف بهذا الواقع وعدم إلغائه ونفيه وإقصائه، ولم يقتصر الأمر على الاعتراف وإنما تجاوز إلى مد جسور الحوار أيضا.

هذا إضافة إلى أن المتأمل في القرآن الكريم والبيان النبوي، الذي يعتبر الدليل والهادي إلى أفضل السبل في الحوار والتعامل مع (الآخر) ، لا يلبث أن يبصر الاعتراف (بالآخر) وبيان عقائده وسلوكه وواقعه ومناقشته والحوار معه، من خلال عقيدته نفسـها، ودعوته إلى صـيغ عقائدية مشتركة:

( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) (آل عمران:64) . هـذه الدعوة إلى أهل الكتاب، تضمنت الانطلاق من مستوى واحد للبحث عن الحقيقة والإيمان بها، والارتكاز في الحوار إلى النقاط المشتركة التي تشكل أرضية للحوار، ومحاور للتفاهم، للوصول إلى مستوى بناء المشترك الإنساني أو الإيماني، وإن لم يتحقق ذلك فلا أمل من المهادنة وتحقيق حرية الاختيار والاعتقاد:

( لكم دينكم ولي دين ) (الكافرون:6) .

ولعل الإشكالية اليوم أن الكثير من باحثينا وعلمائنا وخطبائنا ومفكرينا يسهبون في الحديث عن أهمية الحوار، وشروطه، ومقوماته، ومدلولات المصطلح اللغوية، ويعرضون للحوار وما بلغه من عطاء في الكتاب والسنة، لكن تبقى الفجوة الخطيرة، التي لم تجسر بعد بالشكل المطلوب بين واقع الأمة وقيمها، أن الحديث يقتصر على التقرير دون التجاوز إلى تحليل الواقع ووضع الخطط والمراحل لتنـزيل هـذه القيم في الكتاب والسنة على واقع المسلمين، ذلك أن الكلام عن قيمة الحوار وفوائده وأدواته وأبعاده في الكتاب والسنة، على أهميته وضرورته، إذا لم يترافق بتحليل الواقع وتنـزيل هـذه القيم عليه وتدريبه عليها، تصبح عظمة القيم الإسلامية شاهد إدانة على واقع المسلمين، فكثيرا ما نتحدث عن الحوار ونتحاور بأدوات وأسلحة المواجهة، التي لا تزيد الأمر إلا تصلبا وتعصبا وانغلاقا وتعقيدا، حتى على مستوى الذات، قبل (الآخر) .

ولعلنا نقول: إن الحوار مع الذات، الذي يعني الحوار مع النفس، على المستوى الفردي، والحوار مع المحيط الخارج عن النفس في الأسرة والحي والنادي والمدرسة والمجتمع، هـو الشرط الأساس للتدريب على الحوار، والتصويب للتوجهات، وبناء القاعدة الصلبة، وتوسيع دائرة المشاركة والتفاهم، وإزالة الحواجز النفسية، وإعادة بناء شبكة العلاقات الاجتماعية.

إن الحوار مع الذات الفردية والجمعية هـو المؤهل للحوار مع (الآخر) ، ومهما حاولنا أن نستدل على أن الكتاب والسنة اعتمد الحوار في التربية والدعوة والإقناع والوصول إلى المشترك الإنساني، ومهما حاولنا الإتيان بالأمثلة من النبوة التاريخية لحوار الأنبياء مع أقوامهم، ومصب ذلك في النبوة الخاتمة، دون أن نعتقد يقينا وواقعا بالعواقب البعيدة للحوار، وأنه نعمة من نعم الخالق، إثراء للحياة، حتى ولو تراءى لنا نجاح المواجهة إلى حين، ستبقى دعوانا للحوار بلا دليل، إضافة إلى أن الحوار بشكل عام يزكي النفس، ويصقل المواهب، ويشحذ الهمم، ويمكن من البرهان، ويؤصل للحقيقة، ويؤسس للحياة المشتركة، ويوسع دائرة التفاهم، وينمي الخبرات والطاقات، ويمنح الفرد الشفافية والسلوك الحضاري، شريطة أن تستكمل فعلا شروط الحوار وأولها الاعتراف (بالآخر) ، سواء كان المقصود (بالآخر) على مستوى الذات بتنوعاتها، أو كان المقصود (بالآخر) المختلف في عقيدته وتاريخه.

أما إذا لم يتوفر الاعتراف (بالآخر) وكانت ساحات الحوار على مستوى الذات و (الآخر) هـي أشبه بعقود إذعان وإكراه، حيث النظرة (للآخر) على أنه لا يستحق إلا أن يكون وعاء فقط، لآرائنا ونظرياتنا وأفكارنا وخطبنا، وأن من أهم مواصفاته التلقي والاستسلام، أي أنه في مرتبة كمثل مرتبة المريد أمام الشيخ الملهم، فالحوار بهذا المعنى لا يزيد الأمة على مستوى الأفراد والجماعات إلا خبالا.

والحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها في عالم المسلمين، أن الحوار يكاد يكون غائبا تماما على مستوى الفرد، أو إن شئت على مستوى النفس، فالقليل القليل في أدبياتنا أن نجد من يقوم بعملية المراجعة والاعتراف بمسالكه الخاطئة، والكثير من تأخذهم العزة بالخطأ، ويكاد يكون الحوار غائبا على مستوى الأسرة والمدرسة والنادي والأمة والدولة؛ وأن حديثنا عن الحوار في الكتاب والسنة والسيرة والتراث، وأن الموضوعات كلها، على دقتها وخطورتها، خاضعة للحوار، كما قرر القرآن والبيان النبوي، إنما هـو في غالبه للمباهاة والتفاخر وتجاوز مركب النقص الذي نعاني منه، والمؤسف أننا نرى هـذه الحالة المرضية على المستويات كلها، حتى على مستوى الجماعة الواحدة، فهي ليست تجمعا له رؤية مشتركة وإطار واحد لنظرته للحياة، وإنما هـي مجموعة آحاد، لكل عالمه ورؤيته، وهذا الاختلاف ليس على مستوى التنوع، الذي يغني الفكرة ويثري المسيرة، وإنما هـو اختلاف تضاد وتنازع وإنهاك، وهو بحاجة للكثير من فتح قنوات الحوار المسدودة.. فالجماعة آحاد، والجماعات طوائف.. وهكذا، ونلحظ هـذا بجلاء حتى على المستوى السياسي، وتستوي في ذلك الحكومات والمعارضات.

ولا شك عندنا أن بعض المعارضات لو وصلت إلى الحكم لكانت أشد وأعتى؛ لأن غياب الحوار آفة ووباء يلف الجميع، وإن شئت فقل: «ثقافة»؛ وقد لا يكون مستغربا في هـذا المناخ أن نجد حتى بعض الرموز والنماذج، الذين يتقدمون المجتمعات ويعتلون المنابر هـم أكثر إصابة وصلفا وادعاء بأنهم هـم الأفهم والأعلم ولا يحق لغيرهم الكلام، حتى ولو كان الحوار سبيلا إلى إيصال علمهم؛ إنهم يخافون الحوار خشية أن يسويهم بغيرهم.

هذا على مستوى الحوار مع الذات، الذي يكون ضمن أرضية واحدة، وتاريخ واحد، وقيم عامة واحدة، ووجهة تقريبا واحدة، لما يكون في دواخل هـذه الذوات من رؤى وتوجهات وأفكار وتفسيرات وفوارق فردية وتفاوت ثقافي واختصاصات معرفية، لأنه يستحيل عقلا وواقعا أن يكون الناس نسخة مكررة عن بعضهم، ولو كان ذلك كذلك لانعدمت حرية الاختيار، حيث لا اختيار إلا اختيار واحد، وتعطلت إنسانية الإنسان، وتوقف نمو الحياة وتكاثر الأشياء.

فالتنوع هـو مجال الاختيار وسبيل النمو والتكاثر والارتقاء، والحوار تجسيد لهذا التنوع، والإفادة منه في إثراء وبناء المشترك الإنساني، لأن التعارف الذي يأتي ثمرة الحوار هـو سبيل العمران والتكامل والتعاون وإغناء النفس، بميولها النفسية للاجتماع واستدراك حاجاتها الحياتية ومتطلبات تربيتها طويلة المدى، التي لا بد أن تتوفر ضمن جماعة، وإنجاز مشاريعها الكثيرة التي يعجز عنها الأفراد.

أما الحوار مع (الآخر) فيتطلب الأمر ابتداء تحديد مصطلح (الآخر) هـنا ومن هـو فعلا، ذلك أن الكثير من الحوارات والندوات التي يعنون لها بالحوار مع (الآخر) إنما تتم غالبا بغيابه أو بالوكالة عنه أو بالوصاية عليه، أو بطرح أفكاره وإدارة الحوار حولها ومناقشتها وتحليلها وتحديد أهدافها واستنبات نواياها من خلال خصومه، إن لم نقل أعدائه، بحيث يصدق فيها قول الشاعر: «فيك الخصام وأنت الخصم والحكم»، مع ادعاء الموضوعية والحياد والنـزاهة في التناول دون استكمال شروط وعناصر الحوار الضرورية، من الحرص على حضوره، والاستماع إليه، والتبصر في دوافعه ودفاعه وأهدافه وحججه ومسوغاته.

لذلك نجد الكثير من مشاهد الحوار وندواته تقصي (الآخر) فعليا وإن أعلنت غير ذلك نظريا، فهي تغلق دونه الأبواب وتتجاهله، وعلى ذلك تزداد من الجهل به واتهامه، وبذلك فبدلا من أن يكون الحوار حلا لمشكلة التجافي والتباعد وعدم التفاهم وتوسيع دائرة المشترك وتفكيك التعصب والتحزب، يصبح مشكلة يساهم سلبيا في تصليب التعصب والانغلاق والتحزب والتشرنق، ويتحول لتسويغ وتأجيج المواجهة والصراع.

هذا من وجه، ومن وجه آخر فلعل من أخطر الآفات التي تلحق بمشهد الحوار اليوم: غياب عنصر تكافؤ الفرص في الحوار بين المتحاورين، وغلبة أجواء الهيمنة والتسلط والإذعان، حيث يتحول الحوار إلى رسالة تلقى على الآخرين بإرادة منفردة، يستخدم معها الكثير من وسائل الإرهاب الخفي لتمريرها وبلوغها أهدافها.

وفي حالات كثيرة يتحول الحوار المعنون له بالحوار مع (الآخر) إلى الحوار مع الذات في حقيقته، فالكثير من ندوات الحوار اليوم، التي يفترض فيها وجود عناصر متنوعة ومتباينة في فكرها وعقيدتها وتاريخها، وبكلمة مختصرة: في حضارتها، نراها لا تخرج عن أن تكون حوارا مع الذات، حيث يستدعى للحوار من لا يمثلون الطرف (الآخر) في عملية الحوار، وأن الكثير ممن يسـتدعون كممثلين (للآخر) ، وخاصة من الجانب الأقوى المهيمن، هـم الذين يعيشـون رجع الصـدى لأفكاره، ويكونون مسكونيـن بثقافته وحضارته، فكريا وثقافيا وسياسيا، ولو لم يكونوا يسكنون عنده جغرافيا، وفي هـذه الحالة يتحول الحوار إلى حوار مع الذات، إلى حوار الطرشان، الذي لا يؤدي إلى نتيجة، ويكون أقرب للاحتواء والتضليل الفكري والسياسي.

لذلك قد نجد كثيرين ممن يختارون اليوم للمشاركة في ندوات الحوار بين الغرب والمسلميـن، أو أمريـكا والمسلمين، على المسـتوى الحضاري أو الديني أو السياسي، إنما يختارون غالبا من المتشبعيـن بالثقافـة الغربية، أو من تلامذة الغرب، من الذين يمارسون العمالة الثقافية (للآخر) ، وبذلك يفقد الحوار طعمه وهدفه، وينتهي إلى ما يريده الغرب، ويتحول إلى وسيلة للهيمنة السياسية تزيد المشاكل تعقيدا، وتستدعي المواجهة، وتغيب الحوار والتفاهم، وتؤدي إلى صراع الحضارات الذي يريده الكثير من فلاسفة الغرب، فيحل محل حوار الحضارات، الذي يحرص عليه المسلمون، بحجة أن وسائل الحوار لم تجد نفعا، ولم توصل إلى نتيجة. وأعتقد أن استقراء سيرورة الأحداث في العالم الإسلامي، وما صارت إليه من الصور الدامية من المواجهة مع الذات و (الآخر) ، يدلل على الخلل الكبير في بنية الحوار، سواء مع الذات أو مع (الآخر) ، كما أن ظهور الكثير من المفاجآت غير المحسوبة أو المتوقعة دليل أيضا على أن حوار الغرب مع العالم الإسلامي كان حوارا مع الذات وليس مع (الآخر) ؛ لأن ما نتج عنه في أكثر من منطقة جغرافية دليل على فشل عمليات الحوار عن أن تستقرئ (الآخر) وتنجح في حواره وتقدر كيفية التعامل معه.

وآفة الحوار هـذه لا تقتصر على الحوار مع (الآخر) وإنما تصيب في كثير من الأحيان، إن لم نقل في الأحيان كلها، الحوار مـع الذات، حيث لا تصعب مشاهدة ذلك في الحوار بين الجماعات والتنظيمات والأحزاب وحتى حوار الأمة والدولة.

وهنا قضية قد يكون من المفيد أن نعرض لها ولو بشكل سريع، وهي: أن الكثير من المفاهيم والاعتبارات، التي يخضـع لها الحوار أو يعتمدها، ما يزال بدائيا محكوما بمصطلحات عفى عليها الزمن، فمثلا عندما نقول: حوار المسلمين والغرب، نجد أن هـذا الطرح فيه الكثير من الخلط والالتباس؛ فالإسلام ليس جغرافيا يخص منطقة معينة، حتى ولو كثر عدد المسلمين فيها؛ وليس الإسلام معتقد عرق أو لون أو جنس بعينه، وإنما الإسلام عقيدة ومكون ثقافي متاح لكل أحد.

فالإسلام اليوم جزء من وجهة وثقافة العالم بكل جغرافيته، فهو جزء من نسيج الغرب البشري والثقافي، وجزء من الشرق، حيث أصبح أحد المكونات الفكرية والبشـرية لتلك الجغرافيا.. كما أنه لم يعـد أمرا طارئا ولا عارضا ولا غريبا في الكثير من مناطق العالم، وإنما هـو أمر مستقر ومستمر، اعتنقه الكثير من أهل تلك البلاد الأصليين.. فالإسلام هـو جزء من مكونات الغرب وثقافته، والمسلمون جزء من نسيجه البشري وبنيته الصناعية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية.

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن النظر للإسلام من (الآخر) كدين ينظم العلاقة بين الفرد وربه بعيدا عن فلسفة الحياة بكل أنشطتها وكمكون ثقافي للأمة، وبذلك يمكن رفعه وتحييده وتعطيل قيمه وإحداث فراغ ثقافي وفكري يمكن من امتداد (الآخر) ، فيه الكثير من الجهل والتجاهل والتدليس والمكابرة.

لذلك نعتقد، حتى يأخذ الحوار بعده المطلوب، لا بد من حسن الإعداد له، وذلك بتصويب المقدمات الخاطئة حتى لا تنتهي بنا إلى نتائج خاطئة تنسف جسور التفاهم، بدل أن تبنيها، وتحل المواجهة محل الحوار.

وليس من تكرار القول أن نؤكد: أن الإسلام اختيار يأتي ثمرة لبرهان وبيان وعرفان، وخطاب للإنسان العاقل المكلف المختار، الذي يمتلك أهلية النظر والفهم والاستدلال والمقاربة والمقايسة والمماثلة، كما يمتلك ذاكرة تستحضر العناصر المطلوبة لاستخدامها في المواقف المتعددة، وتؤهله للاختيار، كما أنه يمتلك اللغة التي تمكنه من البيان والبرهان.. فاختيار الدين يعتبر من أرقى أنواع الاختيار، والتوحيد أرقى أنواع الخلاص من العبوديات وسبيل إعلان المساواة واسترداد إنسانية الإنسان وحفظ كرامته، فشعار الإسلام الكبير هـو: ( لا إكراه ) بمعنى (لا مواجهة) ، ( فإنما عليك البلاغ لست عليهم بمصيطر وما أنت عليهم بجبار ) .

لذلك نقول: إن الكسب الإسلامي، أو إن شئت فقل: الكسب الإنساني، الذي محله الإنسان العاقل المختار كان ولا يزال يتحقق بالحوار وليس بالمواجهة، كائنا ما كان هـذا الحوار، وإن استقراء التاريخ الحضاري الإنساني يدل على أن الإسلام انتشر بالحوار والدعوة، وإن المواجهة والجهاد إنما شرع لحالات خاصة للحيلولة دون الفتنة: «الإكراه» وتقرير حرية الاختيار، وتمهيد سبيل الحوار، وتوفير مناخ الاقتناع.

إن العنف والمواجهة لم تأت أبدا بخير، بل لعلها تصنع حواجز نفسية، وتشوه الصورة الإسلامية، وتحول دون الإسلام والانتشار، لذلك كان من أخطر الإصابات جر المسلمين إلى المواجهات لتشويه صورة الإسلام، وقد يصل هـذا التشويه إلى صور من الاختراق، واصطناع عناصر وتثقيفهم بالثقافة المطلوبة لممارسته باسم الإسلام.. ولا ننكر هـنا أن الكثير من المسلمين قد يتوهمون أن المواجهة هـي الطريق الأقصر لخدمة الإسلام ونشره كرد فعل؛ لأن خصمنا انتصر علينا بالمواجهة، فلم لا نلجأ إليها، ولا يبصر غير ذلك، ويضحون بأنفسهم في سبيل ذلك. وقد تغري المواجهة بما يمكن أن يتحقق من نتائج قريبة، لكنها تخفي وراءها العواقب الوخيمة البعيدة؛ والعبرة دائما بالعواقب، وهذا منطق السنن وحكم التاريخ الذي اختبر هـذه السنن ودلل على نضجها.

وقد يكون من المفيد، بعد أن قدمنا لمحة عن فوائد الحوار ودوره وضرورته في بناء التعايش والتعارف والتعاون والحيلولة دون الحروب والمواجهة، وأهميته في بناء المشترك الإنساني والارتقاء بالإنسان وتحقيق كرامته واسترداد إنسانيته، وأنه سبيل الإسلام إلى الانتشار، والانتصار، والاستقرار، أن نجمل بعض الآفات أو الإصابات التي تحول بين الحوار وتحقيق رسالته في المجتمعات البشرية، وهذا لا يعني العدول عن الحوار أو التقليل من أهميته، على مستوى الذات أولا ومن ثم (الآخر) ، ذلك أن الحوار مع الذات هـو الأساس والمرتكز للحوار مع (الآخر) ، ففاقد الشيء لا يعطيه، وإنما يعني أنه لا بد من أن ننأى بالحوار عن هـذه الإصابات، وذلك بتصويب مسيرته واختبار أدواته ووضوح أهدافه.

ولعل أولى تلك الإصابات تتمثل في تحديد واختيار موضوعات الحوار، وتقدير أهميتها، وكون عدم التفاهم حولها يلحق الكوارث والحروب والصراعات والفتن، فاختيار موضوعات الحوار وإدراك أولويتها وطرحها للمحاورة والمناقشة والمثاقفة والمذاكرة والمراجعة والوصول إلى تفاهم وتعارف حولها ومن ثم التعاون، له دور كبير في إثراء الحوار والوصول به إلى تحقيق أهدافه.. أما انشغال الأمة أو إشغال مثقفيها ببعض الموضوعات الجانبية، لاستنـزاف طاقاتها وأوقاتها والتحكم بمجالات تفكيرها وإلهائها عن معاركها الأصلية، ففيه من الخطورة ما الله أعلم.

ونستطيع القول اليوم: إن معظم موضوعات الحوار وأنديته وندواته ومشاهده بعامة إنما تأتي من قبل (الآخر) ؛ هـو الذي يحددها حسب أجندته السياسية والفكرية وأولوياته الاستراتيجية، وما علينا إلا الاستجابة والإجابة، وبذلك يمكن وضع الموضوعات المختارة للحوار بالنسبة لعالم المسلمين في نطاق الفكر الدفاعي، خاصة فيما يجري بعد الحادي عشر من –أيلول- سبتمبر .

ويترتب على ذلك ما يمكن أن يكون إحدى آفات الحوار الكبرى، وهي فقدان الحرية، التي هـي من أهم مقومات الحوار وشروطه.. وهذه الآفة تتمثل في المسموح له والممنوع من الموضوعات في الحوار، لذلك فوجود بعض الموضوعات المحظورة والمحرمة على ساحات الحوار، حيث لا يسمح بطرحها ولا مناقشتها ولا حتى الاقتراب منها، يحول ندوات الحوار ومنتدياته إلى مخافر تدار بعقليات أمنية، وليس علمية موضوعية، الأمر الذي يتناقض ابتداء مع الشروط الموضوعية والضرورية المطلوب توفيرها لإنجاح الحوار.

وقد يكون من الإصابات التي تترتب على ذلك أيضا، عدم توفير الاحترام وتكافؤ الفرص للأطراف المشاركة في الحوار، الأمر الذي يحول الحوار لأن يكون نوعا من التقرير والإملاء لأفكار ورغبات الأقوى المهيمن، والتاريخ والحاضر يحمل لنا الدلالات الكثيرة لموضوعات حوارية كانت المشاركة فيها على مستوى الأمم جميعا للوصول إلى توصيات ومقررات وصيغ إنسانية، فتأتي الدول المهيمنة لتصادرها ولتضرب بها عرض الحائط، وتستبدلها بما تريد، وتحمل الكثير من الدول قسرا على الموافقة عليها، خشية فوات مصالحها. وكثيرا ما تحرم الدول المهيمنة طرح الكثير من الموضوعات والمشروعات بالإرادة المنفردة، بعيدا عن تكافؤ الفرص.. فكيف، والحالة هـذه، يمكن أن تصدق دعاوى الحوار، أو أن يؤدي الحوار رسالته البشرية؟

ومن الآفات أيضا: التحكم في وضع عناوين وأهداف الحوار مسبقا، وتحديد محاوره، واستدعاء (الآخر) المختار بعناية لملء المربع المرسوم له مسبقا، دون أن يكون عنده حرية الرأي والنظر في غير ما حدد لها.

ولعل من أخطر آفات الحوار وإصاباته: ما يعتريه من تدليس والتباس وزيف، وذلك عندما يغيب الطرف (الآخر) عن ساحة الحوار -كما أسلفنا- ولا تتاح له الفرصة لطرح أفكاره وبيان دوافعه وأهدافه ومناقشتها مناقشة موضوعية، وإنما يكتفى بإحضـار بعض الأشخـاص للحـوار نيابه عنه، أو بالوكالة عنه، وليس هـذا فقط وإنما قد يصار إلى طرح أفكار (الآخر) ومناقشتها من خلال خصومه، بل وأعدائه، لذلك نجد أن الأحكام الفكرية اليوم في ساحات الحوار تفتقد البينات وفي مقدمتها الاستماع إلى وجهة نظر المدعى عليه، فهي أشبه بالأحكام القضائية التي يغيب فيها المتهم ويستمع فيها إلى الشاهد (الذي لا يعلم شيئا) .

فكيف لمثل هـذه الحوارات أن تؤدي رسالتها وتحقق أهدافها، وفصولها أقرب إلى الملهاة والمهازل الفكرية والثقافية ؟ ولعل من المشاهد الحوارية المزرية، الحوارات التي تتم على مستوى الذات، في الكثير من المحافل الثقافية والفضائيات، بين اتجاهيـن متناقضين، أو رأيين مختلفين، والتي غالبا ما يسودها الضجيج والصياح والزعيق والاستخفاف بعقل المشاهد والسامع والمشارك، والتي هـي أقرب لمناقرة وصراع الديكة منها للحوار الهادئ.

إنها ملاكمـة ومصارعـة لكن بالكلمات، باسم الحوار، وإن كانت لا تعدم استعراض العضلات وحركات الأيدي، فبدلا من أي يؤدي مثل هـذا الحوار للوصول إلى مشترك إنساني، يزيد الفرقة، ويثير الأحقاد، ويعمق الخلاف، ويغتال المشترك، وينتهي إلى العداوة والتربص والسعاية وسوء النية.

إن مثل هـذه الندوات والمشاهد التي تسمى حوارية هـي أقدر على الهدم والمنابذة، منها على البناء ومعالجة الفجوات، والوصول إلى التفاهم، وبناء المشترك الإنساني، وقد لا ينتج عنها إلا إبراز شخصية مقدمي الحوار والبرهنة على أهميتهم وطول باعهم في العلم والثقافة، واتخاذ ساحة الحوار مجالا للغطرسة ومصادرة الآراء وتقطيعها وطرح اتجاهاتهم الفكرية والسياسية، حتى ولو كان ذلك على حساب المتحاورين والحوار نفسه (!)

ومن الآفات والإصابات أيضا: عدم الإيمان بالحوار أصلا، وسيطرة فكرة الغلبة والهيمنة وصراع الحضارات، واتخاذ الحوار ذريعة ومدخلا لدراسة (الآخر) واستطلاع مواقعه الدفاعية، ووضع الخطط المطلوبة لمواجهته والسيطرة عليه. إن انطلاق مبدأ الحوار إنما يكون من الإيمان ابتداء بالحرية والاختيار الإنساني في الوجهة والاعتقاد، والاقتناع بأن التنوع حقيقة وواقع، وأن الاختلاف حق من حقوق الإنسان وكرامته، وأن الحوار لا يعني ولا يطلب منه إلغاء التنوع ومصادرة حق الاختلاف وإكراه الناس على ما لا يختارون.. فأصحاب الرؤية الآحادية، الذين لا يمتلك تراثهم وقيمهم حق التنوع والاختلاف غير مؤهلين ثقافيا وحضاريا لتقنية الحوار، ولو ادعوا ذلك؛ لأنهم يعتقدون أن الصراع هـو السبيل الوحيد للقضاء على (الآخر) ، وترويضه وتعبيده للسيد المهيمن. لذلك نجد أن كل المعلومات والمعارف والمخترعات والتكنولوجيا ، إذا قرئت أهدافها بدقة تبين منها أنها إنما أنتجت للسيطرة والصراع والمواجهة وتأمين الغلبة، ولعل هـذا يفسر التقدم الهائل في العلوم التكنولوجية على حساب الإنسان نفسه.

لذلك قد لا يكون مستغربا أن نجد دولا حديثة وحضارات قام كيانها كله وأدواتها ومكوناتها ومخترعاتها وأنظمتها السياسية وأدبياتها على المواجهة؛ لأنه من الصعب عليها البقاء والاستمرار بدون وجود عدو، وعند عدم وجوده فعلا لا بد من اصطناعه، حتى ولو كان شبحا غير موجود. ولعل هـذا يفسر الكثير من الأبعاد الإعلامية والاستراتيجية واللوجستية والتحالفية التي تخطط لها الدول المهيمنة اليوم، وأن الندوات ودعوات الحوار لا تخرج عن كونها غطاء لا بد منه للظهور بالمظهر الإنساني. نعود إلى القـول: إن مشهد الحـوار في الكتاب والسنة، وما عرض له من حوار الأنبياء مع أقوامهم، ابتداء من نشأة الخلق الأولى، والامتداد به في الرسالة الخاتمة، حتى النشأة الآخرة، استغرق كل جوانب الحياة، وعرض لكل الحالات، وطرح كل الموضوعات، وناقش جميع المعتقدات، والملفت حقا أنه أفرد لمعتقـدات (الآخر) المساحات التعبيرية الكبيرة.

لقد كان الحوار هـو وسيلة الأنبياء في دعوتهم إلى أقوامهم، مع أنهم يمتلكون الحقيقـة المطلقـة، المؤيدة بالوحي، المسدده به، وأن النبوة تاريخيا لم تعمد إلى المواجهة وكان شعارها الكبير -كما أسلفنا-: ( لا إكراه ) ، ( فإنما عليك البلاغ المبين ) ، ( لست عليهم بمصيطر ) ، ( وما أنت عليهم بجبار ) ، إلا في حالات استثنائية جدا، وذلك لحماية عملية الحوار وضمان استمرارها؛ لأنها تؤمن أن القوة والمواجهة ليست وسيلة إقناع ودعوة، الأمر الذي يشكل رصيدا ثمينا ومنجما ضخما لأصحاب الرسالة الخاتمة، ورثة النبوة التاريخية، وذلك عندما يكونون حقا من ورثة النبوة، ويمارسون باستمرار حوار أنفسهم ومراجعتها لتصويب أدائهم ومحاولة الإفادة من الأساليب الحوارية بكل أجناسها وأشكالها وموضوعاتها، والتدرب عليها عمليا، ولا يكتفون بالفخر والمباهاة بها، ويعلمون علم اليقين أن فاعليتهم أو سلاحهم الفاعل ونصرة مبادئهم الإنسانية إنما هـو الحوار، وأن هـزيمتهم والسيطرة عليهم إنما تتحقق باستفزازهم وجرهم إلى الصراع والمواجهة. فخصومنا وأعداؤنا هـم الأقوى في المواجهة، ونحن تاريخيا لم ننتصر بعدد ولا عدة، وإنما كان نصرنا بهذا الدين، حيث كنا ولا نزال، بما نمتلك من قيم إنسانية تعترف بإنسانية الإنسان وتقرر كرامته وتدعو إلى السلم والتعايش والتعارف، الأقوى في الحوار.

وبعد:

فهذا الكتاب، الذي يجيء في الوقت المناسب، يعتبر دعوة إلى عمل تأصيلي، ومساهمة في تغيير المسار النفسي وإشاعة ثقافة الحوار، التي كادت تغيب بالأقدار المطلوبة عن الذهنية الإسلامية، سواء مع الذات أو (الآخر) على حد سواء، والدعوة إلى ممارسة الحوار الداخلي ابتداء من الحوار مع النفس والانطلاق به إلى الأسرة والمدرسة والنادي والمجتمع والدولة، حتى يشمل فعاليات الحياة كلها، وانتهاء بالحوار مع (الآخر) المختلف في عقيدته وتاريخه وثقافته، والعمل على تصويب عملية الحوار ذاتها، وإيضاح شروطها وأدواتها وعناصرها وأخلاقياتها، والمعارف النوعية المطلوبة لها، سواء على مستوى الذات أو (الآخر) حتى تؤتي ثمارها، وتخلص الذهنية الإسلامية من الآفـات التي انتهت إليها بسـبب من المعاناة وردود الأفـعال، لتدرك أن ما تمتلكه من القيم المعصومة في الكتاب والسنة ورصيد النبوة التاريخي هـو سلاحها الفعال، وهو سفينة النجاة للإنسانية جميعا، بعد هـذه التجارب المريرة من المواجهات التي لم تحمل لنا إلا الصاب والعلقم، وكانت السبب الرئيس في محاصرتنا وشل حركتنا وتلفيق التهم لديننا.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث