الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي جعل قيمة الشورى هـي معيار الالتزام بتحقيق الحاكمية الإلهية في حياة الناس، والسبيل للوصول إلى الحكم الراشد وبناء الإدارة الرشيدة، سواء في ذلك إدارة الحكم وآلية التعاطي مع المستجدات والتطورات، أو اختيار الحاكم وسائر المسئولين، ذلك أن تأصيل قيمة الشورى، في المجال السياسي بالدرجة الأولى، يعتبر المفصل الأساس في وجهة الحكم، حيث إن المجال السياسي هـو المجال الأخطر لما له من انعكاسات على سائر فعاليات الحياة، إضافة إلى الأنشطة الحياتية الأخرى بشكل عام، ابتداء من بناء الأسرة وما يتم فيها من التشاور لإدارتها ومعالجة خلافاتها، وانتهاء باختيار رئيس الدولة وإدارة شئون الحكم،

قال تعالى: ( وأمرهم شورى بينهم ) (الشورى:38) ،

وقال: ( وشاورهم في الأمر ) (آل عمران:159) .

فالتزام قيمة الشورى يعتبر من أبرز سمات ومعالم ومميزات النظرية السياسية في الإسلام.

فالله سبحانه وتعالى رب الناس، وملك الناس، وإله الناس، بكل ما تعنيه هـذه المصطلحات من أبعاد وآفاق؛ هـو الذي شرع للمسلمين الشورى كقيمة لاختيار الحاكم وإدارة شئون الحكم وكمعيار للإدارة والتشريع والاجتهاد، وأمرنا بها؛ وجعل ممارسة الشورى من قبل الناس تكليفا شرعيا؛ وتداول الرأي في اختيار الحاكم، فـ «اجتماع العالمين» والخبراء لتوليد أحكام جديدة للحوادث الجديدة، وممارسة الحوار والنقد والمراجعة والتفاكر والتشاور إنما هـي في المحصلة النهائية استجابة لأمر الله ( وشاورهم في الأمر ) ، وتجل لشرعته في المجتمع: ( وأمرهم شورى ) ؛ وما يتولد عنها من آراء وأحكام واجتهادات إنما تطبيق لحاكمية الله في الأرض، على الرغم من أن مصدرها البشر ودورهم في الاشتراع والاجتهاد في شرع الله، بل لعلنا نقول: إن الشورى في جميع تجلياتها تعتبر الوعاء الأساس لتنزيل حاكمية الله على الواقع وتمييز نظام الحكم في الإسلام.

والصلاة والسلام على النبي الخاتم، الموحى إليه من ربه، الذي أمره ربه بمشاورة المسلمين بقوله: ( وشاورهم في الأمر ) ، على الرغم من أنه مستغن بالوحي، لمعرفة حكم الله والوصول إلى الحكم الصائب، وما ذلك الأمر للرسول الموحى إليه إلا ليؤسس لقيمة الشورى، ويؤصل لها في مجتمع المسلمين، سواء كثمرة لحاكمية الله على الخلق في اختيار الحاكم أو في إدارة شئون الحكم أو كمقدمة لتنزيل الحكم على حياة الناس؛ لأن النبوة اختتمت، والوحي منقطع، والحكام والمسئولون بعد النبوة الخاتمة لا وحي لهم، فالاشتراع والتجديد والتصويب والاجتهاد وسيلة تحقيق الشورى، وتوليد الرأي الذي مصدره الإنسان، لذلك نجد التدريب على الشورى من النبوة: ( أشيروا أيها الناس علي ) (أخرجه البخاري) ، «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة» (أخرجه ابن ماجه ) ، ( أجمعوا له العالمين ) (في رواية لأنس بن مالك ، ( عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل به القرآن ولم نسمع فيه منك شيئا؟ قال: أجمعوا له العالمين – أو قال: العابدين- من المؤمنين، واجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد) ) .. والأخذ بالشورى من قبل النبوة في مواطن كثيرة كان الطابع المميز لفترة السيرة ومرحلة خير القرون، لتشكل نماذج اقتداء.

فحاكمية الله هـي الالتزام بقيمه في الحكم والتعامل والسلوك وممارسة الأنشطة الحياتية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي لا تعني بحال تعطيل وإلغاء إرادة الإنسان واختياره، فهي ليست قدرية معطلة وإنما هـي قيمة محركة فاعلة للإنسان، الذي ناط به الله الاجتهاد وإصدار الاحكام وحكم عليه أن يحكم.. فالإنسان، مصدر الاجتهاد والاشتراع، قد يحكم فيصيب فيضاعف أجره، وقد يجتهد فيخطئ فيقصر أجره، لكنه مأجور على النية والفعل والحركة وبذل الجهد، شريطة أن تكون المشروعة العليا والقيم العليا التي تنطلق فيها سائر الأنشطة وأوعية الحركة هـي الحاكمية الإلهية، بمعانيها المتعددة وأصلها الجامع.

وقد لا يعنينا كثيرا هـنا التدليل على أن الله هـو الذي شرع للإنسان أن يجتهد ويشترع ويحكم ويشاور، وأن نتوقف عند نسبة الحكم والحاكمية للإنسان في كثير من المواطن من مثل قوله تعالى: ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) (النساء:58) ،

وقوله: ( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ) (الأنبياء:78) ،

وقوله: ( وكنا لحكمهم شاهدين ) (الأنبياء:78) ،

وقوله: ( ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ) (الأنبياء:79) ،

وقوله: ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) (النساء:35) ؛

وقوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) (أخرجه البخاري ) .. وقوله: ( إنكم تحتكمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع... ) (أخرجه الإمام أحمد ) ، والاستقصاء في نسبة الحكم والحاكمية إلى البشر يطول ويطول.

والذي نريد أن يكون واضحا أن «مصطلح حاكمية الله »، مر، كمفهوم عام وقيمة حضارية ووجهة سياسية، بمراحل وظروف ومواجهات ومشاحنات، ضيقت آفاقه، واختزل، وحوصر معناه، ليتمحض كدلالة سياسية أو مصطلح سياسي يقابل ويناقض حاكمية البشر؛ وهذا الاختزال أمر فيه الكثير من المجازفة؛ لأن حاكمية البشر منطلقة ابتداء من حكم الله وتكليفه إليهم أن تكون لهم حاكمية - كما أسلفنا - والبشري هـنا ليس في مقابل الإلهي ولا في موازاته ولا في مواجهته، ذلك أن الحاكمية تعني أن المشروعية العليا للمجتمع والدولة، التي لا بد أن تنطلق من القيم الإسلامية، في الكتاب والسنة، كمظلة وضابط منهجي لحركة الإنسان وفعله وأنشطته في شتى المجالات، هـي منطلق وليس برنامجا، هـي قيمة ومعايير لفعل الإنسان وضبط صور تدينه، وبكلمة مختصرة: هـي قيم دين معصومة وليست صور تدين وفعل واجتهاد بشري يجري عليه الخطأ والصواب.

وبعد:

فهذا «كتاب الأمة» الثامن عشر بعد المائة: « الحاكمية في الفكر الإسلامي» للدكتور حسن لحساسنة ، في سلسلة «كتاب الأمة» التي يصدرها مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة قطر، في سعيه الدائب لإعادة بناء الوعي، واسترداد الفاعلية، والمساهمة في معاودة إخراج الأمة الوسط، لإلحاق الرحمة بالعالمين من جديد، وتحقيق الشهادة على مسيرة الحضارة الإنسانية استجابة لقوله تعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة:143) .

ولعل الأمر الأهم في السعي لإخراج الأمة وتحقيق الشهود الحضاري يتأتى بالدرجة الأولى من اختبار وسائلنا في إعادة الوعي وكيفية تأهيل الأمة لهذا الدور الرسالي، وإلى أي مدى تنطلق وتتفق أفكارنا وأفعالنا مع القيم الموحى بها، أو تتطابق مع معرفة الوحي، حيث عند ذلك تتحقق شهادة الرسول ( فينا: ( ويكون الرسول عليكم شهيدا ) ، ومن ثم نتأهل - بعد تحقيق شهادة الرسول فينا- لنكون شهداء على الناس: ( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) (الحج:78) ،

لذلك نقول: إنه لا مندوحة لنا باستمرار من اختبار لبنات بناء الوعي، ومراجعتها، وفحص شرعيتها وسلامتها، ومدى صلاحيتها، وتحديد موقعها ومكانها وأولويتها في إعادة البناء.

وفي تقديرنا أن طرح الكثير من المصطلحات والمفاهيم والإشكاليات والمتشابهات للحوار والمناقشة والمثاقفة والمفاكرة، وتفكيك مكوناتها، والقيام بمراجعة لتاريخها وعوامل تشكيلها، ومحاولة إبصارها من جميع الزوايا، وتحريرها مما لحق بها من الانغلاق على شخص أو جماعة أو طائفة أو حزب أو زمان أو مكان، بسبب ظرف معين، أو معاناة خاصة، أو أزمة، أو مواجهة، هـو السبيل إلى التفاعل والتفاهم وبناء القاعدة الثقافية المشتركة، وحماية لعقل الأمة وقيمها من التوضع والتجمد والتلبس الذي يتحول شيئا فشيئا ليصبح غير طبيعي بسبب المناخ غير الطبيعي.

لذلك نرى أن تفكيك الأسوار، وفك قيود التعصب والتقليد، وطرح الأمور للتداول وإعادة التداول، وديمومة المعايرة بقيم الكتاب والسنة، وتحويلها من أن تكون قيما أو أفكارا مركبة على مقاس فئة أو طائفة أو حزب أو جماعة، أو حكرا عليها، وإخراجها إلى الفضاء الكبير على مستوى الزمان والمكان والإنسان، حيث إن الطرح والحوار والتداول هـو الكفيل بإعادتها إلى خلودها وعمومها وعالميتها وإنسانيتها، هـو الذي يشكل في حقيقته جدلية الحياة وجوهر العملية الفكرية وسبيل التنمية الطبيعية، وهو الذي ينفي نوابت السوء، ويخلص المصطلحات والمفاهيم من التوظيف والاحتكار والاختزال والدوران في دوائر مغلقة.

ولعلنا نسارع إلى القول: بأن الإغلاق والانغلاق هـو الذي يؤدي بالكثير من المفاهيم والفهوم المعوجة إلى العيش والامتداد والاستمرار والعقم، لذلك نرى أن الكثير من البلاء المفاهيمي وما يتولد عنه من التحريف الباطل والتأويل الفاسد، إنما حصل بحجبه عن التداول العام، وجاء ثمرة للانغلاق والطائفية والانعزال والخروج بها من الشأن العام، الأمر الذي حول بعض المفاهيم البشرية إلى مقدسات وأنصاب يقوم عليها رموز تحتكر دلالاتها وفهمها.

وقد يكون سبب استمرار بعض الأفكار المعوجة ليس فقط تغييبها عن التداول وإنما الإغراق في تبطينها وباطنيتها أيضا حتى أصبحت الباطنية دينا وعبادة؛ ولا نرى تفسيرا لاستمرار بعض الفهوم والأفكار المعوجة والممارسات الشاذة إلا بسبب حمايتها وإحاطتها بالسرية والباطنية وحتى التقية؛ لأنها في أصلها قد تنشأ كرد فعل ونتيجة لحالة خاصة وأزمة لا تلبث أن تنتهي وينتهي الفعل، ومن ثم تتحول تلك الأفكار والفهوم وردود الأفعال إلى فخاخ تاريخية منصوبة حول العقل، تشكل أسوارا سميكة ومعطلة لعملية التفكير. والسبيل إلى العلاج - فيما نعتقد - يتمثل في طرح بعض المفردات والمصطلحات والمفاهيم والدعوة إلى مراجعتها باستمرار في الفضاء الفكري الحر، وتقليبها على جميع وجوهها المحتملة، واستدعاء الفهوم التراثية، واستقرائها، في محاولة مستمرة للتصفية والتنقية، وإزالة الغبش، واسترداد الفاعلية والعافية، ونفي نوابت السوء حولها، وإخراجها من الدوائر المغلقة، وإبصار كيفية التعامل معها، مع الأخذ بالاعتبار تغير الزمان والمكان وتبدل الاستطاعات والإمكانات.

وإذا كان هـذا التداول والمثاقفة من لوازم إعادة إخراج الأمة وبناء وعيها واستمرار نموها السليم، في ضوء النهار، فإن القضايا الكبرى والمفصلية في حركة الحياة تبقى هـي الآكد للمراجعة، حيث هـي بحاجة في كل وقت وحين إلى التداول والمعايرة والتحرير مما يمكن أن يتلبس بها ومن ثم خطفها من مجالها واختزالها في حالات خاصة، وتوظيفها لمواجهات خاصة، من مثل مصطلحات: الحاكمية ، والمواطنة، وحدود الولاء والبراء ، وأبعاد التعايش، والتعارف، ووسائل بناء المشترك الإنساني، وطرائق البيان وأساليب الدعوة.

إن التعددية في النظر تأتي ثمرة طبيعية للفوارق الفردية والكسب المعرفي والتفاوت في كل المجالات، لذلك فالتنوع والتعدد والاختلاف والانفتاح والتحاور والمثاقفة والمشاورة والمفاكرة هـي ظواهر طبيعية، ودليل صحة وعافية عقلية، ودليل حرية واستشعار مسئولية، وفضاء واسع للحركة والنظر، واجتماع للعقول والخبرات والتخصصات في عقل، وتحريك للحيوية في المجتمع، فهي عامل إثراء وخصوبة، وفتح لنوافذ العقل على جميع الجهات.

وهذا جميعه إنما يتحصل في الحالة الطبيعية، لكن هـذا التنوع والاختلاف والتعدد يتحول إلى تبعثر وضياع وتفتيت وشتات وفرقة وتعصب وقتال وتفريق للدين واختزال للحقيقة، وتحول إلى المواجهة، في حالة التخلف والتراجع الحضاري.

وقد تكون الإشكالية الكبرى التي تتولد عن ذهنية التخلف والتراجع الحضاري: الانغلاق، والتعصب، والتقليد الجماعي، وتلقي المنهج النقلي بدون وعي وإدراك، وإسقاطه بشكل آلي ومجرد على وقائع دون الإحاطة بها، ودون دراسة معمقة ومنهجية للشروط الواجب توفرها والاستطاعات المطلوبة لتنزيل الحكم على محله.

إن الانغلاق على النص، أو إغلاق النص على حالة بعينها، وانتقاء حوادث وأحداث وتركيبه عليها، أو تركيبه على فعل وممارسة جماعات أو طوائف بعينها في محاولة لتسويغ فعلها وشرعنته، لتلقى القبول من الجمهور المسلم، هـو من أخطر عمليات العبث الفكري والتعسف في تطبيق أحكام الشرع، وهذا غالبا ما يكون في الممارسات والمواجهات السياسية والحزبية، وحتى المذهبية والطائفية، وعندها يقرأ النص بأبجديات وأدوات خاطئة، تنتهي إلى معان مغلقة غير قابلة للمراجعة، وتقتطع النصوص من مجالها ومساقها، ويبدأ الكثير من الناس يتلقون النصوص بألسنتهم ودون أن تمر من خلال عقولهم ومن خلال فهم خير القرون، المشهود له والمطلوب اتباعه بإحسان؛ لأنه يشكل المرجعية التي تحول دون الخروج والمجازفات وتشويه القيم الدينية من خلال صور التدين المغشوش.

ذلك أن من صور التدين المغشوش، ومن إفرازات ذهنية التخلف والتراجع الفقهي والفكري، التحول من الفقه في الأمور والتبصر بها وتقليب المسائل على وجوهها المتعددة والنظر إليها من زواياها المختلفة إلى الاكتفاء بحمل الفقه والمفاخرة فيه، دون أن نتنبه إلى تحذير الله لنا من الوقوع في حمل الأسفار، الذي لحق بالأمم السابقة.

وليس أقل من ذلك خطورة أن يتحول الإنتاج البشري أو الفهم البشري للنص ودلالاته إلى مقدس ومعصوم، ويحاط بأقدار من الإرهاب الفكري وأسوار من العقل الحزبي تحول دون الاقتراب منه أو مناقشته ومراجعته ونقده أو نقضه، بل ويشكل حاجزا وسدا سميكا أيضا يحول دون الرجوع إلى النصوص الخالدة، والنظر فيها واستلهامها، كما يشكل سدا وحاجزا دون العودة إلى الينابيع الأولى من خلال الفهم التراثي والتاريخي للنصوص وتنزيلها على الواقع، أو التحريف والانحراف بمدلولها، والشذوذ في فهمها، وتأويلها لإسقاطها واستخدامها كمبررات ومسوغات للفعل الإنساني بذريعة أن هـذه الفهوم لم تأت من فراغ وإنما جاءت مستمدة من النصوص والقيم، في الكتاب والسنة.

ومن هـنا يبدأ تشكل الطائفيات المغلقة، وتطوأف قيم الدين، ويحتكر فهمها، ويتحول العلم والفقه إلى لون من الكهانة والكهنوت واحتكار معاني ودلالات النصوص، ويبدأ تسرب علل التدين للأمم السابقة ونشوء طبقة المتحدثين باسم الله، التي التحمت في تاريخ الإنسانية لفترات طويلة بحكام الاستبداد السياسي تسوغ استبدادهم، وتلوي الأعناق على طاعتهم، ومن ثم انفصلت لتشكيل طبقة الكهنوت الخاصة ذات الرسوم والشارات والمسوح، تخرج من المجتمع والدين، تظاهر الحكام، وتدعم الاستبداد السياسي، في سبيل تحقيق كياناتها ومصالحها.

إن التباس المعصوم الإلهي بالمظنون البشري، والذات بالقيمة، وقول الشارع برأي الشارح، هـو علة التدين التاريخية، التي تكاد لا تنجو منها أمة، في تاريخ الحضارة الإنسانية. ولا شك أن هـناك دائما إمكانية لتسرب هـذه العلل إلى أمة الرسالة الخاتمة، ولولا تلك الإمكانية لما حذرنا منها وقصت علينا، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن من لوازم الخاتمية ووقف التصويب من السماء (من الوحي) ، استمرار صحة النص وسلامة دلالاته ومفاهيمه واستمراره كما نزل، وذلك ملحوظ بتعهد الله بحفظه وحفظ بيانه،

يقول تعالى: ( إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ) (القيامة:17-19) ،

ولا شك أن الحفظ الذي تعهد به الله إنما يكون من خلال عزمات البشر، فالتقويم، والمراجعة، والمثاقفة، والمفاكرة، والتداول للإنتاج والفهم البشري المتأتي من الوحي وحراسته، والعلماء العدول، الذي يحملون هـذا العلم من كل خلف، ينفون عنه مالحق به، والمناصحة، هـو الكفيل باستمرار الفهم السليم، الذي قد يضيق وقد يتسع لكنه لا ينقطع، لتبقى الحجة قائمة على البشر، ولتحقيق الخلود للنص القرآني.

من هـنا نقول: إن الكثير من الجماعات والطائفيات والفرق، التي ضلت الطريق وحاولت أن تسوغ ضلالاتها بمفاهيم ودلالات بعد إخراجها بالتأويلات عن مساقها وسياقها، انعزلت عن المجرى العام للأمة، وشكلت جزرا منفصلة ومغلقة ومعزولة عن محيط الأمة العام، وشكلت أدلة تحذير وإشارات حمراء أمام السائرين؛ والشر من لوازم الخير.

لذلك نعتقد أن هـذا التفاعل الفكري والفقهي والمجادلة والمراجعة والمناصحة والمناظرة والمناقشة والمماحكة هـو الكفيل بحصحصة الحق وتجليته، وأنه الوظيفة الأساس لهذه الأمة: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (آل عمران:110) ،

أفرادا وجماعات، وسبيل خيريتها، فلا يجوز السكوت عن الحق؛ لأن ذلك من مسالك الشيطان، ولا تجتمع الأمة على خطأ أو تتواطأ عليه، ولا تجتمع على ضلالة. فحفظ القيم من الله، والدعوة إلى حراستها، والتنبه لذلك، وقيام العلماء العدول، والاضطلاع بواجب المناصحة، وتحريم السكوت على الباطل، وعصمة عموم الأمة من الضلال والخطأ، وقيام الطائفة القائمة على الحق، في كل زمان ومكان، وما يقتضي ذلك من التفاعل والحوار المفتوح، يدحض الباطل ويثبت الحق، ويهزم البدعة ويحيي السنة، ويدفع إلى التجديد المستمر، الذي ينفي نوابت السوء، ويعيد للنص عطاءه ويحرر دلالاته الصحيحة.

ويمكننا القول: بأن أدوات هـذا التفاعل ووسائله تطورت، والبرامج تقدمت، والتخصصات في النظر تنوعت، وتقسيم العمل وإدارته ارتقت، والعمل المؤسسي تقدم وتأسس وتأصل، وفي ضوء ذلك كله لا بد من إعادة النظر في مواصفات وتخصصات أهل الحل والعقد وأهل الرقابة العامة ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ، بحيث يكون لكل قضية أهل حلها وعقدها من المتخصصين بعلمها، حتى نوقف خوض الخائضين في أخطر قضايانا المركزية وحركاتنا المفصلية وحتى لا تنتج الأفكار والمفاهيم والمصطلحات إلا بعد نضجها.

ونرى في هـذه القضية أنه لا مانع من أن يطرح كل إنسان رؤاه؛ لأن عموم الأمة، أو صفحتها العامة، كالشاشة اللاقطة، التي تسجل كل ما يمر أمامها من أشكال وأفعال، لكن الذي يقرأ هـذه الأشكال والأفعال ودوافعها ويحدد الخلل ويكشف عن وجه الحق هـم أهل النظر فيها، ولعل الآية الآتية تمنحنا مؤشرا واضحا في ذلك: يقول تعالى: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) (النساء:83) .

وخلاصة القول: لا تقديس ولا عصمة لأي اجتهاد أو إنتاج بشري، وهو كله محل للنظر والاجتهاد والقبول والرد والمراجعة والمناقشة والحوار والمثاقفة... إلخ، إلا ما ورد عن المعصوم بطريق صحيح، وتبقى كلمة الإمام مالك ، رضي الله عنه تشكل مفترق طريق ومعلما من معالم الدعوة إلى اختبار العمل الفكري والفقهي وتصويبه: «كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هـذا القبر، عليه الصلاة والسلام» ، أو كما قال.

لذلك قد يكون المطلوب باستمرار تصويب المعيار في القبول والرد والمعرفة والإنكار، فإذا وصل وعي الأمة من أفراد وجماعات إلى أن نعرف من كل إنسان وننكر فقد وصلنا إلى الرشد العقلي؛ فلا إنسان بلا خطأ، ولا إنسان بلا خطيئة، لكن المشكلة إنما تكمن في عقلية التعصب والتحزب والتجني والجهل وتلقي الكلام باللسان، بل وعمى الألوان، حيث يختزل تاريخ الإنسان وكسبه في موقف، فإذا أخطأ ألغي، وإذا أصاب أله، وفي كلا الأمرين خروج عن الإنسانية والعقل الراشد.

وهنا قضية أعتقد أنها من الخطورة بمكان، وهي أن الإنسان بطبيعته وضعفه ومكوناته وردود فعله قد يستدعي بعض النصوص والقيم والمواقف من السيرة عندما يتعرض لأزمة أو معاناة شديدة، لتشكل له حماية من السقوط، وسلاحا في المواجهة، وشرعنة لما يقوم به، فيخرج تلك النصوص والوقائع من فضائها ورحابتها واحتمالاتها، وينظر إليها بعين ذاته وما تعانيه وتتعرض له، فلا يبصر لها إلا بعدا واحدا، في عصر واحد، لإنسان واحد، ولحالة واحدة، ولخصم واحد، ومن هـنا تلغى زوايا النظر الأخرى، وتضيق الزاوية التي ينظر منها، فلا يرى إلا ما يريد، بحيث تصبح زاوية النظر حادة، وحادة جدا، لا تسع معها أية مدلول أو معنى آخر.

ونحن هـنا لا نمنع حق الإنسان في النظر واستدعاء القيم لمعالجة حالاته ومعاناته وأزمته وماتولد عنها من فكر يمكن أن يطلق عليه «فكر أزمة»، لكن المشكلة -في رأينا- أن يعمم هـذا الفكر، الذي استدعي وحوصر بحالة خاصة وزاوية حادة ليصبح فكرا عاما يعمم على جميع أنشطة الإنسان، حتى بعد زوال الأزمة، وبذلك تتحول الزوايا الرحبة المنفرجة المتعددة إلى زاوية حادة، بحيث يمكن القول: إن «فكر الأزمة» تحول بعد الأزمة ليشكل «أزمة فكر» للأمة.

وفي ضوء ذلك نبصر أهمية استصحاب ملابسات النشأة والتطور وأسلحة المواجهة، التي تؤثر عادة في تطور وتبلور الكثير من المفاهيم والمصطلحات.. فمن جانب ننظر إلى تشكلها من خلال ظروف النشأة والمحيط، وبذلك نكون موضوعيين في النظر، ومن جهة أخرى لا نخرج بها إلى صفة التعميم والصلاحية والملاءمة والمعالجة لكل الظروف. ولعل مفهوم الحاكمية الإلهية وأبعاده، الذي نحن بصدده، يأتي في مقدمة هـذه المفاهيم الأكثر ظهورا ورواجا، حيث لا بد من الإحاطة به، والنظر إلى دلالته اللغوية في معهود العرب في الخطاب ودلالته الاصطلاحية في البيان النبوي، والعوامل التي أحاطت بتشكله؛ كما لا بد من متابعة تطوره بقراءة البعد التاريخي لنشأته وتبلوره في الفكر الإسلامي المعاصر، ومناقشة الأسباب والعوامل والملابسات التي أحاطت به، وكيف أنه اختزل في البعد السياسي، خلافا لدلالته اللغوية والشرعية وتطبيقاته العملية ودلالته في عصر النبوة واستخداماته عمليا في واقع الناس، حتى نستطيع وضعه في الموقع المناسب، بعيدا عن معالجة الانحراف بانحراف، أو الخروج بخروج أخطر يؤدي إلى تصليب الانحراف وتكريسه.

وقد تكون المشكلة في نشوء المفاهيم المعوجة، وتأويل النصوص، والخروج بالمعنى على غير ما وضع له اللفظ، وإخراج النصوص من سياقها وتعطيلها وتبعيضها، إنما هـو الاستبداد السياسي ، وآثاره في الفكر والنفس والمجتمع والأمة، وعلى الأخص أثره السلبي في الفكر والفهم الديني، ذلك أن الاستبداد السياسي بطبيعته ومكوناته وعدم شرعيته يتطلب فكرا دينيا يشكل له غطاء وشرعية ومسوغا.

فكما أن الاستبداد السياسي يسعى لاستزلام طبقة من المثقفين والإعلاميين ويحملهم على خيانة الأمانة، بحيث يتحولون إلى خدمة السلطان، ويشكلون سدنة له، فإن هـذا الاستبداد لا يغفل بطبيعة الحال عن الفكر الأكثر تأثيرا في الأمة وهو الفكر الديني، لذلك يسعى إلى إقامة وتعيين مؤسسات دينية تناط بها الفتوى والتشريع، تتحول شيئا فشيئا للأكل من خبز السلطان والضرب بسيفه، وإسباغ الشرعية الدينية على تصرفاته وممارساته؛ تتحول إلى طبقة كهنة تمثل طاغوتا أخطر من الطاغوت السياسي؛ لأنه يتحكم بدنيا الناس من خلال الطاغوت السياسي وآخرتهم من خلال الكهانة الدينية، وعندها يتحالف الجبت والطاغوت، الذي أمرنا أن نكفر به.

وبدل أن تكون المؤسسة الدينية قادرة على تخليق السياسة والارتقاء بممارساتها، أو بعبارة أخرى تديين السياسة وانضباطها بقيم الوحي، تصبح المؤسسة السياسية هـي المهيمنة، بحيث تسيس المؤسسة الدينية بأشكالها التقليدية لتتحول إلى خدمة المؤسسة السياسية وتسويغ وشرعنة تصرفاتها أمام الناس، وهنا الخطورة، حيث تنشأ ردود فعل بالاتجاه المعاكس وبشكل أشد وأكثر غلوا وتطرفا، وتبلور مفاهيم خاصة قد تضيق واسعا وتضع السلطان والقرآن والدولة والأمة في حالة مواجهة دائمة بدل الحوار والموادعة.

فالاستبداد السياسي هـو السبب الأساس في تدجين الفكر الديني ونشوء فقهاء السلطان، وهو السبب في تأزيم الفكر الديني أيضا ونشوء الغلاة والمتطرفين والمأزومين، الذين ينظرون إلى القيم الدينية من الحلقات المغلقة والزوايا الحادة. وعند ذلك تصبح الدولة في حالة مواجهة دائمة، وتصبح شرائح من الأمة في حالة خروج دائمة ومستمرة، فيكون بأسنا بيننا شديدا، ومن هـذه الشقوق يتسلل الكثير من أعداء الدين والحكم معا، فيخوفون الحكم من الفكري الديني، لأنه يشكل خطورة عليهم، وفي الوقت نفسه يخترقون المؤسسات والمنظمات الدينية ليحملوها على مواجهة خصومهم ويدللوا على خطورتها، في الوقت نفسه، ويضمنوا لأنفسهم السلامة، والأكل من الحاكم والأمة، على حد سواء، ويستمر أصحاب الفكر المأزوم في تقديم القرابين وفي تشكيل رصيد دائم للتضحيات، جاهز للاستخدام وتصفية الحسابات.

ومن مظاهر الإشكاليات التي تؤدي إلى اختزال المفاهيم والمصطلحات الدينية في بعد واحد، سواء في ذلك فقهاء السلطان حيث التدجين للأفكار، أو فقهاء المواجهة والخروج حيث التأزم والتأزيم، وجود أو بروز نوع ثالث من الأفكار والأشخاص، الذي بدأ بالظهور والممارسة في هـذه الفجوة الفكرية، فهو يمارس: فقيه الحاكم، وخطيب الشارع، في الوقت نفسه، حيث يملأ المنابر والشوارع والساحات الإسلامية حماسة وتعبئة وتأزيما، دون أن يقدم الأوعية الشرعية لحركة الجمهور في ضوء استطاعات مدروسة، وفي الوقت نفسه يلوذ بالسلطان ويقدم له المسوغات والفتاوى التي تحقق له المشروعية والقبول وتدين التطرف والعنف، بل لعل المساحات المرسومة للتعامل مع جمهور المسلمين محسوبة بدقة أيضا، وجزء من الصورة وليس خروجا عليها، بحيث تصبح من لوازم تأدية فقيه السلطان وظيفته في التمكين للاستبداد.. فهو من جانب يدفع للمواجهة ويثير حماس الشباب، ويغريهم بالخروج على الحكام الظلمة، ومن جانب آخر يدين العنف ويدعو للاعتدال، ويسوغ الحلول الأمنية.

وتبقى المشكلة التاريخية في إسقاط بعض المفاهيم والمصطلحات على حالات خاصة أو معاناة خاصة، وتركيبها على مقاس هـذه الحالات، وإغلاقها عليها، وانتزاعها من سياقها وفضائها وشموليتها ومجالات فعلها، واختزال معناها في بعد واحد، حيث لا أدل على ذلك من مصطلح الحاكمية ، الذي بدأ مع الخوارج، ولكل عصر خوارجه.

ولئن كانت المشروعية العليا في الدول الإسلامية المتتابعة لقيم الكتاب والسنة، على الرغم مما قد يحدث فيها من بعض الإشكالات، التي قد تكبر وقد تصغر، فتؤدي إلى ردود أفعال ومواجهات، فإن الإشكالية الكبرى عندما تتنازل الدولة في مجتمع المسلمين عن هـذه المشروعية الكبرى وتسقطها، وعندها ينفتح الباب على الرفض والخروج ورد الفعل والمغالاة والاستنجاد بالقيم كمسوغ لهذا الخروج والرفض، واختزال هـذه القيم في بعد واحد، وعدم القدرة على النظر في رحابتها ومجالاتها في غير ذلك البعد، وامتداد ذلك البعد، الذي يورثه التحدي والقهر والاستبداد والاستهانة بالقيم والحط من قدرها ليصبح الحالة الطبيعية، فنتحول - كما أسلفنا - من فكر الأزمات إلى أزمة الفكر أو إلى الفكر المأزوم. فما هـي حدود حاكمية الله ؟ وما مجالاتها؟ وما موقع حكم البشر منها؟ وهل اختزالها في البعد السياسي صحيح أم أنه فقدان للتوازن نتيجة رد الفعل وعدم انضباط النسب؟ وما حدود حكم البشر في هـذه القضية؟ وما مداه؟ وكيف نتعامل مع حاكمية الله؟

ما حدود تشريع الله وشرعه وخاصة أنه في معظمه، فيما وراء العبادات والشئون الثابتة، التي لا تتبدل، جاء على شكل قواعد ومبادئ عامة لضبط المسيرة وتشكيل المرجعية، بعيدا عن الأحكام الجزئية والبرامج العملية والإدارية؟ وكيف يمكن تطبيق حاكمية الله بعيدا عن فعل البشر، الذين يخضعون لأقدار من التدين متفاوتة، سقوطا ونهوضا؟

وإذا كان الحكم يتناسب مع الاستطاعة فكيف يمكن تفسير مقولة: «خذوا الإسلام جملة أو دعوه» إذا لم يكن ذلك مقتصرا على الإيمان بكل الإسلام والتطبيق للممكن والمستطاع من أحكامه؟ وهل يمكن وجود إنسان نقي من الجاهلية، فبعض الصحابة، رضوان الله عليهم، عندما وقع بهفوة أو زلة تمييز، فعير إنسانا بأمه السوداء، ( قال له الرسول صلى الله عليه وسلم : «إنك امرؤ فيك جاهلية ) (أخرجه البخاري ) ؟ وهل هـذه الزلة أو السلوك الجزئي تلغي إسلام الإنسان فيصبح جاهليا؟

وما تقييم هـذه الثروة الفقهية التشريعية التراثية، التي هـي من حكم وإنتاج البشر، في ضوء القيم والمرجعية للكتاب والسنة؟ وإذا كان هـذا سائغا في العبادات القائمة على الاتباع فما بالنا بالمجالات الكبيرة والكبيرة جدا، في المجال السياسي والاجتماعي والتربوي، حيث القيم مبادئ عامة أما البرامج فهي إلى الإنسان، فهو مصدر إنتاجها، أو إن شئت فقل: تشريعها؟

وإذا كانت وظيفة الحكومة حراسة الدين وسياسة الدنيا فكيف تشرع أدوات هـذه السياسة ووسائل تلك الحراسة؟

وكيف يجوز أيضا إيقاف الدولة والمجتمع وتعطيل الاستطاعات وتوقيف مفاصل الحركة ريثما يأتي الحل الكامل الجاهز؟

وبعد:

فهذا الكتاب، يعتبر محاولة علمية لدراسة مصطلح الحاكمية ، نشأته وبعده التاريخي وتطور دلالاته ومجالاته المتعددة، ابتداء من العصر الأول ومرورا بالكثير من فكر الفرق والطوائف، والخلفيات السياسية التي كانت وراء نشوئه، حتى انتهى إلى الفكر الإسلامي المعاصر، في محاولة لتفكيكه ودراسة الظروف التي ساهمت بإنشائه وتطوره والتي قد يكون في مقدمتها الظروف السياسية أو الصراع السياسي وما يقتضيه من أسلحة مواجهة ومسوغات فكرية تحقق له الغطاء الشرعي، الأمر الذي أدى إلى اختزاله في البعد السياسي، وأما ما وراء ذلك من المجالات والأنشطة الحياتية فبالقدر التي يتطلبه البعد السياسي غالبا.

وهذه الأزمة السياسية أو هـذا الاستبداد السياسي، الذي يكاد يكون مستمرا في معظم بلاد المسلمين، وضع الفكر الإسلامي في مواجهة دائمة ومستمرة شكلت للإسلام والمسلمين خسارات كثيرة وتضحيات كبيرة، جاءت غالبا في المكان الغلط، حيث الحصاد لا يذكر، والتجارب مرة، والصورة التي رسمت مشوهة، فالتطرف والعنف لم يأت ولن يأتي بخير.

ولئن استطاع هـذا الكتاب فتح ملف الحاكمية ومحاولة معالجته بشكل علمي وأكاديمي هـادئ، فلا يعني ذلك أنه استطاع حسم الخلاف حول الموضوع، الذي يستدعي بطبيعته تنوعا بوجهات النظر، لكنا نقول: إن الكتاب أخرج هـذا المفهوم أو هـذا المصطلح إلى الفضاء الفكري الإسلامي، وحاول وضعه ضمن سياقه التاريخي، الأمر الذي يفتح الباب ويأذن بمعالجات قادمة لأخطر قضايانا الفكرية والدينية والسياسية المفصلية في حياة الأمة.

والله ولي التوفيق.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث